حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

مذكرات حفيظ بنهاشم … حقول الألغام ومحنة ستينية بسبب غطاء صوفي

أثارتني، خلال فترة تواجدي في غرفة الإشراف على تدبير مخيم الطاح، حكاية سيدة ستينية تنحدر من إقليم الراشيدية، قررت الالتحاق بمتطوعي المسيرة الخضراء المتواجدين في المخيمات استعدادا لتحطيم الحدود الوهمية ودخول الصحراء المحتلة.

غادرت هذه السيدة مسقط رأسها في الراشيدية، وركبت الحافلة وسيارة الأجرة والقطار، وهي تسأل عن الطريق ووسيلة النقل التي ستأخذها إلى مطار محمد الخامس، بالدار البيضاء، هناك ستعبر للمسؤولين عن رغبتها في السفر إلى طرفاية والانضمام إلى المتطوعين الذين نالوا شرف المشاركة في المسيرة الخضراء.

وجهت ملتمسها إلى أطقم طائرات «سي 130» التابعة للقوات المسلحة الملكية، استعطفتهم وهي تمني النفس بالسفر إلى مخيمات المتطوعين، تمت الاستجابة لملتمسها وركبت الرحلة المتجهة صوب طرفاية.

حين وصلت هذه السيدة إلى المخيمات جرى استقبالها من طرف المسؤولين عن مركز التنسيق، واستفسارها حول الأسباب التي دفعتها إلى قطع مئات الأميال للوصول إلى طرفاية، وتحمل عناء سفر شاق عبر مجموعة من وسائل النقل، وسُئلت، كذلك، حول السر وراء عدم تسجيلها ضمن لوائح متطوعي إقليم الراشيدية الذين كانوا أول الوفود التي دخلت المخيم.

كانت إجابتها مفاجئة ومؤثرة، حين سحبت من حقيبتها اليدوية غطاء صوفيا، وقالت أمام ذهول الحاضرين:

«لدي ولد ضمن متطوعي المسيرة الخضراء من إقليم الراشيدية، حل بهذا المخيم رفقة باقي أبناء منطقتنا، لكنه لم يحمل معه غطاء صوفيا يقيه من البرد والريح الذي يميز الصحراء. ظل هذا الهاجس يؤرقني ويشغل بالي، فقررت أن أتحمل الصعاب لأحمل له «بطانيته» وحينها سيطمئن قلبي على فلذة كبدي».

ساد المكان صمت رهيب، ونحن ننصت لكلام هذه السيدة المسنة القادمة من الراشيدية والتي أنهكها السفر، لكنني تذكرت والدتي، رحمها الله، حين كنت معتقلا في سجن بقبو مقر الحاكم العسكري، وكيف كانت تقطع المسافات بين بوفكران ومكناس لتحمل لي قطعة خبز وفاكهة، وتطمئن علي ثم تعود إلى بيتها.

استحضرت حالة والدتي على امتداد ثلاثة وعشرين يوما من الاعتقال التعسفي، حين لم يكن عمري يتجاوز ثلاث عشرة سنة، وتذكرت تقاسيم الفرح على وجهها حين تم الإفراج عنا بقرار من المراقب المدني، عقب استنفاذ حصص الاستنطاق وبعد أن خلص التحقيق إلى غياب أدلة من شأنها تأكيد التهم التي ورطنا فيها «مدرس» اللغة العربية.

نعود إلى المخيم لنعيش لقاء الولد بوالدته، حيث انخرطا في عناق حار، حاول كل منهما مصادرة الدموع، وبعدها بلحظات أصرت الوالدة على أن يتسلم ابنها الغطاء الصوفي، رغم أنه يتوفر على الأغطية اللازمة. وبعد استراحة في المخيم لالتقاط الأنفاس وتناول وجبة غداء، قررت الأم العودة إلى مسقط رأسها بالراشيدية، وكان عليها أن تقطع 1400 كيلومترا لتصل إلى بيتها بعد أن أدت الأمانة وتخلصت من هواجس القلق التي لازمتها. كانت سعيدة وهي تودعنا وتعلن مساهمتها في المسيرة الخضراء بالترخيص لابنها أولا بحضور الحدث، وثانيا بتعقبها لمساره بعد أن شدها الحنين لفلذة كبدها.

مع مطلع كل يوم كانت تزداد رغبة المتطوعين في الانطلاق نحو الحدود الوهمية التي لا تبعد عن مقر التجمع إلا ببضعة كيلومترات. كنا نسعى جاهدين لإقناعهم بضرورة الانصياع للتعليمات الصادرة عن مركز التنسيق والتريث في التعامل مع نوبات الحماس الزائد. أخبرنا المتطوعين بلجوء الجيش الاستعماري الإسباني إلى زراعة حقول ألغام مكثفة على طول الحدود الشمالية للصحراء، خاصة منطقة «الطاح»، لمنع تقدم زحف المسيرة الخضراء السلمية.

سعينا جاهدين لإقناعهم بهذه الإجراءات، التي أقدم عليها الجيش الإسباني من أجل ترهيب المتطوعين العزل وإجبارهم على التراجع أو حصر حركتهم في مسارات ضيقة يسهل التحكم فيها. كشفنا للمتطوعين، عبر عروض تطبيقية ونظرية، عما قام به الجيش الإسباني، على امتداد شريط بطول عشرة كيلومترات شمال الإقليم، من تشييد سياج مزدوج من الأسلاك الشائكة يمتد من الشرق إلى الغرب، وزرع حقول المتفجرات وملء الفراغات بين الأسيجة بألغام أرضية مضادة للأفراد وللآليات لإنشاء «حقول موت» دفاعية، وغرس علامات تشوير تحمل تنبيه «خطر المتفجرات».

اقتنع المتطوعون بضرورة توخي الحيطة والحذر وانتظار التعليمات الرسمية التي تراعي سلامة المتطوعين، وفي انتظار قرار التحرك صوب الحدود، تم ملء فراغ الوقت المتاح في المخيم بتنظيم حلقات للدرس ومحاضرات حول القيم الفضلى لتعزيز المواطنة أشرف عليها علماء ومفكرون وسياسيون.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى