
الأخبار
دعا المشاركون في المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية، الذي نظمه مجلس المستشارين بشراكة مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أول أمس الاثنين، إلى تعزيز شمولية أنظمة الحماية الاجتماعية وضمان استدامتها المالية والمؤسساتية.
وأكد المشاركون، في الوثيقة الختامية للمنتدى المنظم تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، على ضرورة تحسين آليات الاستهداف والولوج، بما يستجيب لتطور الحاجيات الاجتماعية وتنوع المخاطر، مشددين على أهمية تنسيق البرامج الاجتماعية والحد من تشتتها، وتعزيز الحكامة متعددة الفاعلين، بما يرفع من فعاليتها ويضمن أثرا اجتماعيا ومجاليا ملموسا وقابلا للقياس، كما حثوا على اعتماد مقاربة قائمة على قياس الأثر الاجتماعي في تصميم وتنفيذ وتتبع السياسات الاجتماعية، وربطها بمؤشرات واضحة ومتوافقة مع أهداف التنمية المستدامة.
وأكدت الوثيقة أن تقليص الفوارق المجالية شرط أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء تنمية مستدامة وشاملة، داعية إلى توجيه الاستثمارات العمومية نحو البنيات التحتية والخدمات الأساسية في المجالات القروية والهشة، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية والاجتماعية، بما يدعم الإدماج والاستقرار وتكافؤ الفرص.
وأبرز المشاركون في هذا الموعد البرلماني الدولي دعمهم لدور الجماعات الترابية المنتخبة في تنزيل السياسات الاجتماعية، في إطار حكامة ترابية قائمة على القرب والنجاعة، والتكامل بين المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.
وشددوا على أهمية تعزيز القدرات البرلمانية في مجال تقييم السياسات العمومية، سيما السياسات الاجتماعية والمجالية، باعتبار التقييم أداة مركزية لتحسين جودة القرار العمومي وتعزيز التعلم المؤسسي، داعين إلى إدماج تقييم الأثر الاجتماعي والمجالي في مختلف مراحل العمل التشريعي والرقابي، بما يعزز الطابع الاستباقي والوقائي للتدخل البرلماني.
وحثوا، أيضا، على تطوير أدوات العمل البرلماني المبنية على البيانات والمؤشرات والأدلة العلمية، وتعزيز التعاون مع مراكز البحث والخبراء، دعما لجودة التشريع وفعالية الرقابة.
وعلى مستوى التعاون البرلماني وتبادل الخبرات، أكد المشاركون على أهمية تعزيز التعاون الدولي والإقليمي في مجالات العدالة والحماية الاجتماعية، لمواجهة التحديات العابرة للحدود، وتشجيع تبادل التجارب والممارسات الفضلى بين البرلمانات، وبناء شبكات للتعلم البرلماني وتبادل المعرفة.
علاوة على ذلك، تم التأكيد على ضرورة اعتماد هذه الوثيقة المرجعية إطارا توجيهيا لأعمال المتابعة والتقييم البرلماني ذات الصلة بالعدالة الاجتماعية، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، مع الدعوة إلى تتبع تنفيذ التوصيات الصادرة عنها، وتقييم أثرها الفعلي على السياسات العمومية والبرامج الاجتماعية، في إطار من الشفافية والمساءلة.
وجدد المشاركون في أشغال المنتدى التزامهم المشترك بالعمل المنسق، وطنيا ودوليا، من أجل ترسيخ العدالة الاجتماعية، وتعزيز الإنصاف المجالي، وبناء مجتمعات أكثر صمودا وتماسكا، مؤكدين أن البرلمان، بوصفه فاعلا محوريا في منظومات الحكامة الديمقراطية، يظل رافعة أساسية لتحويل الالتزامات الدستورية والدولية إلى سياسات عمومية منصفة وملموسة الأثر.
وفي كلمته، خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى، قال رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، إن المغرب، بفضل الرؤية الملكية السديدة، بات يتوفر على خارطة طريق واضحة لاستدراك العجز التنموي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وأوضح أن المملكة شهدت إطلاق إصلاحات هيكلية عميقة وبرامج اجتماعية طموحة، مؤطرة برؤية متكاملة تربط النمو بالإدماج، وتضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكافة المواطنين.
ولفت ولد الرشيد إلى أن انعقاد هذه الدورة يكتسي أهمية خاصة، لكونه يأتي في لحظة تنموية مفصلية تمر بها المملكة، “تتسم بما يسميه اقتصاديو التنمية بـ”فخ الدخل المتوسط”، حيث تتعقد المفاضلة بين تسريع الإقلاع الاقتصادي وتعميق العدالة والإدماج الاجتماعيين”، وأشار إلى أن الملك محمد السادس بادر إلى فتح ورش بناء الدولة الاجتماعية كجواب حاسم لا يتعارض مع الإقلاع الاقتصادي، بل يحصنه ويوفر له شروط المناعة والاستدامة.
وسجل رئيس مجلس المستشارين أن المعطيات الهيكلية المتوفرة تؤكد وجاهة هذا النهج، حيث ولج المغرب لأول مرة في تاريخه نادي الدول ذات مؤشر التنمية البشرية المرتفع، مع تسجيل تحسن ملحوظ في جهد النمو الاقتصادي بأكثر من نقطة مقارنة مع متوسط العقد الأخير.
وفي المقابل، شدد ولد الرشيد على أن نجاح هذه الرؤية يستلزم مضاعفة الجهود لتسريع تنزيلها، وتعزيز التنسيق وتأهيل الحكامة وتعميق الإصلاحات، مع التقييم المستمر لآثارها لضمان استدامة النتائج. وأكد، في هذا السياق، أن ربح معركة العدالة الاجتماعية يرتبط أيضا بقدرة المملكة على مواجهة التحولات العالمية المتسارعة والاتجاهات الهيكلية العميقة، التي قد تسهم في تعطيل المكتسبات المحققة وتحول دون تحقيق النتائج المرجوة، وأشار إلى أن طبيعة العوامل المهددة لمسار العدالة الاجتماعية والمجالية تشهد تغيرا واضحا، حيث أضحت الفجوات التكنولوجية والرقمية، وتدفقات الهجرة، ومخاطر الحروب والصراعات الجيوسياسية، وتواتر الأزمات الاقتصادية، فضلا عن التحولات المناخية، من أبرز التحديات التي تستدعي تعزيز آليات اليقظة والاستباقية والمرونة الاستراتيجية.
وسجل ولد الرشيد أن تحقيق العدالة الاجتماعية بفعالية يظل رهينا بمقاربة تشاركية تقوم على تكامل أدوار مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين، ويشكل فيها العمل البرلماني رافعة أساسية، مبرزا أن مجلس المستشارين، بحكم تركيبته الدستورية التي تمثل الجماعات الترابية والمنظمات المهنية والشركاء الاجتماعيين، يضطلع بدور محوري في مواكبة أوراش العدالة الاجتماعية وتعزيز التقائية السياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي.
وخلص إلى أن هذا الحوار المؤسساتي المفتوح واستثمار الذكاء الجماعي سيمكنان من بلورة حلول مبتكرة وفعالة، قادرة على ترجمة مبادئ العدالة الاجتماعية إلى سياسات وتشريعات عملية قابلة للقياس ومستدامة الأثر.
وناقشت دورة هذه السنة للمنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية موضوع “العدالة الاجتماعية في عالم متحول: الحاجة إلى سياسات منصفة لمجتمعات أكثر صمودا”، وتوزعت أشغال هذه الدورة على ثلاث جلسات، تتناول الأولى موضوع “العدالة الاجتماعية في سياق التحولات العالمية”، فيما تناقش الثانية “الإنصاف والحماية الاجتماعية: سياسات شاملة لمجتمعات صامدة”، أما الجلسة الثالثة فتسلط الضوء على موضوع “الحكامة البرلمانية للعدالة الاجتماعية: التشريع، الرقابة وتقييم الأثر”.





