
يونس جنوحي
كان القدر، إذن، يرسم لمحمد التازي لقاءات مع شخصيات وقيادات مهمة في التاريخ السياسي للمغرب. فبعد مقامه في طنجة يومين، انتقل إلى تطوان وأقام في ضيافة عبد الخالق الطريس، زعيم حزب الإصلاح الوطني وقتها، أي في أبريل 1952، ومن هناك «طار» إلى مدريد على متن الطائرة، ووجد ابنة الجنرال أمزيان في انتظاره، ولبث هناك في انتظار استصدار تأشيرة إلى مصر.
لم يدم انتظار محمد التازي طويلا، فقد قضى في مدريد أربعة أيام، لكنها كانت كافية، على حد قوله، لكي تفتح حواسه على ما سيكون في انتظاره في الحياة الجامعية بالقاهرة. صدرت التأشيرة أخيرا ورحل التازي إلى القاهرة.
كتب في أوراقه الشخصية «تلك الأيام»، متحدثا عن لحظات وصوله إلى القاهرة:
«وصل صاحبنا إلى مطار القاهرة بعد ست ساعات من مغادرة مطار مدريد وصادف وصوله تنظيم استقبال رسمي لوزير خارجية إسبانيا السنيور أرتاخو في رحلة صداقة، زار قبلها بعض العواصم العربية، يرافقه وفد عسكري برئاسة الجنرال محمد أمزيان، والد الآنسة الزهراء التي ودعته قبل ساعات في مطار مدريد، وما كاد يسلم جواز سفره لضابط الشرطة المكلف بجوازات المسافرين، حتى طلب منه الخروج من صف القادمين، والانتظار.
انتهى طابور القادمين من إجراءات فحص الجوازات، وغادروا لاستلام حقائبهم، وهو ينتظر.. بعد فترة جاءه ضابط وطلب منه مرافقته، وفي أحد المكاتب تم تفتيشه تفتيشا دقيقا، ثم شرع في استنطاقه:
-أين تقصد؟
-قصدت القاهرة، وقد وصلت إليها.
-معك تأشيرة ترانزيت، لا تعطيك الحق في دخول مصر، فأين وجهتك؟
-وجهتي القاهرة، وتذكرة سفري تقف صلاحيتها في القاهرة، وليس معي تذكرة أخرى».
كان هذا المشهد أولى الصعوبات التي واجهت محمد التازي الذي وصل إلى القاهرة بقصد الدراسة في جامعة القاهرة. وبعد أسئلة وأجوبة كثيرة من هذا النوع، وفي اللحظة التي توقع فيها التازي أن يتم نقله من المطار إلى مكان آخر لـ«استكمال التحقيق» معه أو الزج به في السجن، بل إن خياله ذهب به بعيدا وتوقع أن يكون توقيفه بسبب الاشتباه في تخطيطه لاغتيال الضيف الإسباني المهم على مصر. وبدأ يتخيل «عناوين» الصحف التي قد تنقل خبر اتهامه بمحاولة اغتيال وزير الخارجية الإسباني.
وسط دوامة الأفكار «المجنونة»، فوجئ محمد التازي بانفراج أسارير الضابط الذي كان يطرح عليه الأسئلة، وشرح له الأخير أن أمن المطار اتصلوا بمكتب المغرب العربي للاستفسار عنه والتأكد من أنهم فعلا ينتظرون وصوله، وأكد لهم الزعيم علال الفاسي نفسه عبر الهاتف أنه ينتظر وصوله. محمد التازي سجّل هذه الذكرى:
«ابتسم الضابط فغيرت الابتسامة ملامح وجهه، الذي كان صارما، فقد اختفى البوليسي، وظهر الإنسان الودود، البشوش، وقال:
-لقد اتصلنا بمكتب المغرب العربي، وأخبرنا السيد الفاسي بوجودك في المطار لأنك لا تحمل تأشيرة دخول، واقترحنا عليه، إذا كان يهمه أمرك، أن يتصل بوزارة الداخلية ويطلب لك إذنا منها بالدخول، وقد تلقينا تعليمات الداخلية بإعطائك إذنا بدخول القاهرة مدة خمسة عشر يوما، عليك أن تغادر مصر بعدها.
-شكرا على اهتمامكم.
أنسته هذه المفاجأة كل الخواطر السيئة التي توالت على ذهنه منذ عزل عن بقية المسافرين، وترك ما سيحدث بعد أسبوعين لتصرفات القدر».
كان علال الفاسي قد اتصل فعلا بمعارفه، وجرى الاتصال بوزارة الداخلية المصرية ومُنحت لمحمد التازي تأشيرة الدخول أخيرا إلى القاهرة.. وهنا بدأت أولى مغامراته «العربية» مع الأدب والصحافة، إذ إلى جانب تعرفه على شخصيات مغربية من رموز الحركة الوطنية الذين كانوا يقيمون مؤقتا في مصر، تعرف أيضا على نخبة المثقفين المصريين، وعلى رأسهم الصحافي حسنين هيكل، الذي جمعته بالتازي صداقة متينة جدا، وحكايات..






