حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

لماذا يخيف التغيير حراس الكراسي؟

بقلم: كوثر الرايس

 

ما أن أعلن حزب التجمع الوطني للأحرار عن مرشحه، حتى انفجرت موجة من الانتقادات الحادة، اختزلت القرار في عبارات شعبوية، من قبيل «تسليم مفاتيح الدار»، وكأن العمل الحزبي يُدار بمنطق الوصاية لا بمنطق الاختيار السياسي. لم يكن النقاش، في معظمه، نقاشا حول البرامج أو الكفاءة أو الرؤية، بل حملة تشكيك ركزت على الأشخاص، وهو ما يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر.

الواقع أن هذه الضجة ليست بريئة، ولا معزولة عن السياق العام. نحن أمام لحظة مفصلية تطرح فيها مسألة تجديد النخب بإلحاح غير مسبوق، استجابة لتوجيهات ملكية واضحة دعت مرارا إلى ضخ دماء جديدة، وتمكين الشباب من تحمل المسؤولية والقطع مع منطق الريع السياسي. غير أن هذا التوجه، بدل أن يقابل بنقاش جاد، اصطدم بجدار صلب من المقاومة، تقوده نخبة سياسية ألفت البقاء وتخشى كل ما من شأنه زعزعة مواقعها.

لقد تحولت الأحزاب، في كثير من الحالات، إلى فضاءات مغلقة تعاد فيها تزكية الوجوه نفسها و«الشيوخ السياسيين» أنفسهم، الذين راكموا الولايات والمناصب دون أن يتركوا أثرًا تشريعيًا أو رقابيا يذكر. وجوه صامتة داخل البرلمان، حاضرة فقط عند الاستحقاقات وغائبة حين يتعلق الأمر بقضايا المواطن والعدالة الاجتماعية والتنمية. ومع ذلك، لا يزال يعاد تقديمها على أنها «خبرة سياسية»، في خلط متعمد بين طول البقاء وجودة الأداء.

الأخطر من ذلك أن تشبث بعض الزعماء الحزبيين بالكراسي لم يعد مجرد اختيار تنظيمي، بل أصبح ممارسة سلطوية داخل الأحزاب نفسها، حيث تُفرغ الديمقراطية الداخلية من مضمونها وتُختزل القيادة في شخص أو دائرة ضيقة من المنتفعين. وهكذا، يتحول الحزب من أداة للتأطير السياسي إلى آلية لإعادة إنتاج النفوذ، ومن فضاء للتداول إلى ملكية رمزية لا يجوز الاقتراب منها.

إن هذا السلوك يُكرّس منطقًا سياسيًا قائمًا على استغلال النفوذ والمال والسلطة، حيث تُدار الأحزاب كغنائم انتخابية لا كوسائط ديمقراطية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الشباب مجرد ديكور انتخابي، يُستعمل عند الحاجة ويُقصى عند تقاسم المواقع.

إن تشبيب الأحزاب ليس تهديدًا للديمقراطية، بل هو شرط من شروط إنقاذها. أما الإصرار على إعادة تدوير الوجوه نفسها، فهو وصفة مؤكدة لتعميق أزمة الثقة، وتكريس الرداءة السياسية وتعطيل مسار التنمية. فالأحزاب، التي تخاف من الشباب، أحزاب تعترف ضمنيًا بفشلها.

في هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن يُستهدف أي حزب يجرؤ على كسر هذا النسق. فحين تُمنح للشباب فرصة حقيقية، لا شكلية، وحين يُفتح باب المسؤولية أمام جيل جديد، فإن ذلك لا يفضح فقط منطق التشبيب، بل يعرّي أيضًا إفلاس باقي الأحزاب التي ما زالت تعيش خارج الزمن السياسي. لذلك، لا عجب أن يتحول النقد إلى هجوم، وأن يُستبدل النقاش العقلاني بسيل من الاتهامات غير الأخلاقية.

إن أزمة السياسة في المغرب ليست أزمة قوانين ولا مؤسسات بقدر ما هي أزمة إرادة سياسية داخل الأحزاب. أزمة نخب تعتبر السياسة وسيلة للترقي الاجتماعي وتحصين المصالح، لا أداة لخدمة الصالح العام. ومن داخل هذا المنطق، يُنظر إلى الشباب كتهديد لا كرافعة للتغيير، وكخصم محتمل لا كشريك في البناء الديمقراطي.

أما أولئك الذين ما زالوا يتعاملون مع الأحزاب ككراسٍ محصنة، فليدركوا أن الزمن السياسي لا يرحم، وأن قطار التغيير، وإن تأخر، لا ينتظر من يصر على البقاء في المحطة القديمة.

لقد آن الأوان لقولها بوضوح: لا ديمقراطية بدون تداول، ولا تنمية بدون نخب جديدة ولا ثقة بدون قطيعة مع منطق الزعامة الأبدية. وتشبيب الأحزاب ليس منّة من أحد، بل حق سياسي، وضرورة وطنية واختبار حقيقي لصدق الخطاب الإصلاحي.

قد تكون خطوة حزب التجمع الوطني للأحرار غير مكتملة، وقد تكون قابلة للنقد، لكن مهاجمتها بهذه الشراسة تكشف شيئًا واحدًا: أن التغيير حين يحدث، ولو بشكل محدود، يُربك حراس الكراسي أكثر مما يُربك خصومهم.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من سلّم مفاتيح الدار؟ بل: من أغلق الأبواب في وجه التغيير كل هذه السنوات!

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى