
يونس جنوحي
في أواخر صفحات هذه المذكرات، يضع هشام عبود فقرة بليغة جدا. يقول: «كيف تشرح لهؤلاء الإرهابيين الذين يحاولون مسح جرائمهم، أن المعارضين الذين لا يملكون إلا الكلمات لمحاربة سلطة المافيا، ممنوعون من الإقامة في بلدهم؟».
هذه الجملة لخصت الأوضاع في الجزائر سنة 2001. إذ كيف ينسجم هؤلاء الجنرالات مع الخطابات التي حاولوا الترويج لها، في حين أن أحد معارضيهم، وهو صحافي معروف في فرنسا وفي الجزائر، لا يستطيع دخول البلاد ولا ممارسة الصحافة فيها.
بل إن هؤلاء الجنرالات كانوا يناقضون أنفسهم. يضيف هشام عبود: «هؤلاء الجنرالات الذين يبررون كل العنف والاعتداءات التي يمارسونها، بأنها حرب على الجماعات الإسلامية المتطرفة، هم أنفسهم الذين يأمرون باعتقال «الكوبل» الذين يتجولون في شوارع الجزائر».
يتهم هشام عبود الجنرالات أيضا بالإساءة إلى المرأة الجزائرية وتحويلها إلى كائن «قاصر» لا يعرف حقوقه ويحولون بينها وبين تلك الحقوق. إذ إن المرأة الجزائرية، في ظل الجنرالات، لم يكن مخولا لها الوصول إلى الوزارات ومناصب المسؤولية والخطوط الأولى.
بل إن ترسانة من القوانين وضعها الجنرالات كشفت عداءهم للمرأة الجزائرية. إذ منعوا الجزائريات من حق امتلاك حضانة الأبناء ووضعوا كل الحقوق في جيب الرجل. وهو ما يكشف العقلية الذكورية التي وضعت بها بعض قوانين الأحوال الشخصية في الجزائر، بصورة تتنافى مع المواثيق الدولية التي وقعت عليها دول جارة للجزائر.
جنرالات القرون الوسطى
الطريقة التي كان يحكم بها الجنرالات الجزائر، حسب إفادات هشام عبود المتكررة في هذه المذكرات، كانت تعود إلى القرون الوسطى. إذ كانوا يعطون أوامر لاعتقال السياسيين والصحافيين والحقوقيين خارج أي إطار قانوني ودون احترام لمساطر أو تراتبيات إدارية. يكفي أن يحمل جنرال من أعضاء «المافيا» التي تحكم البلاد سماعة الهاتف ويعطي اسما لكي يتم توقيفه، حتى تصبح حياة المعني في «خبر كان».
وكان هذا الأمر يتكرر في حالات اختفاء كثيرة، أفرادها لم يكونوا يعجبون الجنرالات بكل بساطة. وتم توقيفهم على يد أفراد الأمن الجزائري وأرسلوا إلى المعتقلات بدون محاضر ولا محاكمات، وإلى اليوم لا تستطيع الأسر الجزائرية المكلومة المرافعة عنهم ولا معرفة مصيرهم.
يقول هشام عبود: «كل البلدان عرفت رياح تغيير مع نهاية القرن العشرين، إلا الجزائر، للأسف، فإنها احتفظت بالرجال أنفسهم. في الجيش، الجنرالات توفيق، العماري، التواتي، إسماعيل، والشرطي العجوز الملقب بـ«التونسي» بقوا في السلطة. بلخير، نزار، كنيزية، غزال، التواتي، عبد السلام ومن معه، ذهبوا إلى الظل فقط ولم يختفوا نهائيا. أما في الجانب السياسي، فإن مسعادية، وبلخادم، بوتفليقة، خضيري، بلخير، وعميمور، كانوا حاضرين أيضا».
في هذه الجملة الأخيرة، كان هشام عبود يقصد جيل السياسيين الذين واكبوا الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وكشفت الأيام، مع بداية 2000، أنهم لم يقوموا بأي إصلاح سياسي نهائيا في الجزائر، رغم أنهم مُنحوا فرصة أزيد من ثلاثين سنة من الاستقرار السياسي لكنهم لم يقدموا أي شيء للجزائر والجزائريين. رغم ذلك تم الإبقاء عليهم في ظل حكم مطلق للجنرالات، ومنحوهم سلطة صورية فقط أمام الرأي العام الدولي، بينما ظل الجنرالات يحكمون البلاد بقبضة من حديد. ورغم أنهم حاولوا الحديث في الصحافة الجزائرية عن مناخ جديد وإصلاح سياسي مرتقب، فإنهم ظلوا يحتفظون بالوجوه السياسية ذاتها. يقول هشام عبود إن أي تغيير سياسي في الجزائر يبقى مستحيلا ما دامت هذه الأسماء لا تزال في السلطة.
في السياق الذي كتب فيه هشام عبود هذه المذكرات، لم يكن هناك أي حديث عن الحراك في الجزائر، بحكم أن الكتاب صدر عشرين سنة تقريبا قبل وصول رياح الربيع العربي إلى الجزائر، لكنه وضع شرط الإطاحة برموز السلطة في الجزائر لإحداث تغيير حقيقي يعيد الجزائر إلى الجزائريين.





