مستجدات القوانين الانتخابية… تشجيع الشباب والنساء لولوج البرلمان ومنع المفسدين من الترشح

ستشرع لجنة الداخلية بمجلس النواب في مناقشة القوانين الانتخابية التي تم التداول فيها في الاجتماع الأخير للمجلس الوزاري، برئاسة الملك محمد السادس، وتتضمن هذه المشاريع مجموعة من المستجدات تهدف إلى محاصرة المفسدين ومنعهم من الوصول إلى المؤسسة التشريعية، حيث يهدف مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضمان سلامتها، وإفراز نخب تحظى بالشرعية والثقة، وذلك من خلال تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية في وجه كل من صدرت في حقه أحكام يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، واعتماد الحزم اللازم لاستبعاد كل من تم ضبطه في حالة التلبس بارتكاب أي جريمة تمس بسلامة العمليات الانتخابية، ولتحفيز الشباب الذين لا تفوق أعمارهم 35 سنة، على ولوج الحقل السياسي، يتوخى هذا المشروع مراجعة شروط ترشحهم وتبسيطها، سواء في إطار التزكية الحزبية أو بدونها، وإقرار تحفيزات مالية مهمة لمساعدتهم على تحمل مصاريف الحملة الانتخابية، من خلال منحهم دعما ماليا يغطي 75 في المائة من مصاريف حملاتهم الانتخابية، كما يقترح المشروع تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا لفائدة النساء دعما لحضورهن في المؤسسة النيابية.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
تفاصيل منع المفسدين من الترشح للعضوية بمجلس النواب
تفاعلت وزارة الداخلية بشكل إيجابي مع مطلب مراجعة القوانين الانتخابية وإعادة النظر في الشروط المطلوبة للترشح للانتخابات التشريعية والجماعية، من أجل منع المفسدين من الولوج إلى المؤسسة البرلمانية، حيث يتضمن مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب، الذي تم التداول فيه بالمجلس الوزاري الأخير، برئاسة الملك محمد السادس، مجموعة من المقتضيات الجديدة حول أهلية الترشح للانتخابات البرلمانية.
ويهدف مشروع القانون التنظيمي إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضمان سلامتها، وإفراز نخب تحظى بالشرعية والثقة، وذلك من خلال تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية في وجه كل من صدرت في حقه أحكام يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، واعتماد الحزم اللازم لاستبعاد كل من تم ضبطه في حالة تلبس بارتكاب أي جريمة تمس بسلامة العمليات الانتخابية، علاوة على تشديد العقوبات المقررة لردع كل المحاولات التي قد تستهدف سلامة العمليات الانتخابية في جميع أطوارها.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار تفعيل التوجيهات الواردة في العديد من الخطب والرسائل الملكية التي ما فتئت تنبه إلى آفة الفساد ومخاطرها المتعددة والمتنوعة، كانت آخرها برقية التهنئة التي بعث بها الملك محمد السادس إلى رشيد الطالبي العلمي بمناسبة إعادة انتخابه رئيسا لمجلس النواب، حيث دعا الملك إلى تخليق الحياة البرلمانية وترسيخ الثقة في المؤسسات المنتخبة، وقبلها وجه الملك رسالة إلى مجلسي البرلمان بمناسبة الاحتفال بالذكرى الستين لإحداث أول برلمان بالمغرب، عندما دعا إلى وضع مدونة للأخلاقيات والرفع من جودة النخب البرلمانية والمنتخبة.
منتخبون رهن الاعتقال
كانت الولاية التشريعية الحالية حافلة بالمتابعات والمحاكمات القضائية في حق المتهمين في ملفات الفساد، وما يؤكد ذلك هو العدد الكبير للبرلمانيين ورؤساء الجماعات والعمالات والأقاليم والمنتخبين، الموجودين رهن الاعتقال أو المتابعين أمام محاكم جرائم الأموال. وتشير الحصيلة الأولية، في منتصف الولاية، إلى وجود 30 برلمانيا حاليا وسابقا رهن الاعتقال بالسجن، ومتابعة 40 برلمانيا أمام محاكم جرائم الأموال واعتقال رئيس جهة ورئيس مجلس عمالة، ويوجد أكثر من 20 رئيس جماعة رهن الاعتقال بالسجن، ويتابع أكثر من 100 رئيس جماعة ومنتخبين أمام محاكم جرائم الأموال، فيما تم عزل أكثر من 30 رئيس جماعة، وهناك لائحة جديدة لرؤساء جماعات مهددين بالعزل طبقا للمادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات.
