حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

مذكرات حفيظ بنهاشم نقابتان تشعلان العاصمة العلمية

في هذا الفصل سأركز على تتبع مسار مهمة أخرى قمت بها بفاس شهر دجنبر 1990، عندما دعت هيئتان نقابيتان، هما الاتحاد العام للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغالين، إلى إضراب عام في كل ربوع المملكة.

كان الملف المطلبي للتمثيليتين النقابيتين يتضمن مطالب بالزيادة في الأجور والتعويضات، وإصلاح قانون الشغل وعودة المطرودين وحرية العمل النقابي، وما ترتب عن هذا الوضع من تدهور ملحوظ للقدرة المعيشة وتدني الأوضاع الاجتماعية للمواطنين.

فشلت عدة اجتماعات عقدت بين مسؤولين من وزارة الداخلية وقادة التنظيمين، في تجنب الإضراب وعواقبه، وسعت المصالح المركزية إلى ثني أعضاء التنظيمين النقابيين والتخلي عن دعوتهم للإضراب العام.

في الواقع لا يمكن أن يحدث إضراب عام في جميع أنحاء البلاد دون أن يشكل مخاطر على النظام العام والأمن، خاصة إذا وضعناه في سياقه التاريخي، ففي 14 ماي من العام نفسه تقدمت أحزاب المعارضة بملتمس لإقالة الحكومة، وتحولت معها قاعة مجلس النواب إلى سجالات بين الأعضاء.

ميدانيا، ومنذ الساعات الأولى من صباح 14 دجنبر 1990، وهو اليوم الذي أعلن فيه الاتحاد العام للشغالين والكونفدرالية الديمقراطية للشغل إضرابا «عاما»، بدأت المعلومات تتدفق، على أجهزة التلكس التابعة لوزارة الداخلية، حول مدى الالتزام بالإضراب ونطاق الحركة ومدى استجابة العمال لهذا النداء.

أشارت هذه المعلومات إلى وضع شبه طبيعي في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من بوادر التوتر والشعور المتزايد بالقلق في مدينة فاس، معقل الاتحاد العام للشغالين وحزب الاستقلال، الدرع السياسي لهذا التنظيم النقابي. ومع مرور الساعات، تدهور الوضع بالعاصمة الروحية للمملكة، وتبين أن الموقف خرج عن سيطرة السلطات المحلية.. لذلك تم اتخاذ قرار بإرسال مسؤولين من الأجهزة المركزية ووزارة الداخلية إلى بؤرة التوتر.

جابت المسيرات شوارع المدينة، لتتم مواجهتها بتدخل أمني كان من الطبيعي أن يتمخض عنه رد فعل واحتقان شعبي، وشرارة غضب أحرقت الأخضر واليابس، لم تسلم منها الشاحنات والمحلات والفنادق والأبناك والمنشآت العمومية، تعبيرا عن التذمر والسخط الشعبي.

تم الترويج، في أوساط أغلب الشرائح الاجتماعية بفاس، أن هذه المدينة تعرضت لـ«حصار اقتصادي»، وركب الكثيرون على الحدث ومارسوا أفعالا أضرت بمنشآت المدينة وحكمت عليها بالشلل.

قامت أفراد قوات الدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة بتقييم الوضع على أرض الميدان، وساعدت سلطات العمالة في الحفاظ على النظام العام وسلامة الأرواح والممتلكات. وبصفتي منسق المهمة، سافرت إلى فاس برفقة المفتش العام للقوات المساعدة، الجنرال الراحل عبد الرحمن لحريزي، وبعد حوالي عشرين دقيقة من الطيران، بدأنا التحليق فوق العاصمة الروحية.

قبل أن تنزل الطائرة في المدرج، كانت أعمدة لهيب الدخان تبدو من نافذة الطائرة وهي تصعد في السماء، من نقاط متفرقة بالمدينة القديمة، سيما في الجزء الغربي، بالقرب من فندق المرينيين وباب بوجلود، ومن مناطق أخرى.

اعتقد مرافقي في المهمة أن الدخان لا يمكن أن يكون إلا من ورش صناعة الفخار. أما أنا فاعتقدت عكس ذلك تماما، لعلمي أن فاس مدينة تشتهر بالتطريز والمنتجات الجلدية أكثر من الفخار، لذا لا بد أن يكون حريقا متعمدا، وهو ما تبين، مع مرور الدقائق، أنه التخمين الصائب. فالدخان الذي شوهد من الجو كان من فعل الجناة، ولا علاقة له بمدخنة مصانع الحرفيين.

حين وصلنا إلى وسط المدينة وقفنا على حجم الفوضى التي عمت العاصمة العلمية، حيث استغل كثير من المجرمين حالة الفوضى لانتهاك أملاك المواطنين، فيما تعرضت الأبناك والحافلات والمرافق الاجتماعية والإدارية لهجمات استخدمت فيها الحجارة والعصي والأسلحة البيضاء، بينما تعاملت قوات الأمن بمهنية ولم تستعمل السلاح الناري.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى