
يونس جنوحي
على الذين يحشرون أنفسهم في قضية الصحراء الشرقية المغربية أن يقرؤوا شهادات أعضاء قيادة الثورة الجزائرية التي صدرت خارج الجزائر، لكي يعرفوا ماذا وقع بالضبط.
دخلت فرنسا إلى الجزائر قبل 1830 واحتلتها رسميا، لكنها لم تنجح في الدخول إلى منطقة بوذنيب المغربية إلا في سنة 1908. وهي فترة تاريخية طويلة انقرض فيها كل القادة العسكريين الفرنسيين، الذين يفترض أنهم عملوا على فرض سيطرة فرنسا عسكريا على المنطقة بأكملها.
لقد احتاج الفرنسيون إلى جيلين لكي يتقدموا شرقا في اتجاه المغرب، وبدؤوا أولا بمنطقة «توات».
منطقة لم تكن فرنسا تحتاج إلى زرعها بالألغام، فقد كانت قبائلها متصارعة وتأكل بعضها البعض. قبائل متحمسة لم تكن تعترف بفرنسا وتعتبر الجهاد ضدها فرضا على كل من يعرف كيف يركب الجمل.. لكن الجنرالات الفرنسيين فوجئوا كيف أن هذه القبائل طوت خلافاتها جانبا، واتحدت في ما بينها لمواجهة الجيش الفرنسي في قلب الصحراء، ومنعه من التقدم شرقا.
في عشرينيات القرن الماضي ظلت هذه القبائل تحارب فرنسا. وحتى عندما نزعت الإقامة العامة الفرنسية فتيل ثورة منطقة الأطلس في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت قبائل الصحراء الشرقية المغربية لا تزال تحارب فرنسا، رغم تواطؤ بعض القياد، تماما مثل ما وقع في الحوز وعبدة ودكالة.
من الصحراء الشرقية جنوبا، في اتجاه تندوف، كانت فرنسا ترى أن الطريق الوحيد لتأمين تندوف وسط الخلاء، هو ربطها بأكادير.. وهكذا فقد كان الفرنسيون يحتاجون إلى تأشيرة خاصة يحصلون عليها من الحامية العسكرية في أكادير، قبل أن يشدوا الرحال شرقا نحو تندوف، وهو الوضع الذي استمر إلى حدود 1955.
عندما حصل المغرب على الاستقلال، تشدد المغرب الرسمي مع فرنسا حول شروط استقلال الجهة الشرقية، وتمسك الملك الراحل محمد الخامس وولي عهده بضرورة استقلال الجزائر هي الأخرى.. كان هناك اقتناع في المغرب، وسط مناضليه ومثقفيه وسياسييه، بمشروع المغرب الكبير.. لذلك كان الهاجس إخلاء المنطقة من القوات الفرنسية أولا، على اعتبار أن المسألة الحدودية لن تشكل خلافا بين البلدين.
جاء أعضاء الثورة الجزائرية، الذين كانوا يتخذون من منازل وجدة الشعبية غرفا للعمليات، ووضعوا ملامح أحلامهم الثورية في المغرب، بحماية مغربية. لكن «الثورة» الحقيقية كانت تُطبخ في باريس.. هناك حيث اتفق الانقلابيون على وضع «مجلس ثورة في الظل»، لمراقبة بوضياف وبن بلة.
عندما استقلت الجزائر، كان المغرب أول بلد يفتح باب الزيارات الرسمية مع الجزائر المستقلة. جاء الملك الراحل الحسن الثاني، في بداية عهده، إلى الجزائر وغصت الشوارع بالمواطنين الذين خرجوا لتحية ملك بلد شارك الجزائريين ثورتهم ضد الاستعمار.
تملك الحماس الرئيس أحمد بن بلة، ووعد الملك الراحل الحسن الثاني أمام المسؤولين من البلدين، بأن تكون هدية الجزائر للمغاربة، تسليم تندوف رسميا إلى المغرب ووضع اتفاقيات الحدود بين البلدين..
سُجن بن بلة، وأصبح بومدين رئيسا للجزائر، وقادته حماقاته إلى التسبب في مشاكل دبلوماسية مع المغرب. ورغم ذلك مرت مناسبتان وقع خلالهما البلدان اتفاقيات تهم الحدود الشرقية..
مضت السنوات وما زالت المنطقة الحدودية منطقة توتر. ووحده الزعيم علال الفاسي أدرك مبكرا جدا، أن الجزائريين سوف ينقلبون على رئيسهم الذي كان يعرف حقيقة منطقة الصحراء الشرقية.
إذ إن علال الفاسي بعث سنة 1963 وفدا من الحزب لتقديم التهاني لأحمد بن بلة، بمناسبة انتخابه رئيسا للبلاد. وعندما عاد الوفد الذي كان من بين أعضائه الوجدي محمد خليدي – مؤسس حزب النهضة والفضيلة- سألهم علال الفاسي، بحسب ما حكاه لي خليدي شخصيا رحمه الله، عن أحوال بن بلة، فأجابه خليدي قائلا إن الوفد المغربي اضطر إلى الانتظار أكثر من ساعتين قبل لقاء الرئيس. والسبب أن بن بلة كان في اجتماع مع ممثلي النقابة الجزائريين. فعلق علال الفاسي، الذي كان يعرف الجزائريين جيدا وشاركهم أحلام الثورة في منفاه بالقاهرة، قبل استقلال المغرب: إن الرئيس الذي ينفرد به النقابيون لأكثر من ساعتين، لن يبقى طويلا في منصبه.
وفعلا.. انقلب المتعصبون على أحمد بن بلة، وطووا تاريخ المنطقة الشرقية، وأسسوا تاريخا آخر، لا أحد يعرف مضامينه إلا هؤلاء الذين يحفرون الخندق الحدودي منذ ذلك الوقت، إلى الآن.