ويمنع من الترشح لمجلس النواب الأشخاص الذين صدر في حقهم حكم نهائي بالعزل من مسؤولية انتدابية، والأشخاص المحكوم عليهم بمقتضى حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به بعقوبة حبس نافذة أو عقوبة حبس مع إيقاف التنفيذ، كيفما كانت مدتهما، من أجل أحد الأفعال المنصوص عليها في المواد من 62 إلى 65 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، التي تنص على أنه يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من حصل أو حاول الحصول على صوت ناخب أو أصوات عدة ناخبين بفضل هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعد بها أو بوظائف عامة أو خاصة أو منافع أخرى قصد بها التأثير على تصويتهم سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو بواسطة الغير أو استعمل الوسائل نفسها لحمل أو محاولة حمل ناخب أو عدة ناخبين على الإمساك عن التصويت.
ويحكم بالعقوبات نفسها على الأشخاص الذين قبلوا أو التمسوا الهدايا أو التبرعات أو الوعود المنصوص عليها في الفقرة السابقة وكذا الأشخاص الذين توسطوا في تقديمها أو شاركوا في ذلك، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من حمل أو حاول أن يحمل ناخبا على الإمساك عن التصويت أو أثر أو حاول التأثير في تصويته بالاعتداء أو استعمال العنف أو التهديد أو بتخويفه من فقدان وظيفته أو تعرض شخصه أو أسرته أو ممتلكاته إلى ضرر.
ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم، أيضا، كل شخص قام، خلال الحملة الانتخابية، بتقديم هدايا أو تبرعات أو وعود بها أو بهبات إدارية إما لجماعة ترابية وإما لمجموعة من المواطنين، أيا كانت، بقصد التأثير في تصويت الناخبين أو بعض منهم.
ممنوعون من الترشح
ينص المشروع على فقدان أهلية الترشح للعضوية في مجلس النواب، بالنسبة للأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام ابتدائية بالإدانة من أجل جناية، والأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام استئنافية بالإدانة يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، وكذلك الأشخاص المتابعون على إثر ضبطهم في حالة تلبس بارتكاب السرقة أو النصب، أو خيانة الأمانة أو التفالس، أو شهادة الزور أو تزوير الأوراق العرفية المتعلقة بالتجارة أو البنوك أو الوثائق الإدارية أو الشهادات، أو صنع الأختام أو الطوابع أو طوابع الدولة، أو إصدار شيك بدون رصيد، أو الرشوة أو استغلال النفوذ، أو الإخلال بواجب التحفظ وكتمان السر في إطار مسطرة إبرام الصفقات العمومية أو الحصول، أثناء مزاولة مهنة أو القيام بمهمة، على معلومات متميزة واستخدامها لإنجاز أو المساعدة عمدا على إنجاز عملية أو أكثر في السوق، أو تبديد أموال القاصرين، أو اختلاس الأموال العمومية أو إلحاق أضرار مالية بمصالح الدولة أو الجماعات الترابية أو مجموعاتها أو هيئاتها أو بمؤسسات عمومية أو أي مرفق عمومي آخر، أو التهديد بالتشهير، أو الغدر، أو انتهاك الأعراض أو القوادة أو البغاء أو اختطاف القاصرين أو التغرير بهم أو إفساد أخلاق الشباب أو المتاجرة بالمخدرات.
ويمنع من الترشح، أيضا، كل من ضبط في حالة تلبس من أجل الحصول أو محاولة الحصول على صوت ناخب أو أصوات عدة ناخبين بفضل هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعد بها أو بوظائف عامة أو خاصة أو منافع أخرى قصد التأثير على تصويتهم، أو القيام، خلال الحملة الانتخابية، بتقديم هدايا أو تبرعات أو وعود بها أو بهبات إدارية إما لجماعة ترابية وإما لمجموعة من المواطنين، أيا كانت، بقصد التأثير في تصويت الناخبين أو بعض منهم؛ ولا يؤهل للترشح للبرلمان الأشخاص المحكومون بعقوبة حبس لمدة تتجاوز ثلاثة أشهر دون إيقاف التنفيذ أو عقوبة حبس لمدة تتجاوز ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ من أجل أي جريمة غير الجرائم المشار إليها سابقا، باستثناء الجنح المرتكبة عن غير عمد بشرط ألا تقترن بجنحة الفرار.
تخصيص لوائح جهوية حصريا للنساء لدعم حضورهن بمجلس النواب
خلافا للمطالب التي رفعتها الشبيبات الحزبية، تم تكريس إلغاء اللائحة الوطنية للشباب في الانتخابات التشريعية المقبلة، حيث ينص مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب الذي أحالته الحكومة على البرلمان، على تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا لفائدة النساء، دعما لحضورهن في المؤسسة النيابية.
اعتماد اللائحة الوطنية
تم اعتماد نظام اللائحة الوطنية للنساء، لأول مرة في تاريخ المغرب سنة 2002، بموجب المادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 31.97 المتعلق بمجلس النواب، الذي حدد تأليف مجلس النواب من 325 عضوا ينتخبون بالاقتراع العام المباشر عن طريق الاقتراع باللائحة، منهم 295 عضوا ينتخبون على صعيد الدوائر الانتخابية المحدثة، و30 عضوا ينتخبون على الصعيد الوطني، وقبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2002، حدث توافق بين مختلف الفرقاء والفاعلين الحزبيين، على تخصيص اللائحة الوطنية لفائدة النساء.
وظل العمل بنظام اللائحة الوطنية للنساء إلى حدود الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 25 نونبر 2011، وتزامنا مع موجة ما يسمى «الربيع العربي» التي قادها الشباب، انطلق النقاش داخل الأحزاب السياسية حول تعميم «ريع» اللائحة الوطنية على الشباب، عن طريق اعتماد لائحة وطنية أخرى لتمثيل الشباب داخل البرلمان، وبرز خلاف بين المكونات الحزبية حول طبيعة هذه اللائحة، بين طرح دافع عن لائحة وطنية مشتركة بين النساء والشباب، وبين طرح دافع عن تخصيص لائحة مستقلة للشباب، ليحسم الأمر ضمن القانون التنظيمي لمجلس النواب، والذي تم بموجبه رفع عدد أعضاء المجلس من 325 إلى 395 عضوا، مع تخصيص لائحة وطنية للنساء تضم 60 مقعدا، ولائحة وطنية للشباب تضم 30 مقعدا، وفي انتخابات 2021 تم إلغاء لائحة الشباب مع إحداث لوائح جهوية للنساء عوض اللائحة الوطنية، أسفرت عن انتخاب 90 نائبة برلمانية.
وينص القانون المعمول به حاليا على تخصيص لوائح، يجب أن تشتمل كل لائحة ترشيح مقدمة برسم الدوائر الانتخابية الجهوية على أسماء مترشحات لا يقل عددهن عن ثلثي عدد المقاعد الواجب ملؤها في كل دائرة انتخابية جهوية، وتخصص المرتبتان الأولى والثانية في كل لائحة ترشيح حصريا للنساء، ولا يحول ذلك دون حقهن في الترشح برسم المقاعد المحددة للدوائر الانتخابية المحلية. ويشترط أيضا للترشح برسم الدوائر الانتخابية الجهوية التسجيل في اللوائح الانتخابية العامة لإحدى الجماعات الواقعة في النفوذ الترابي للجهة المعنية بالترشيح، ويجب أن تتضمن كل لائحة من لوائح الترشيح عددا من الأسماء يعادل عدد المقاعد الواجب شغلها.
مبادئ ثابتة
أكد قرار المجلس الدستوري رقم 2011/817 بخصوص القانون التنظيمي رقم 11-27 المتعلق بمجلس النواب، بإشارته إلى أن مقتضيات المادة 23 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، جاءت لإعمال أهداف مقررة في الدستور، فإنه يتعين في ذلك أيضا استحضار المبادئ الأساسية الثابتة، التي يرتكز عليها الدستور في مجال ممارسة الحقوق السياسية، والمتمثلة بالخصوص في المواطنة وحرية الانتخاب والترشيح من خلال اقتراع عام قائم على أساس نفس القواعد والشروط، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وحظر ومكافحة كل أشكال التمييز، وهي مبادئ لا تسمح بإضفاء صبغة الديمومة على تدابير قانونية استثنائية تمليها دواع مرحلية ومؤقتة ترمي بالأساس إلى الارتقاء بتمثيلية فئات معينة، وتمكينها من التمرس بالحياة البرلمانية، قصد إنماء قدراتها على الانخراط بنجاح في النظام الانتخابي العام.
وتأسيسا على ما سبق، اعتبر المجلس الدستوري أن تدابير التشجيع والتحفيز، سيما تلك المتعلقة بفئة عمرية معينة، بما تنطوي عليه من معاملة خاصة، ينبغي، في مجال ممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية، أن تكون تدابير استثنائية محدودة في الزمن يتوقف العمل بها بمجرد تحقق الأهداف التي بررت اللجوء إليها، وهو أمر يعود تقديره إلى المشرع الذي يسوغ له أيضا اعتماد تدابير قانونية أخرى، غير أسلوب الدائرة الانتخابية الوطنية، لمواصلة السعي إلى بلوغ تلك الأهداف.
وخلافا لذلك، اعتبر المجلس الدستوري سن مقتضيات قانونية ترمي إلى تمتيع المترشحات الإناث بأحكام خاصة من شأنها تحقيق غاية دستورية تتمثل في إتاحة فرص حقيقية للنساء لتَولي الوظائف الانتخابية، تطبيقا لأحكام الفصل 19 من الدستور الذي ينص على «تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء»، والفصل 30 الذي يقر بصراحة أنه «ينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية»، وأشار إلى أن عدم إخضاع المترشحات الإناث لقيد السن، خلافا للمترشحين الذكور، يرمي إلى إفساح أوسع مجال ممكن للمترشحات للولوج إلى الوظائف الانتخابية، مراعاة لوضعهن الراهن في المجتمع المغربي.
مشروع قانون الانتخابات يشجع ترشيح الشباب للانتخابات بدعم مالي
دفعت مضامين مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، الذي صادق عليه المجلس الوزاري الأخير، إلى فتح نقاش واسع في الأوساط السياسية والشبابية حول مستقبل المشاركة الشبابية في الانتخابات المقبلة، خاصة بعدما نص المشروع في أحد أبرز مستجداته على تخصيص دعم مالي لتشجيع ترشيحات الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، بحيث يغطي هذا الدعم ما نسبته 75 في المائة من مصاريف الحملة الانتخابية، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة الثقة في العملية الانتخابية وفتح المجال أمام طاقات جديدة داخل المشهد السياسي الوطني.
تجديد النخب السياسية
يرى عدد من المتتبعين أن هذا الإجراء يعكس توجهاً رسمياً نحو تجديد النخب السياسية وضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة، بعد سنوات من هيمنة نفس الوجوه على المشهد الانتخابي. ويأتي هذا القرار في سياق وطني يعرف نقاشاً متزايداً حول ضعف تمثيلية الشباب داخل المجالس المنتخبة، رغم الخطابات الرسمية الداعية إلى تمكينهم سياسياً وإدماجهم في مراكز القرار.
وبحسب المذكرة التقديمية لمشروع القانون، فإن الهدف من تخصيص دعم مالي لفئة الشباب هو تشجيعهم على خوض غمار الانتخابات وتقليص العوائق المالية التي غالباً ما تشكل حاجزاً أمام ترشيحاتهم، بالنظر إلى ضعف الإمكانيات المادية وعدم توفرهم على شبكات تمويل مثل التي تحظى بها الوجوه السياسية المخضرمة. ويؤكد النص أن الدعم سيمنح وفق معايير شفافة، في إطار الحسابات الخاصة بحملات الانتخابات، على أن يستفيد منه الشباب سواء كمرشحين ضمن لوائح الأحزاب أو كمرشحين مستقلين.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة من شأنها أن تخلق دينامية جديدة داخل الأحزاب السياسية، التي باتت مطالبة اليوم بفتح المجال أمام مرشحين شباب قادرين على تقديم تصورات بديلة وبرامج قريبة من انشغالات الجيل الجديد، خصوصاً في ظل ما تعيشه الساحة السياسية من عزوف وانتقادات متزايدة لضعف الأداء الحزبي وابتعاده عن هموم المواطنين.
في المقابل، ورغم الإشادة الواسعة التي حظي بها هذا التوجه من قبل فاعلين سياسيين وحقوقيين، إلا أن عدداً من الأصوات الشبابية عبّرت عن تخوفها من أن يتحول هذا الدعم إلى مجرد إجراء شكلي لا يغير في العمق من واقع المشاركة السياسية للشباب. وقالت مصادر من داخل بعض التنظيمات الشبابية إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التمويل، بل في إرادة الأحزاب نفسها في منح الثقة للشباب وتمكينهم من مواقع متقدمة في اللوائح الانتخابية، بدل الاكتفاء بوضعهم في المراتب الخلفية فقط لتجميل الصورة.
وفيما يعتبر باحثون أن الدعم المالي يمثل بلا شك خطوة إيجابية، لكنه غير كافٍ لوحده لتصحيح اختلالات المشهد السياسي، إذ يظل المطلوب هو إرساء ثقافة سياسية جديدة داخل الأحزاب، تجعل من الكفاءة والنزاهة والقدرة على التواصل مع المواطنين معايير أساسية لاختيار المرشحين، كما أن العديد من التجارب السابقة أبانت أن دعم الفئات الشابة أو النسائية عبر الكوطا أو التحفيزات المالية لم يكن كافياً لتغيير العقليات أو لفرض نخب جديدة، لأن الإشكال الحقيقي مرتبط بالبنية الداخلية للأحزاب وبأسلوب تدبيرها للعمل الانتخابي.
