
استمر الوضع على ما يرام حتى صباح أحد أيام يناير 1976، حين اختفى طاقم الفندق الإسباني فجأة، مما أثار الشكوك والتساؤلات بين أعضاء الفريق المغربي. أثار هذا التحول المفاجئ فضول الذين يستيقظون باكرا مثلي، ممن اعتادوا أن يكونوا أول من ينزل إلى المطعم لتناول الإفطار. في ذلك الصباح، لم يكن هناك طهاة، ولا نادلات، ولا أدوات مائدة. كان المطعم مهجورا تماما كمكان مقفر.
تم تعميم تنبيه سري على الفور بين الوفدين المغربي والموريتاني بشأن خطر وشيك محتمل في الفندق. وتمكن خبراء المتفجرات المغاربة، الذين تم استدعاؤهم للمساعدة، من كشف المشكلة، حيث اكتشفوا أن قبو فندق بارادور مليء بالديناميت المثبت بعناية على الأعمدة، والتي كانت تهدف إلى تفجير المبنى بالكامل. قام خبراء المتفجرات الشجعان بتفكيك هذه المتفجرات وإزالتها على الفور، مما أدى إلى إنهاء عملية ترحيل شرع فيها قاطنو الفندق.
تم توفير الأمن بشكل يحفظ سلامة المنشأة الفندقية وسلامة قاطنيها، وكان “بارادور” مقرا شبه دائم للسلطات الإسبانية. تبين لاحقا أن المحاولة الإجرامية كانت من تدبير بعض الانفصاليين، مستفيدة من تواطؤ بعض جنود الفيلق الأجنبي التابع للجيش المحتل. وعلى الفور، تم تشكيل جهاز مغربي لتأمين المبنى وتولي إدارة فندق ” بارادور”، بدلاً من الطاقم الإسباني المنشق. ومع إغلاق هذا الملف، عادت الحياة إلى مسارها الطبيعي، في تفاهم جيد مع الإسبان.
استمر هذا الوضع حتى اليوم التاريخي 26 فبراير 1976، عندما رفع العلم المغربي على مقر ولاية العيون، معلنا بذلك نهاية احتلال أرض مغربية الهوية لا جدال فيها، يشهد عليها التاريخ والشرعية والجغرافيا والولاء الدائم للقبائل الصحراوية للعرش وملوك العلويين.
ارتفعت الراية المغربية شامخة في السماء، وكان المرحوم أحمد بنسودة، كما في فترات أخرى من حياته، في مستوى الحدث، وهو الذي راكم تجارب عديدة وتقلد مناصب وزارية، ثم مديرا للديوان الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
في يوم مشهود تم إنزال العلم الإسباني ورفع العلم المغربي، بناء على حقائق أيدتها محكمة العدل الدولية، حين أبدت رأيها الاستشاري الصادر في 16 أكتوبر 1975.
بعد مراسم رفع العلم الوطني على مقر الحاكم العسكري الإسباني في عاصمة الساقية الحمراء، تم حل الإدارة الثلاثية، بحكم الواقع والقانون، مع انسحاب الحاكمين الإسباني والموريتاني، وتفكيك الحكم الثلاثي المؤقت.
استقبلت الجماهير المغربية، المتحررة من نير الاستعمار، بحفاوة بالغة طلائع الجيش بقيادة الراحل الكولونيل محمد بن عثمان. تدفقت ساحات المدينة وشوارعها الرئيسية، في حالة من الحماس والفرح، على محيا الرجال والنساء والأطفال، لتحية جنود بلادهم البواسل والتصفيق لهم وتمجيدهم. وقد تمخض عن الأسابيع الأولى من وجود الممثلين المغاربة على أرض الصحراء المسترجعة، تأسيس إدارة محلية جديدة، واجهت مشاكل جمة، خاصة على المستوى الإداري ونقص مهول في الإمدادات، وقبل كل شيء، الفخاخ التي نصبتها قوة الاحتلال. بل إن الإدارة السابقة، عشية رحيل أفرادها، تعمدت وضع شتى أنواع العقبات أمام الوفد المغربي، بهدف تعقيد مهمتهم. وهكذا اتخذت إجراءات غريبة، مثل الزيادة الباهظة في رواتب وبذلات الموظفين المحليين. وبالمثل، تم التنازل عن أصول عقارية عامة كان من المفترض أن تعود إلى الدولة المغربية لأفراد من القطاع الخاص، في ظروف مشبوهة. وبيعت مستودعات وحظائر ومساكن تابعة للقطاع العسكري بثمن بخس، استنادا إلى صكوك نقل ملكية وهمية موقعة من ضباط وضباط صف في الجيش الإسباني. وعلى الرغم من كل هذه المناورات الملتوية التي تهدف إلى التواطؤ فقد تمت مواجهتها بهدوء العقلاء.
وفي 28 يونيو 1975 غادر الإسبانيون مدينة العيون عاصمة أقاليمنا الصحراوية المسترجعة. دون أن تتمرغ كرامة إسبانيا في الوحل، ودون أن تحدث طلقة نارية واحدة بين الجانبين المعنيين بالأمر.
وعلى الرغم من المكائد المبطنة احتفظ كلاهما بعزته ونخوته وشهامته، وانتصر التعقل والصبر على التهور، بفضل حكمة القيادة التي أوكلت لها عملية الإشراف على تسليم السلط، والتعليمات السديدة للعاهل المغربي الحسن الثاني رحمه الله.





