
حسن البصري
حين كان المنتخب المغربي يخوض تصفيات كأس العالم 1990، تلقيت دعوة من صديق الدراسة عبد الرحيم، المقيم في جزيرة صقلية الإيطالية.
قال لي بلغة الواثق:
سيتأهل المنتخب المغربي لمونديال إيطاليا، وستكون في ضيافتي بمدينة باليرمو.
زف لي الخبر ومنذ ذلك الحين وأنا أشجع المنتخب المغربي بحماس أكثر من مدربه الإيطالي.
عجز المنتخب المغربي عن انتزاع تأشيرة الحضور لمونديال إيطاليا. لكنني عقدت العزم على تلبية دعوة مهددة بالتقادم، وقد تسقط لعدم تأهل المغرب لمونديال إيطاليا.
من حسن حظي أن صديقي المهاجر إلى إيطاليا سنة 1989، كان يشتغل في أحد فنادق مدينة باليرمو، وحين اتصلت به هاتفيا بعد ثلاث محاولات، جدد دعوته قائلا:
تمنيت لو نجح المنتخب المغربي في التأهل لهذا الحدث الكروي، لكن لابأس من حضور مونديال يغيب عنه فريقنا الوطني.
في بداية شهر يونيو 1990، وصلت إلى باليرمو بحرا، من الميناء توجهت إلى ساحة «كواترو كانتي»، وسألت عن فندق «داماسو» حيث يشتغل مضيفي.
أشهر في وجهي حارس البوابة البطاقة الحمراء، أحالني على يافطة عليها عبارة «محجوز».
لم تسعفني اللغة لأشرح لهذا الرجل، متوسطي الملامح، قصدي، قبل أن يفهم أخيرا سبب وجودي في بهو فندق تاريخي.
جاء صديقي يحمل ابتسامته وهو يمد يديه لمعانقتي، سألني عن تعب الرحلة وعن الأهل والأحباب، ودعاني لانتظاره في مقهى مجاور إلى حين انتهاء دوامه.
كانت باليرمو تعج بالمشجعين المصريين، وفي المقهى تأسف بعضهم لغياب فريقنا الوطني عن المونديال الإيطالي، تبين أنهم يحنون لمنتخب مكسيكو 1986، للتيمومي والزاكي وبودربالة وظلمي..
ولأن الصدفة خير من ألف ميعاد، بشرني صديقي بتوفره على تذاكر ولوج مباراة مصر وهولندا، بعد أسبوع، سلمها إليه صحافي مصري يقيم في الفندق نفسه.
بعد ساعة ونصف من الحديث عن الكرة العربية مع المشجعين المصريين، حل مضيفي بالمقهى وركبنا سيارة أجرة «خطاف» صوب شقته الصغيرة في حي عتيق لا يختلف كثيرا عن «كارتيي كوبا» في شكل بيوته.
هيأ صديقي مائدة العشاء، يبدو أنه أحضر مكوناتها معه من مطبخ الفندق، باستثناء قنينة الماء، ثم دعاني لجلسة سمر في مقهى الفندق مع الصحافي المصري الذي أهداه تذاكر مباراة مصر وهولندا.
في حدود العاشرة ليلا، عدنا إلى الفندق، دخلته دون استفسار من البواب. كان الصحافي المصري ويدعى محمود بكر، في انتظارنا وهو يداعب فنجان قهوة إيطالية.
علمت أنه سيعلق على مباراة منتخب بلاده للتلفزيون المصري، قلت له:
رجاء لا تنس الإشادة بمنتخب المغرب الغائب.
تحولت جلستنا إلى درس في التاريخ، فالمعلق المصري يجد متعة في الحديث عن مشاركته في حرب أكتوبر 1973 كضابط عسكري، وعن توقف الكرة بسبب نكسة 1967، وكلما حاولت تذكيره بمشاركة الجيش المغربي في هذه الحرب، صرف النظر عني وروى لصديقي نوادره في الخندق.
استيقظت على صوت الباعة، في سوق «ميركاتو ديل كابو»، الذي لا يبعد عن مسكن صديقي إلا بأمتار قليلة. بناء على نصيحته قررت زيارة قرية مجاورة أغلب سكانها تونسيون، هناك تناولت أرخص الأطباق «كابوناتا»، أي «الزعلوك» بصيغة مهذبة.
قضيت أيامي متسكعا في دروب باليرمو، ألتقى بمغاربة صقلية وأغلبهم من بني مسكين، لا تغيب الليرة الإيطالية عن أحاديثهم، وحين ناولت أحدهم تذكرة مباراة مونديالية، قرر بيعها للنادل.
تابعت مباراة مصر وهولندا، التي انتهت بالتعادل، كانت مملة حد القرف، وددت لو كان منتخب بلادي حاضرا، قبل أن أصادف في مدخل الملعب المدرب الإيطالي أونطونيو أونجيليلو، مدرب منتخبنا الذي جاء لصقلية تاركا فريقنا الوطني في المغرب.





