حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

تنمية لا بشرية


في سوقٍ مكتظ بالقلق، لا يحتاج المرء اليوم إلى شهادة في علم النفس، ولا إلى سنوات من التكوين السريري، ولا حتى إلى معرفة الفرق بين الصدمة النفسية والضيق العابر؛ يكفي أن يقتني سجادة يوغا، وبضعة أعواد بخور، وحساباً نشيطاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يعلن نفسه «كوتشاً للشفاء»، و«مرافِقاً للطفل الداخلي»، و«دليلاً لتحرير الطاقة العالقة». هكذا، وبسرعة تفوق سرعة انتشار نزلات البرد في المكاتب المفتوحة، تحول وجع الناس إلى سوق، وتحولت الهشاشة الإنسانية إلى مادة تسويقية قابلة للتغليف في فيديوهات قصيرة، تتخللها موسيقى حالمة وعبارات من قبيل: «احتضني جروحك»، و«سامحي ذاتك الصغيرة»، و«اصرخي حتى يسمعك الكون».

ولأن العصر لا يثق كثيراً في الأشياء التي لا تُصور، صار الشفاء نفسه يحتاج إلى كاميرا. نساء يخرجن إلى الغابة أو الشاطئ، يصطففن في دوائر، يصرخن جماعياً، يرقصن بأذرع مرفوعة، ويطلقن أصواتاً غامضة يفترض أنها تُخيف الصدمات القديمة حتى تفر من الجسد. المشهد، في كثير من الأحيان، لا يشبه جلسة دعم نفسي بقدر ما يشبه تدريباً مرتجلاً على طقوس قبيلة إفريقية قديمة تستعد لتقديم قرابين بشرية، أو بروفة طويلة لمسرحية لا يعرف أحد نصها ولا نهايتها. ثم تأتي الكوتش، في هيئة كاهنة عصرية، لتضرب المشاركات بعصا على أسفل القدمين، بدعوى «تفريغ الطاقة السلبية». ولا أحد، على ما يبدو، يسأل كيف دخلت الطاقة من الكعب، ولماذا اختارت الخروج بالطريقة نفسها.

السخرية هنا لا تعني الاستهانة بالألم النفسي. فالطفولة قد تترك فعلاً آثاراً عميقة، والعلاقات المؤذية قد تُخلف ندوباً لا تظهر في الصور، والإنسان يحتاج أحياناً إلى من يساعده على فهم نفسه، لا إلى من يطالبه بأن يكون قوياً طوال الوقت. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح كل حزن «صدمة»، وكل خيبة «جرحاً عائلياً»، وكل تردد في اتخاذ قرار «طفلاً داخلياً يصرخ طلباً للحب». لقد اتسع قاموس المعاناة إلى درجة صار فيها المرء يخشى أن يختلف مع صديقه، فيكتشف بعد دقائق أنه يعيد تمثيل «نمط التعلق القلق» الذي ورثه من جدته.

هذه الظاهرة ليست غريبة تماماً عن زمنها. نحن نعيش في مجتمع سريع، متوتر، يطالب الأفراد بالنجاح الدائم، ويتركهم وحيدين أمام ضغوط العمل والعلاقات والغلاء وصورة الحياة المثالية التي تُعرض يومياً على الشاشات. في هذا الفراغ، يظهر الكوتش بوصفه بديلاً سريعاً عن العلاج النفسي: أقل كلفة أحياناً، أكثر دفئاً في الخطاب، وأقرب إلى لغة الناس من المصطلحات الطبية. لكنه أيضاً أقل انضباطاً، وأقل مساءلة، وأكثر قابلية لتحويل الألم إلى عرض جماهيري.

فالعلاج النفسي الحقيقي ليس حفلاً في الهواء الطلق، ولا مسابقة في أعلى صرخة، ولا جلسة بكاء جماعي تنتهي بصورة جماعية وخصم خاص للدورة المقبلة. إنه مسار بطيء، قد يكون متعباً، يقوم على الإصغاء والفهم وبناء أدوات للتعامل مع المشاعر، تحت إشراف مختص يعرف متى يفتح باباً في الذاكرة ومتى يمنع صاحبه من السقوط داخله. أما بعض دورات «التشافي»، فتتعامل مع النفس البشرية كما لو كانت خزانة قديمة: هزها جيداً، أخرج ما فيها، ثم رش عليها عطراً روحانياً وانتهى الأمر.

الأخطر أن هذه الممارسات قد تدفع بعض المشاركات إلى استحضار تجارب مؤلمة من دون حماية نفسية كافية، أو إلى تفسير كل مشكلاتهن باعتبارها نتيجة «طاقة سلبية» أو «انسداد في الأنوثة» أو «رسائل من الكون». وهي عبارات مريحة لأنها تمنح الألم معنى شاعرياً، لكنها قد تؤجل مواجهة أسباب أكثر واقعية: عنف أسري، اكتئاب، قلق، عزلة، ضغط اقتصادي، أو علاقة تحتاج إلى قرار واضح لا إلى رقصة حول نار رمزية.

لا أحد يعترض على المشي في الغابة، أو التنفس بعمق، أو الرقص من أجل المتعة، أو البكاء حين يثقل القلب. الاعتراض فقط على تحويل كل ذلك إلى وصفة علاجية مضمونة، وعلى منح أشخاص غير مؤهلين سلطة الدخول إلى أكثر مناطق الناس هشاشة. فليس كل من حمل عصاً صار معالجاً، وليس كل من قال «أنا أرى طفلك الداخلي» يملك الحق في الاقتراب منه.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى