
ليست التحولات الكبرى في المجتمعات دائما تلك التي تقاس بالمؤشرات الاقتصادية أو بنتائج الانتخابات، بل أحيانا تكشفها تفاصيل صغيرة كانت تبدو، إلى وقت قريب، من المسلمات. يكفي أن يرن جرس أحد المنازل اليوم، دون موعد مسبق، حتى ندرك أن علاقة المغاربة بالضيف لم تعد كما كانت. فالجرس نفسه الذي كان، قبل عقود، بشارة خير، أصبح عند كثيرين امتحانا مفاجئا للخصوصية، وربما سببا لشيء من الارتباك. وبين الأمس واليوم، لم يتغير الضيف وحده، بل تغير البيت، وتغيرت الأسرة وتغير الإنسان المغربي نفسه.
كان إكرام الضيف، في المخيال المغربي، أكثر من مجرد سلوك اجتماعي؛ كان معيارا للأصالة، ودليلا على «النية الزينة» وعلامة على أن البيت عامر بالخير والبركة. ولم يكن الصالون المغربي مجرد غرفة لاستقبال الزوار، بل كان استثمارا اجتماعيا قائما بذاته. أفخم الأثاث، وأجمل الزرابي وأرقى أطقم الشاي، كلها كانت تنتظر ذلك الضيف الذي قد يأتي في أي لحظة. والمفارقة أن أهل البيت أنفسهم كانوا أحيانا يعيشون في باقي الغرف، بينما يظل الصالون فضاء شبه مقدس، لا يدخله إلا الضيوف.
وكانت كثرة الزوار مدعاة للفخر، لا للشكوى، فالبيت، الذي لا يخلو من الضيوف، كان يوصف بأنه مبارك، وكأن البركة تقاس بعدد كؤوس الشاي المستهلكة، أو بعدد المرات التي يعاد فيها تسخين المسمن لأن زائرا جديدا قرر المرور «غير واقف»، وهي عبارة كان الجميع يعلم أنها قد تمتد لساعات طويلة، دون أن يخطر ببال أحد أن يحتج أو يتذمر.
اليوم انقلب المشهد بهدوء. صار الضيف نفسه يشعر بالحرج قبل أن يزور، وأصبح أول ما يفعله هو إرسال رسالة قصيرة يسأل فيها: «هل الوقت مناسب؟». وإذا تجرأ ووصل دون موعد، فإنه يعلم مسبقا أن اعتذارا مهذبا قد يكون في انتظاره، لا لأن أصحاب البيت يكرهونه، بل لأن الحياة نفسها لم تعد تسمح بتلك العفوية القديمة.
جزء من هذا التحول يرتبط، بلا شك، بالتحولات العمرانية. فالمغربي، الذي كان يعيش في منزل واسع، تحيط به الساحة والغرف المتعددة، انتقل إلى شقة لا تتجاوز بضعة أمتار. ولم تعد الزيارة تعني فقط إعداد «براد» شاي، بل تعني إعادة ترتيب البيت كله، وتأجيل راحة الأطفال وربما تأجيل راحة أصحاب المنزل أنفسهم. فالمساحات الصغيرة لا تتسع دائما لذلك الكرم الذي تربى عليه المغاربة.
لكن اختزال الظاهرة في ضيق الشقق سيكون تبسيطا مفرطا، فحتى أصحاب الفيلات والمنازل الفسيحة لم يعودوا يستقبلون الضيوف كما في السابق. السبب الحقيقي يبدو أعمق من الجدران، ويتعلق بتحول ثقافي هادئ جعل الفرد يضع حياته الخاصة في مرتبة لم تكن مألوفة من قبل. لم يعد الوقت ملكا للجماعة كما كان، بل أصبح ملكا للفرد، يديره كما يشاء ويحرسه كما يحرس ممتلكاته.
لقد تراجع منطق «الواجب الاجتماعي» أمام منطق «الراحة الشخصية»، ولم يعد كثيرون يرون أن التضحية بالوقت، أو المال أو الجهد، من أجل زيارة طويلة، فضيلة تستحق الثناء. بل أصبح احترام خصوصية الآخرين وعدم اقتحام مساحتهم شكلا جديدا من أشكال الذوق الاجتماعي، لا يقل قيمة عن حسن الضيافة نفسه.
ولعل أكثر أنواع الضيوف، الذين ساهموا في انهيار منظومة الكرم المغربي الأصيل، هو ذلك الضيف الذي لا يكتفي بزيارة أقاربه في المدن الساحلية، بل يعلن حالة استنفار موسمية داخل بيوتهم. فما إن ترتفع درجات الحرارة، حتى تتحول بعض المنازل المطلة على البحر إلى ما يشبه الفنادق العائلية المجانية؛ أفواج تتعاقب، وحقائب تتكاثر، وإقامة تمتد أياما، وربما أسابيع، تحت شعار «دار خويا». وبين فاتورة الماء والكهرباء، والبحث اليومي عن وجبات تكفي الجميع، يكتشف المضيف أن عطلته الوحيدة كانت في استقبال الآخرين. ولعل هذا النموذج، أكثر من غيره، يفسر كيف تحولت عبارة «والله حتى تباتو معنا» إلى جملة تسبقها اليوم، في الغالب، عبارة أكثر واقعية: «عيط قبل ما تجي».
ولا يعني ذلك أن المغاربة أصبحوا أقل وفاء لصلة الرحم، وإنما تغيرت وسائل المحافظة عليها. فالهاتف الذكي، ومكالمات الفيديو، و«كَروبات» العائلة، أصبحت تؤدي جزءا من الوظائف التي كانت تقوم بها الزيارات. غير أن التكنولوجيا، مهما بلغت سرعتها، لا تستطيع أن تنقل حرارة المصافحة، ولا رائحة الشاي المنعنع ولا الضحكات التي كانت تولد تلقائيا حول مائدة بسيطة.
لا يبدو أن المجتمع المغربي تخلى عن قيمة الكرم، بقدر ما أعاد تعريفها. فالكرم لم يعد يقاس بطول الزيارة، ولا بعدد الأطباق ولا بحجم الصالون، بل بصدق اللقاء، واحترام الوقت ومراعاة ظروف الآخرين. وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم هو إيجاد معادلة جديدة، تحافظ على دفء العلاقات العائلية، دون أن تجعل الضيافة عبئا نفسيا أو ماليا، ودون أن يتحول الضيف من رمز للبركة إلى إشعار مفاجئ يربك أصحاب البيت قبل أن يفرحهم.





