
لم ينتظر البعض حتى صافرة نهاية مباراة المغرب وفرنسا، بربع نهائي كأس العالم لكرة القدم 2026، حتى يعلنوا عن «النظرية الجاهزة» وأننا تعرضنا لمؤامرة في المونديال.
لم يتحدثوا كثيرا عن التفوق التقني والبدني للمنتخب الفرنسي، ولا عن الإرهاق الذي ظهر جليا على «أسود الأطلس»، ولا عن بعض الخيارات التكتيكية التي لم تنجح. التركيز كان على البحث عن «دليل» يثبت أن النتيجة كانت مفبركة سلفا: زيارة وفد فرنسي إلى المغرب وتزامنها مع المباراة، غضب محمد وهبي على اللاعبين في الممر وغرفة الملاعب، إشارة أشرف حكيمي للدفاع الفرنسي عند تسديد ضربات الخطأ، مغادرة فوزي لقجع لمكان جلوسه خلال الشوط الثاني… كل شيء تحول إلى «دليل قاطع».
ثم جاءت المرحلة الثانية تتمثل في جلد اللاعبين واتهامهم بالتقصير أو «التواطؤ»، وكأن المنتخب خاض المباراة بقمصان الخصم.
لكن أين الأدلة الحقيقية؟
هل حدث خطأ تحكيمي فادح غير نتيجة المباراة؟ هل توقف اللاعبون عن القتال؟ هل هناك وثيقة أو تسجيل أو شهادة موثوقة تثبت وجود مؤامرة؟ الإجابة حتى الآن: لا.
الواقع أبسط وأقسى: خسرنا أمام منتخب عالمي المستوى يتصدر التصنيف الدولي، يملك نجوما استثنائيين وكرسي بدلاء شبه منتخب ثان. فرض الفرنسيون ضغطا عاليا، ونجحوا تكتيكيا في إغلاق المساحات أمام مفاتيح لعبنا. أما نحن، فقد عانينا من عوامل موضوعية؛ إصابات مؤثرة، وإرهاق بدني بعد مشوار طويل، وبعض الخيارات التكتيكية التي لم تنجح كما كان مأمولا. وهذه كلها أسباب كروية معروفة تحدث في أكبر البطولات، ولا تنتقص من قيمة ما حققه هذا الجيل.
الدول الكروية الكبرى لا تهدر الخسارة في نظريات المؤامرة، بل تفتح ملف التقييم التقني، وتصلح الأخطاء، وتعود أقوى. أما نحن فلا نزال نُنتج «بوز» على حساب الوعي الرياضي.
النقد حق، والمحاسبة واجب، وفتح النقاش حول اختيارات المدرب، أو أداء اللاعبين أمر صحي. لكن تحويل الخيال إلى حقيقة، والإشاعة إلى معلومة، وتحويل كل هزيمة إلى مؤامرة كبرى ليس سوى هروب من المسؤولية. إذا كان لدى أحد دليل حقيقي، فليتقدم به إلى الجهات المختصة. أما الإشاعات والمقاطع المجتزأة والتأويلات، فهي لا تعدو أن تكون سوى تحليلات سطحية، مبنية على التأويل أكثر من الوقائع، هدفها تحقيق أكبر عدد من المشاهدات و«الإعجابات»، أو تصفية حسابات ضيقة، أو ابتزاز أشخاص ومؤسسات، أكثر من البحث عن الحقيقة. لذلك فهي لا تبني منتخبا، بل تُضعف الثقة وتُؤخر التقدم.
الزمن حان لنترك «شماعة المؤامرة» ونواجه الواقع ونبدأ الاستعداد منذ اللحظة لمونديال 2030 على أراضينا.





