حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريررياضة

هكذا صنع المغرب نفوذه بالقوة الناعمة

 من الملاعب إلى الدبلوماسية والتأثير الجيوسياسي

في لحظة تتقاطع فيها الرياضة مع السياسة، والفرجة مع الاقتصاد، والدبلوماسية مع الهوية، قدم المغرب نفسه من جديد إلى القارة الإفريقية والعالم، ليس فقط كبلد منظم لكأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025، بل كفاعل إقليمي يوظف كرة القدم كأداة من أدوات القوة الناعمة، ويعيد من خلالها صياغة صورته ومكانته ونفوإنجاز: سفيان أندجار

 

لم يعد تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى مجرد حدث عابر، أو منافسة كروية محكومة بنتائج المباريات، بل أضحى رهانا استراتيجيا للدول الساعية إلى تعزيز حضورها الدولي. وفي هذا السياق، شكل احتضان المغرب لنهائيات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم في دورتها الخامسة والثلاثين سنة 2025 نموذجا دالا على كيفية تحويل الرياضة إلى قوة رمزية مؤثرة، تتجاوز المستطيل الأخضر لتطول الاقتصاد، والمجتمع، والدبلوماسية.

 

 

حين تتحول الكرة إلى لغة نفوذ

لم تكن الندوة العلمية التي احتضنتها مدينة الدار البيضاء، تحت عنوان «الوقع الاقتصادي والاجتماعي والدبلوماسي لكأس أمم إفريقيا المغرب 2025»، مجرد محطة أكاديمية، بل قراءة معمقة في فلسفة التنظيم المغربي، وكيف استطاع أن يجعل من «الكان» منصة لإبراز كفاءاته التنظيمية، وبنياته التحتية، وقدرته على قيادة مشروع إفريقي طموح.

من بين أبرز عناصر القوة الناعمة التي راكمها المغرب، تبرز جودة البنيات التحتية الرياضية، التي تحولت إلى واجهة بصرية ورمزية لقوة الدولة التنظيمية. ملاعب حديثة بمعايير عالمية، طاقة استيعابية كاملة، تجهيزات لوجستيكية متقدمة، وربط سلس بين المدن المستضيفة… كلها تفاصيل لم تمر مرور الكرام على الوفود الإفريقية، ولا على وسائل الإعلام الدولية.

أبرزت الندوة أهمية التظاهرات الرياضية الكبرى كأداة من أدوات القوة الناعمة، تسهم في تعزيز مكانة المغرب وإشعاعه الدولي، وترسيخ موقعه كوجهة مثالية للاستثمار والتنمية، فضلا عن دعم علاقات التعاون جنوب – جنوب وتبادل الخبرات والموارد.

وتضمن برنامج الندوة توقيع المؤلف الجماعي «الرياضة في إفريقيا- بعض عناصر تقييم دينامية كرة القدم»، وهو ثمرة أبحاث أكاديمية في سلك الماستر بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالدار البيضاء.

 

 

إشعاع دولي ورسائل طمأنة

يرى المختصون في علم الاجتماع  أن المغرب مارس بالفعل «دبلوماسية كرة القدم»، مشيرين إلى أن نجاح تنظيم كأس أمم إفريقيا كشف جاهزية البلاد ليس فقط لـ«الكان»، بل حتى للاستحقاقات الكبرى المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. فالدولة التي تنجح في تدبير حدث قاري بهذا الحجم، تُرسل رسائل طمأنة قوية للشركاء والمستثمرين والمؤسسات الدولية.

القوة الناعمة، كما تؤكد أدبيات العلاقات الدولية، تقوم على الجذب والإقناع بدل الإكراه. ومن هذا المنطلق، ساهمت كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025 في تعزيز صورة المغرب دوليا، ليس فقط عبر الشاشات، بل من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وتغطيات الصحافة العالمية، وتفاعل الجماهير الإفريقية التي عاشت التجربة المغربية عن قرب.

إيرين فرنانديز مولينا، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة إكستر، تعتبر أن مثل هذه الأحداث تمنح المغرب رؤية دولية غير مسبوقة، لكنها تشدد في المقابل على أن تحويل الصورة الإيجابية إلى تأثير سياسي ودبلوماسي فعلي ليس مسألة آلية، بل رهين بقدرة الدولة على إدارة التناقضات الداخلية وتفادي التوترات الاجتماعية التي قد ترافق التنظيم.

ورغم هذا التحفظ الأكاديمي، فإن الواقع أظهر أن المغرب استطاع إلى حد بعيد تقديم نموذج هادئ ومتوازن، حيث مر التنظيم في أجواء آمنة، ومن دون اختلالات كبرى، ما عزز مصداقية الخطاب الرسمي حول الاستقرار والانفتاح.

 

تماسك اجتماعي ورسائل داخلية قوية

القوة الناعمة لا تُمارَس فقط نحو الخارج، بل تُبنى أيضا من الداخل. وهنا، يبرز البعد الاجتماعي لكأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025 كأحد أهم مكاسب المغرب. فقد تحولت البطولة إلى لحظة تماسك وطني، حيث التف المغاربة بمختلف فئاتهم حول منتخبات القارة السمراء وضيوف المملكة، في مشهد يعكس قدرة الرياضة على خلق المشترك وتعزيز الشعور بالانتماء.

كما سجل حضور المرأة بقوة في الفضاءات العامة والملاعب، سواء كمشجعة أو فاعلة في التنظيم والتغطية الإعلامية، وهو ما اعتبره مصطفى أكلاي مؤشرا على تحول اجتماعي عميق، ورسالة داخلية وخارجية حول تطور المجتمع المغربي وتقدمه.

 

مشروع دولة وجسر دبلوماسي

لم تكن كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025 مجرد بطولة عابرة في سجل المنافسات القارية، بل شكلت رافعة استراتيجية عزز بها المغرب قوته الناعمة، وعمق حضوره الإفريقي، وراكم ثقة دولية في قدرته على التنظيم والتدبير.

هي بطولة كشفت أن كرة القدم، حين تُحسن إدارتها، يمكن أن تتحول إلى لغة نفوذ، وإلى استثمار سياسي واقتصادي وثقافي طويل الأمد. وفي حالة المغرب، «الكان» لم تكن هدفا في حد ذاته، بل محطة ضمن مسار أكبر، عنوانه بلد يعرف كيف يوظف الرياضة لبناء الصورة، وصناعة التأثير، وقيادة المستقبل.

من خلال كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025، لم يكن المغرب فقط بلدا مضيفا، بل لعب دور الوسيط الثقافي والدبلوماسي بين دول القارة. استقبال الوفود، احترام الخصوصيات، الاحتفاء بالتنوع الإفريقي، وتقديم نموذج للتعايش… كلها عناصر عززت رصيد المغرب داخل إفريقيا، ورسخت صورته كبلد قريب من هموم القارة وطموحاتها.

هذا البعد الدبلوماسي الناعم يتجلى أيضا في المبادرات الموازية، من ندوات علمية، وتوقيع مؤلفات جماعية، وتكريم باحثين وفاعلين رياضيين، ما يعكس وعيا بأن القوة الناعمة لا تُبنى فقط بالمباريات، بل بالفكر والمعرفة وتثمين الرأسمال البشري.

 

هكذا أصبحت الرياضة أداة تُستخدم للتحكم في صورة الدول على الساحة الدولية

برز اهتمام متزايد بالدبلوماسية الرياضية نتيجة للتغيرات في البيئة الدبلوماسية، مما شجع الأوساط الدبلوماسية والمجتمعات على التكيف وابتكار مناهج جديدة.

بعد الحرب الباردة، ازداد اهتمام الحكومات بالدبلوماسية الرياضية كوسيلة غير مباشرة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية؛ وبناء على ذلك، استُخدمت الدبلوماسية الرياضية لتكوين صورة جذابة للبلاد أمام الرأي العام الأجنبي.

في القرن الحالي، تُستخدم الدبلوماسية الرياضية كآلية فعالة في السياسة الخارجية لجذب انتباه الرأي العام وتعزيز التبادل الثقافي والرياضي، مما يُعزز التقارب بين الدول. يُعتبر التبادل الرياضي والثقافي من أدوات القوة الناعمة التي تتبناها الدول في علاقاتها الخارجية، مما يُسهم في بناء جسور التواصل بين مختلف الثقافات والمجتمعات.

وخلال 14 سنة الأخيرة، أصبح مفهوم الدبلوماسية الرياضية عنصرا أساسيا في الدبلوماسية العامة، كما أصبحت الرياضة أداة تُستخدم للتحكم في صورة الدول على الساحة الدولية. ويتجلى ذلك خلال الأحداث الرياضية عندما يُعبّر الجمهور عن مشاعره الحقيقية تجاه قضية معينة، أو دولة محددة. هذا يعني أن لكل دولة مساحة حقيقية لبناء صورتها وتعزيز قوتها الناعمة، لكن في المقابل، يزيد ذلك من خطر إثارة مشاعر الرأي العام أو عدائه تجاه قضية أو دولة ما.

أشار جوزيف ناي في كتابه «القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة العالمية» إلى أن الأحداث الرياضية الكبرى تجذب انتباه مليارات البشر. كما ذكر أن الرياضة قد تكون حيوية في نقل القيم، وهو هدف تسعى إليه العديد من الدول التي نظمت فعاليات رياضية. في هذه الحالة، تمثل هذه الفعاليات منصة مثالية لجذب المزيد من الاهتمام من الدولة المضيفة، وتعزيز سمعتها على الساحة الدولية.

تُعد الرياضة أيضا عاملا حيويا في تحديد سمعة الدولة، إذ يمكن استخدامها لتحقيق أهداف دبلوماسية وتعزيز العلاقات الدولية. وتُبنى سمعة الدولة وفقا لإنجازاتها في المجال الرياضي عبر تاريخها. تعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وروسيا والبرازيل من بين الدول التي تتبنى هذا النهج، مع تخصيص أنواع مختلفة من الرياضات لكل منها.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى