
نحن نشهد، موضوعيا، كيف تتعرض الديمقراطية -لفظة، ومفهوما ونظاما- إلى التشويه والمحاربة؛ ونلاحظ كيف أن العديد ممن يعادونها لا يكفون عن استعمالها، أو عن توظيف آلياتها للوصول إلى الحكم ليفرضوا نظاما تحكميًا وتسلطيًا. هناك، أيضا، التباس كبير بين الديمقراطية والليبرالية السياسية، خصوصا وأن أسئلة متجددة تفرض ذاتها عن التمثيلية والحقوق والرأي العام، أو تطرح على صعيد التحكم في النزاعات واقتراح أساليب جديدة لتسيير قواعد العقد الاجتماعي. غير أن المتابع لما يحصل في مجتمعاتنا يقف على أن أنظمة الحكم المختلفة تقتبس قاموس الديمقراطية لاستعماله واجهة لحماية الرأسمال، أو لتبرير الأوتوقراطية والريع.
ويتعين التنويه إلى أن صيغة «الديمقراطية المنقوصة»، كما وردت في عنوان الكتاب، لا يوجهها حُكم قيمة، وإنما تنطلق من مؤشرات دولية، منها تلك التي تضعها صحيفة «ليكونوميست» الليبرالية البريطانية، التي وضعت شروطا خمسة لقياس الديمقراطية في 167 بلدا؛ أول هذه الشروط مدى احترام التعددية والعملية الانتخابية؛ ثانيها نمط حكامة السلطات العمومية؛ ثالثها نسبة المشاركة السياسية؛ رابعها الثقافة السياسية وأخيرا الحريات المَدَنية. وبناء على ما تسميه «مؤشر الديمقراطية»، تُقسم الأنظمة السياسية إلى أربعة أنواع: البلدان التي تتميز بـ«ديمقراطية كاملة»، وتلك التي تدخل في نطاق «الديمقراطية المنقوصة»، والنوع الثالث تنعته بـ«النظام الهجين»، ثم أخيرا ما تصنفه «نظاما سلطويًا».
هكذا قد تكون الديمقراطية منقوصة حتى في البلدان التي وضعت أسسها المعيارية، واستبطنتها الذهنيات، والمؤسسات والحياة العامة. فالولايات المتحدة الأمريكية تدوس على حقوق الإنسان والأوفاق الأممية كلما كانت وراء سياساتها مصالح استراتيجية، أو تتورط في الحروب التي لا تكف عن اختلاقها أو تدفع إلى اشتعالها؛ وتشهد الديمقراطية الفرنسية تراجعات واضحة على صعيد حرية التعبير، ومنع التظاهر وإغلاق وسائل الإعلام أمام تيارات الفكر والرأي بمناسبة الإبادة التي تقترفها الدولة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
أما غالبية البلدان العربية فتدخل في إطار «الأنظمة الاستبدادية»؛ لقد غيَّرت تونس ترتيبها بعد «الثورة» على بنعلي ورحيله سنة 2011، عن طريق كتابة دستور جديد وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة إلى أن بلغت الرتبة 82 عالميا، لكننا نعاين كيف دخلت في تراجعات مؤسفة في السنين الأخيرة؛ وتمكن المغرب من الخروج من خانة «النظام السلطوي» حيث تم تصنيفه في خانة «النظام الهجين» بحصوله على الرتبة 93، التي وصل إليها بشكل تدريجي.
واعتبارا لهذه المعطيات والمؤشرات، لا مناص من تسمية مناسبة للوقائع وليس للنوايا. نحن نعيش في أوضاع سياسية أكثر من منقوصة، إذا ما احترمنا مؤشرات التصنيف الدولي، وتبقى نهضتنا «مُعلقة» طالما لم نعرف كيف نستثمر في البنيات الأساسية بمقدار ما نستثمر في بناء الإنسان والرأسمال البشري. وحين يتمكن أصحاب القرار من تغيير التوجهات والاختيارات الكبرى، وينجزوا عمليا ما أعلنوا عنه افتراضيا، وشعر أكبر عدد من الناس بمردودية هذه الاختيارات في عيشهم، وحريتهم، وكرامتهم وإنسانيتهم، حينها يتعين تغيير قاموس الوصف ومعايير التقييم.