مسألة عزوف الشباب
في خضم هذا النقاش، عادت إلى الواجهة مسألة عزوف الشباب عن السياسة، وهو ما أكدته تقارير رسمية سابقة، من بينها نتائج البحث الوطني حول القيم والسلوكيات السياسية للشباب، والتي أظهرت ضعف انخراطهم في العمل الحزبي والنقابي، مقابل حضورهم القوي في الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي. ويرى محللون أن هذا التناقض يعكس فقدان الثقة في الوسائط السياسية التقليدية، حيث أصبح الشباب يميلون إلى التعبير عن آرائهم ومواقفهم خارج الإطار الحزبي.
ويعتبر منتخبون أن مشروع القانون التنظيمي يشكل فرصة حقيقية لإعادة النظر في العلاقة بين الشباب والسياسة، خصوصاً إذا ما التقطت الأحزاب الإشارة وعملت على تمكين الشباب من خوض الانتخابات في الدوائر المحلية وليس فقط عبر اللوائح الوطنية. وتشدد على أن تجديد النخب لا يمكن أن يتحقق من خلال الإجراءات التقنية وحدها، بل يتطلب إصلاحاً هيكلياً لطرق اشتغال الأحزاب ولآلياتها الداخلية في اختيار المرشحين وتوزيع المسؤوليات.
من جهته، أكد أحد القياديين الشباب في حزب معارض، فضل عدم ذكر اسمه، أن الدعم المالي المقترح “يجب أن يُرافق بآليات للشفافية والمحاسبة حتى لا يتحول إلى وسيلة جديدة لاستقطاب الوجوه الحزبية المقربة أو شراء الولاءات”، داعياً إلى إنشاء لجنة وطنية مستقلة تسهر على تتبع صرف الدعم وتقييم أثره على المشاركة السياسية للشباب.
وفي ضوء ما يطرحه المشروع من مستجدات، ينتظر أن تعرف الانتخابات التشريعية المقبلة دينامية جديدة، إذا ما تم تفعيل هذا الإجراء بشكل فعلي وشفاف. ففئة الشباب، التي تمثل أكثر من ثلث الكتلة الناخبة، يمكن أن تشكل رقماً مؤثراً في المعادلة الانتخابية إذا ما تمت تعبئتها بشكل جاد ومنظم.
ويأمل المتتبعون أن تكون هذه الخطوة بداية مسار لإعادة بناء الثقة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات المنتخبة، وأن تفتح الباب أمام ولوج طاقات جديدة قادرة على تجديد الخطاب السياسي وتطوير الأداء التشريعي والرقابي للبرلمان. غير أن نجاح هذا التوجه، كما يؤكد العديد من المحللين، سيبقى رهيناً بمدى التزام الأحزاب السياسية بترجمة مضامين المشروع إلى واقع ملموس، بعيداً عن منطق الحسابات الضيقة والوجوه المستهلكة التي أفرزتها الانتخابات السابقة.
وبين الترحيب والتحفظ، يظل مشروع القانون الجديد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تعزيز الديمقراطية التمثيلية وتجديد النخب السياسية، في انتظار أن تكشف الممارسة الفعلية مدى قدرة هذه المبادرة على تغيير موازين القوى داخل الحقل السياسي المغربي وفتح آفاق جديدة أمام الشباب لاقتحام عالم السياسة من أبوابه الواسعة.
تشديد العقوبات.. حماية نزاهة الاقتراع ومواجهة التأثير الرقمي غير المشروع
في خطوة وُصفت بأنها الأكثر صرامة منذ بداية التجربة الديمقراطية الحديثة بالمغرب، أحالت الحكومة، يوم الجمعة 24 أكتوبر الماضي، على مكتب مجلس النواب، مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب.
ويأتي هذا المشروع في سياق إصلاحي يروم تعزيز الشفافية والنزاهة الانتخابية، من خلال إدخال تعديلات جوهرية على الإطار القانوني المنظم للاستحقاقات التشريعية، بما يستجيب لتحديات العصر الرقمي وتطور أساليب التأثير على الرأي العام.
تحصين العملية الانتخابية
أكدت مصادر حكومية أن الهدف الأساسي من المشروع هو تحصين العملية الانتخابية من كل أشكال التلاعب والتضليل، سواء عبر الوسائل التقليدية أو الرقمية. ويأتي هذا التوجه في ظل ارتفاع الوعي المجتمعي بضرورة حماية الإرادة الشعبية، إلى جانب التزامات المغرب الدولية في مجال ترسيخ الممارسات الديمقراطية والشفافية السياسية.
ويرى متتبعون أن إدخال مقتضيات زجرية جديدة في القانون التنظيمي لمجلس النواب يمثل قفزة نوعية نحو ترسيخ مصداقية الانتخابات، خاصة بعد بروز ظواهر جديدة كالأخبار الزائفة، والتأثير عبر المنصات الاجتماعية، واستعمال الذكاء الاصطناعي في حملات دعائية موجهة.
ومن بين أبرز مستجدات المشروع، التنصيص على تجريم نشر الأخبار الزائفة أو الإشاعات المتعلقة بالتصويت أو العملية الانتخابية، سواء عبر الصحافة التقليدية أو وسائل التواصل الاجتماعي أو أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويعاقب مرتكبو هذه الأفعال بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة مالية تتراوح بين 50 ألفا و100 ألف درهم، في إشارة واضحة إلى رغبة الحكومة في الحد من التلاعب الرقمي الذي يمكن أن يؤثر على اتجاهات الناخبين وثقتهم في المؤسسات.
كما شدد المشروع العقوبات ضد كل من يستأجر أو يسخر أشخاصا لتهديد الناخبين، أو الإخلال بالنظام العام أثناء الحملة الانتخابية، حيث حدد العقوبة في الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة مماثلة.
ومن جهة أخرى، أولى النص القانوني أهمية كبيرة لحماية حرية الناخبين داخل قاعات الاقتراع، فقد نص على معاقبة كل من يمنع الناخبين من التصويت أو يحاول التأثير على اختيارهم بعقوبة حبسية من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف درهم.
كما شدد على إمكانية رفض أو إلغاء أي لائحة ترشيح في حال ضبط أحد المترشحين متلبسا بارتكاب جريمة انتخابية، تطبيقا للمادة السادسة من القانون التنظيمي.
في ما يخص يوم الاقتراع، نص المشروع الجديد على تجريم نشر أو توزيع أي مواد دعائية انتخابية عبر أي وسيلة، بما فيها الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، تحت طائلة الحبس من ثلاثة إلى ستة أشهر وغرامة مالية تتراوح بين 20 ألفا و50 ألف درهم.
عقوبات خاصة
حدد المشروع عقوبات خاصة في حق الموظفين العموميين الذين يوزعون برامج أو منشورات المترشحين أثناء مزاولة مهامهم، حيث يعاقبون بالحبس من ستة أشهر إلى سنة وغرامة تصل إلى 100 ألف درهم، تأكيدا على مبدأ حياد الإدارة في العملية الانتخابية. كما جاء بتدابير صارمة ضد محاولات التصويت المتكرر، إذ يعاقب كل من يصوت أكثر من مرة واحدة بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وغرامة تصل إلى 100 ألف درهم.
وفي السياق ذاته، يعاقب القانون من يدخل قاعة التصويت حاملا سلاحا ظاهرا أو أداة تشكل خطرا على الأمن العام بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وذلك حماية لسلامة العملية الانتخابية ومحيطها.
وفي سابقة من نوعها، نص المشروع على السجن من خمس إلى عشر سنوات وغرامة تصل إلى 100 ألف درهم لكل من ينتهك سرية أو سلامة العملية الانتخابية، سواء بكسر صناديق الاقتراع، أو العبث بأوراق التصويت.
وتنطبق العقوبة ذاتها على من يستولي على صندوق الاقتراع قبل عملية الفرز، وهي خطوة تُظهر بوضوح الإرادة الحكومية في ردع كل محاولات التلاعب بالنتائج، أو التشكيك في نزاهتها.
كما تضمن المشروع مقتضيات جديدة صارمة في مواجهة شراء الأصوات، أو محاولة التأثير على الناخبين عبر الهدايا، أو التبرعات النقدية، حيث تصل العقوبة إلى خمس سنوات سجنا وغرامة قدرها 100 ألف درهم.
وتمتد العقوبة إلى كل من يرغم ناخبا على التصويت، أو الامتناع عنه بالعنف أو التهديد، تأكيدا على مبدأ حرية الاختيار باعتباره جوهر الممارسة الديمقراطية.
ومن بين أبرز المستجدات التي أثارت اهتمام المراقبين، التنصيص على تجريم أي عمل تدليسي يؤثر في نزاهة الاقتراع عبر الذكاء الاصطناعي، أو المنصات الإلكترونية، وجاء في النص أن «كل عمل تدليسي يؤثر في نزاهة الاقتراع أو نتائجه، سواء تم قبل أو أثناء أو بعد التصويت، وبأي وسيلة تقليدية أو رقمية، بما في ذلك أدوات الذكاء الاصطناعي، يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألفا إلى 100 ألف درهم».
ويعد هذا المقتضى سابقة تشريعية في المنطقة المغاربية، حيث يشير إلى وعي تشريعي مبكر بخطر التكنولوجيا الحديثة على نزاهة الاستحقاقات الانتخابية.
يرى محللون سياسيون أن مشروع القانون التنظيمي رقم 53.25 يحمل رسالة سياسية مزدوجة: فهو من جهة يطمئن الرأي العام والفاعلين السياسيين على التزام الدولة بحماية العملية الديمقراطية من أي اختراق أو تلاعب، ومن جهة ثانية يوجه إنذارا صارما لكل من يفكر في استعمال المال أو التكنولوجيا أو النفوذ للتأثير في إرادة الناخبين.
ويؤكد هؤلاء أن تشديد العقوبات ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لترسيخ الثقة في المؤسسات المنتخبة وتعزيز المشاركة السياسية، خصوصا في ظل تحديات ما بعد جائحة «كوفيد- 19»، وما أفرزته من تحولات رقمية ومجتمعية عميقة.
ختاما، يُنتظر أن يثير مشروع القانون التنظيمي الجديد نقاشا برلمانيا واسعا خلال الأسابيع المقبلة، خاصة حول تطبيق العقوبات المرتبطة بالوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة السلطات القضائية على تتبع المخالفات في الفضاء الافتراضي.
لكن المؤكد أن هذا المشروع يمثل خطوة تشريعية متقدمة نحو انتخابات أكثر نزاهة وشفافية، ويعكس إرادة سياسية واضحة لتأمين العملية الانتخابية في كل مراحلها، من التسجيل في اللوائح إلى إعلان النتائج، في أفق بناء منظومة انتخابية حديثة تتلاءم مع التحولات الرقمية والمجتمعية التي يعرفها المغرب والعالم.
ثلاثة أسئلة
محمد زين الدين*:
«مشروع قانون انتخاب مجلس النواب حمل مستجدات عديدة على أكثر من صعيد»
1- مشروع القانون الجديد لانتخاب مجلس النواب نصّ على دعم مالي لفائدة المترشحين الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، كيف تقرؤون هذا التوجه؟
بدايةً، أعتقد أن هذا المقتضى من أهم ما جاء به مشروع القانون الجديد، لأنه يشكل تحفيزاً حقيقياً لفئة الشباب التي لطالما ظلت خارج دائرة التنافس السياسي الفعلي. الدعم المالي المقترح، والذي يغطي ثلاثة أرباع مصاريف الحملة الانتخابية، هو آلية واقعية لتجاوز أحد أكبر العوائق التي كانت تواجه المترشحين الشباب، والمتمثلة في ضعف الإمكانيات المادية مقارنة بالمرشحين التقليديين الذين راكموا شبكات دعم مالية وتنظيمية قوية.
لكن، في المقابل، يجب التأكيد على أن هذا الإجراء، على أهميته، لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة إلا إذا تمّ إرساء معايير واضحة وشفافة لتوزيع هذا الدعم، حتى لا يتحول إلى أداة انتقائية أو وسيلة لخدمة مرشحين بعينهم وفق الانتماء الحزبي أو القرب من مراكز القرار. المطلوب هو أن يكون الدعم خاضعاً لمعايير دقيقة، وأن تُنشر تفاصيل الاستفادة منه بشفافية لضمان المصداقية.
ثم إن الحديث عن تجديد النخب لا يمكن أن يقتصر فقط على الجانب المالي، لأن الإشكال الأعمق يكمن في البنية الداخلية للأحزاب السياسية التي ما تزال في الغالب تُقصي الكفاءات الشابة أو تضعها في مراتب ثانوية في اللوائح الانتخابية. بمعنى آخر، لا يمكن أن ننتظر من الشباب خوض الانتخابات إن لم يشعروا بأن أحزابهم تتيح لهم فرصاً حقيقية لتولي مواقع متقدمة في التمثيلية السياسية.
من زاوية أخرى، هذه المبادرة الحكومية تُعدّ رسالة سياسية إيجابية موجهة إلى الأجيال الجديدة مفادها أن الدولة تريد فعلاً تجديد دماء الحياة السياسية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه الديمقراطية التمثيلية من حيث العزوف واللامبالاة. لكن النجاح في ذلك يقتضي مقاربة شمولية تشمل التأطير، والتكوين، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي، حتى يصبح الشباب قادرين ليس فقط على الترشح، بل على ممارسة السياسة بمسؤولية ووعي.
2- المشروع تضمن أيضاً مقتضيات جديدة تشدد العقوبات على الجرائم الانتخابية، إلى أي حد يمكن أن يسهم هذا التشديد في تخليق العملية الانتخابية؟
هذا التوجه نحو تشديد العقوبات يُعتبر خطوة مهمة وضرورية، لأنه يعكس رغبة في ضبط المسار الانتخابي وحماية نزاهته. لقد عانى المشهد الانتخابي المغربي، خلال السنوات الماضية، من ممارسات مسيئة، أبرزها استعمال المال وشراء الذمم ومحاولات التأثير غير المشروع على الناخبين، وهي ظواهر تضعف الثقة في الانتخابات وفي المؤسسات التي تفرزها.
ومن خلال قراءة النصوص الجديدة، يمكن القول إن المشرّع اتجه نحو توسيع نطاق التجريم ورفع العقوبات إلى مستويات رادعة، سواء من حيث الغرامات المالية أو العقوبات الحبسية، وهو ما ينسجم مع التوصيات السابقة للمجلس الأعلى للحسابات وتقارير ملاحظي الانتخابات، التي دعت إلى ضرورة تجريم السلوكيات التي تفسد التنافس الانتخابي.
غير أن التشديد القانوني، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة السياسية لتطبيق القانون بشكل صارم ومتوازن. فالعبرة ليست فقط بوجود النصوص، بل بمدى قدرتنا على تفعيلها على أرض الواقع دون انتقائية أو تردد. المطلوب اليوم أن تكون الجهات الرقابية، سواء وزارة الداخلية أو النيابة العامة أو المحاكم المختصة، أكثر حزماً في مواجهة هذه الخروقات، مع ضمان شروط المحاكمة العادلة طبعاً.
فضلا عن ذلك يجب أن تفهم العقوبات في سياقها الأشمل، وهو إعادة الاعتبار لمصداقية الانتخابات بوصفها آلية ديمقراطية حقيقية. فعندما يشعر المواطن بأن من يصل إلى البرلمان لا يعتمد على المال أو النفوذ، بل على الكفاءة والمصداقية، فإن الثقة في المؤسسات سترتفع تلقائياً. لذلك فهذه المقتضيات القانونية ليست مجرد أدوات زجرية، بل هي جزء من رؤية لإعادة بناء الثقة بين الناخب والمترشح.
3- هناك، أيضاً، حديث عن مقتضيات جديدة تهم معاقبة كل من يشكك في العملية الانتخابية أو يمس بسمعة المرشحين المنتخبين، كيف يمكن التوفيق بين هذا التوجه وحرية التعبير والنقد المشروع؟
هذا أحد الجوانب الحساسة في المشروع الجديد، لأنه يلامس توازناً دقيقاً بين حماية نزاهة العملية الانتخابية من جهة، وضمان حرية التعبير والرأي من جهة أخرى. المشرّع هنا حاول، حسب قراءتي، أن يضع حداً لبعض الممارسات التي أصبحت متكررة خلال الحملات الانتخابية، حيث تُستعمل منصات التواصل الاجتماعي بشكل مفرط في نشر الإشاعات أو التشهير بالمرشحين، ما يؤدي إلى تشويه صورة المنافسة الانتخابية.
لكن، في المقابل، يجب أن ننتبه إلى خطورة أن تُستعمل هذه المقتضيات ذريعة لتكميم الأفواه أو الحد من النقد المشروع. فالتعبير عن الموقف من أداء الأحزاب أو المرشحين جزء من الحياة الديمقراطية الطبيعية، ولا يمكن أن يُعتبر تشكيكاً في العملية الانتخابية ما لم يتضمن وقائع كاذبة أو نية مبيتة للإساءة. لذلك المطلوب هو صياغة دقيقة لهذه المقتضيات حتى لا يُفتح الباب أمام التأويلات أو تُستعمل للضغط على الصحافيين والنشطاء أو المراقبين المستقلين.
أظن أن الحل يكمن في التوازن بين حرية النقد وواجب المسؤولية. فكل مواطن أو فاعل مدني له الحق في تقييم الانتخابات وطرح الملاحظات، لكن في حدود الاحترام وعدم القذف أو التشهير. وعلى السلطات أن تميّز بين التعبير الحر والاتهامات الخطيرة التي يمكن أن تمس بسمعة أشخاص أو تؤثر على مصداقية العملية الانتخابية دون دليل.
في النهاية، أرى أن مشروع القانون، رغم ما يثيره من نقاشات، يمثل محاولة جادة لتجويد المنظومة الانتخابية المغربية، سواء من خلال تشجيع الشباب على الترشح، أو محاربة الفساد الانتخابي أو ضبط الخطاب العمومي حول الانتخابات. غير أن نجاحه سيبقى رهيناً بمدى تطبيقه على أرض الواقع، وبمدى قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيّين على احترام روحه ومقاصده في بناء ديمقراطية حقيقية تقوم على الثقة والمساءلة والمواطنة الفاعلة.
*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بالمحمدية





