
حسن البصري
لم يكن قدور اليوسفي، جلاد معتقل درب مولاي الشريف خلال سنوات الرصاص، شغوفا بالكرة ولم تطأ قدماه ملعبا أو مدرجا، وحين كان يستنطق عبد الله زعزاع القيادي بتنظيم إلى الأمام، سأله هذا الأخير عن نتيجة مباراة جمعت في تلك الأمسية الرجاء بالوداد، كان زعزاع عاشقا للفريق الأخضر.
اعتبر قدور السؤال استفزازا مع سبق الإصرار والترصد، وأوصى رجاله بإكرام وفادة المحسوبين على الكرة، وكان في المعتقل بازين والسرغيني وكثير ممن جمعوا بين السياسة وتسيير الفرق الرياضية.
في سنوات الرصاص استضافت السجون العديد من رؤساء فرق كرة القدم، أبرزهم كريم حجاج، الذي شغل منصب رئيس سابق للرجاء، حين كان وراء محاولة اغتيال ملك البلاد الحسن الثاني، قبل أن يستفيد من عفو وردت تفاصيله في مذكرات الملك الراحل.
وكان لنجم الشباب البيضاوي رئيس يتأبط بندقيته اسمه بن حمو لفاخري، ويصر على أن يزرع الرعب في المباريات، فاقتيد إلى زنزانة انفرادية، إلى أن تقرر إعدامه في مشهد تراجيدي، وظل فريقه تحت وصاية عمال وكبار رجال السلطة.
قبل يومين وطأت قدما رضى نعيم، الرئيس السابق للكوكب المراكشي، أرض مطار المنارة الدولي، قادما من إسطنبول، اقتيد إلى ولاية أمن المدينة ووضع تحت الحراسة النظرية بسبب شيكات بدون رصيد كان قد سلمها، قيد رئاسته، للاعبين ومتعاملين مع النادي حين صدق وعود سياسيين رددوا على مسامعه موال «الدعم المالي آت»، فشرع في توزيع شيكاته الشخصية التي افتقدت للمؤونة، إلى أن فقد بوصلة التسيير.
بالأمس كانت إدارة السجن تضرب ألف حساب للشيوعيين والماركسيين والقاعديين والطليعيين والانقلابيين والإخوان المسلمين، لكن مع هيمنة الكرة على البلاد والعباد، خصصت أجنحة في معتقلات بلادنا للمسيرين المغفلين ولمتطرفي فصائل الإلتراس ولوسطاء فتحوا دكاكين بيع وشراء المباريات بالجملة والتقسيط.
في تاريخ كرة القدم المغربية عشرات رؤساء الفرق الذين زج بهم في سجون المملكة، منهم من قضى فترة طويلة ومنهم من كان عابر زنزانة أو محبوسا على سبيل الإعارة.
ذات رمضان من سنة 1996، شن إدريس البصري، وزير الداخلية الأسبق، حملة تطهيرية ضد بعض رجال الأعمال «المتورطين» في ملفات شائكة تجمع بين التهريب والتهرب الضريبي، وكان من بين المعتقلين رؤساء فرق أقسموا في معتقلاتهم على القطع مع الكرة والتجارة.
قصة محمد فكان، الرئيس السابق للدفاع الحسني الجديدي، تستحق أن تروى للجيل الجديد من المسيرين، الذين يرفلون اليوم في نعيم دعم الجامعة والتلفزيون والمستشهرين والرعاة والمحتضنين، فقد تعلم أولى دروس التسيير في دفاع عين السبع وحين تحول إلى مستورد للأبقار عرضت عليه رئاسة الفريق الدكالي، فقال لا بأس من الانتقال من رعاية البقر إلى رعاية البشر.
في سنة 1993 انتهى المطاف بالرئيس في سجن عكاشة، عاشت أسرته الويلات، بيعت ضيعاته في المزاد العلني، وبعد سنوات من الاعتقال خرج الرئيس من زنزانته ليدخل زنزانة الألم والقهر والضغينة. وعاش فريق المغرب التطواني زمن الرفاه مع رئيسه السابق رشيد التمسماني، تعلق المدربون واللاعبون والصحافيون بفريق ينعم بالديباج والحلي والحلل، لكنهم استفاقوا على خبر اعتقال الرئيس بتهمة التهريب الدولي للمخدرات. في اليوم الموالي نزع حارس الملعب صورة الرئيس المدان من مقر النادي وأعاد ترتيب التاريخ على نحو جديد.
قضى محمد الجامعي فترة تدريب في سجن «لعواد» بالقنيطرة وكان رئيسا لنادي أجاكس القنيطري، كانت التهمة جاهزة والحكم جاهزا والزنزانة مرتبة، وحين غادر المعتقل بعفو ملكي هاجر إلى أمريكا هروبا من سجان يمارس على سجنائه ركلات الجزاء.
في معتقلاتهم الانفرادية والجماعية يدخنون همومهم ويبتلعون آلام جراحهم ويخفون سحنات وجوههم، لكن أم الأحزان أن يكون سجان الرئيس مشجعا للفريق الغريم.





