حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرسياسية

ورطة الطائفية في الصراع السياسي الإقليمي

محاولة التسييد القصري للتشيع ضد الأغلبية السنية بسورية

أحياناً تنجح بعض الأنظمة السياسية في الخارج وتفشل في الداخل وهذا ينطبق على إيران، وكثيراً ما تكون عوامل الفشل الداخلي أخطر أثراً من عوامل النجاح الخارجي مما يعرّض النظام – أي نظام – للسقوط والتردّي. فهل تتوفر داخل الطائفة الشيعية منظورات تُعنى بهذه الإشكالية الخطيرة؟ من خلال متابعاتي للشؤون الشيعية أكاد أجزم بعدم توفر ذلك، وجرّ الطائفة (مؤسسات وأحزاباً وكتلاً برلمانية وصحفاً وفضائيات ومرجعيات وجمهوراً) إلى سورية وزجّها في صراع سياسي داخلي وتحويل الصراع من سياسي إلى ديني مذهبي ومن محلي إلى إقليمي ومن ثم دولي، هل في ذلك مصلحة بعيدة المدى للطائفة أم أنه شراك متفجر قد يحرق الطائفة؟

هذا التزاحم الطائفي الشيعي في سورية وبدعم إيراني مباشر هل يخدم الطائفة على المدى البعيد. قد تفعل إيران ذلك وفق مرئياتها الجيوستراتيجية كدولة قومية فارسية تُعاني من عزلة دولية ومن عقوبات اقتصادية وتضغط بالحرب والتوتر والنزاع لفك الحلقة المغلقة حولها، لكن ما مصلحة الشيعة كطائفة على المدى البعيد أن تقف في سورية ضد الأغلبية السُّنيّة؟ والتي ستسود لا محالة في نهاية المطاف كما حصل في حالات عديدة من قبل؟ ألم يكن من الأحوط أن تختار الطائفة موقفاً متحفظاً إزاء هذا التدخل المباشر في سورية حماية لمستقبل علاقاتها مع محيط الأغلبية السُّنيّة في المنطقة؟ أم أن الطائفة أصبحت في قبضة إيران ورهن مرئياتها الجيوستراتيجية؟

في هذا الخضم أليس سؤالاً مشروعاً عندما نقول: أين الخط الفاصل بين إيران والطائفة؟ وهل للطائفة قيادة مستقلة عن إيران؟ أم أن إيران والطائفة كيان واحد؟ إذا كان الأمر كذلك فإذن علينا التعامل مع الطائفة وكأنها صدى لإيران لا أكثر ولا أقل، هل يحقق ذلك مصلحة للطائفة على المدى البعيد؟ أجزم أن هذا ما يقصده الطفيلي الذي يلحّ منذ سنوات على خط فاصل بين إيران والطائفة مع أنه زعيم شيعي معروف.

 

إيران وسورية.. زواج بلا حُبّ

بدأت العلاقة بين إيران وسورية سنة 1946، أي منذ استقلال سورية. كما نلاحظ أن إيران أرسلت إلى سورية منذ 1953 وزيراً مفوضاً (مشفق كاظمي) وبالرغم من إثارة رئيس الوزراء السوري 1965 يوسف زعين لقضية عروبة الأحواز التي احتلتها إيران 1924 وتوترت العلاقات حينها، إلا أن الشاه دعم سورية بالذات خلال حرب حزيران (يونيو) 1967. بل سنلاحظ أن الشاه 1973 قدّم قرضاً لسورية قيمته 150 مليون دولار، وأكثر من ذلك بالرغم من تشبث الشاه باحتلال الأحواز العربية واحتلاله للجزر العربية الثلاث التابعة للإمارات (1971) لم يتردد حافظ الأسد، الرئيس السوري آنذاك، في زيارة إيران والشاه لمدة أربعة أيام وتوقيع اتفاق تعاون مع الشاه.

كيف نفسّر هذه العلاقة النشطة بين الشاه وحافظ الأسد؟ المعلومات المتحصلة عن تلك الفترة تفيد بأن حافظ الأسد كان يحاول تأمين مكانة الطائفة العلوية في سورية للمستقبل، وحيث إن البلاد بدأت تضيق بأن علوياً يرأسها، بالرغم من أن هناك جهات سورية عديدة تكفّر العلويين، وذلك ناشئ من تأليههم لعلي بن أبي طالب، فاجتهد حافظ الأسد إزاء هذا الرفض له من عامة الأغلبية السُّنيّة في سورية بأن اتجه إلى الشيعة الاثني عشرية كي يستصدر منهم فتاوى بأنهم أي العلويين فرقة من الشيعة.

لذلك نسج حافظ الأسد علاقات سريعة ونشطة مع شاه إيران ومع المراجع الشيعية في لبنان وإيران، فكانت اتصالاته النشطة بموسى الصدر 1974 ومحمد حسين فضل الله والشيرازي، الذي أصدر فتواه الشهيرة التي تفيد بأن العلويين ينتمون إلى الشيعة الاثني عشرية، ووجّه حافظ الأسد عدة دعوات لهؤلاء لزيارة جبال العلويين المحاذية للاذقية وزيارة شيوخ الطائفة العلوية، وبدأ جميل الأسد (شقيق حافظ الأسد) بتشجيع مجموعات كبيرة من العلويين على زيارة إيران لدراسة المذهب الاثني عشري منذ 1975 وبعد عودتهم عملوا على نشر التشيع في جبال العلويين، وبنى جميل الأسد عدة حسينيات في تلك المنطقة، من خلال جمعية المرتضى التي أسسها في القرداحة.

أكثر من هذا فقد طلب حافظ الأسد من المرجع الشيعي اللبناني حسين فضل الله أن يقيم ويعمل في سورية، وقد افتتح الأخير مكتباً في حي السيدة زينب في دمشق، وبدأ التلفزيون السوري يبث برامج للمُبشّر الشيعي العراقي عبد الحميد المهاجر وبدأت العاصمة دمشق تُفصح عن وجه جديد باتجاه الاثني عشرية بعد أن كانت في الستينيات تلحّ رسمياً على الاتجاه العلماني البعيد نوعاً ما عن أي تمذهب ديني، وكانت العلاقات يومها بين الشاه وحافظ الأسد تصبّ في حالة من التخادم السياسي النشط، أبرزها أن يكلّف الشاه مبعوثه للبنان موسى الصدر بتذليل كل المعيقات أمام اندماج الطائفة (العلوية النصيرية) في الطائفة الاثني عشرية ومرجعياتها في قم، وبذلك تخف حدة الاغتراب والحساسية السياسية والثقافية للعلويين في المنطقة عموماً.. لكن كل هذه الجهود من طرف الشاه وحافظ الأسد لم تستطع أن تلغي ذاكرة التاريخ الحية بين غالبية السوريين من أهل السنة والجماعة، فالجميع يعلم أن جد حافظ الأسد (سليمان الوحش) رجل غريب وليس سورياً، وتضاربت الأقوال في أصله، وتشير وثائق الخارجية الفرنسية إلى وثيقة تحت رقم 3547 تاريخ 15/6/1936 هي رسالة أرسلها زعماء الطائفة العلوية تطلب من ليون بلوم Leon Blum ، رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، عدم منح سورية الاستقلال خوفاً على مصالح الطائفة العلوية، وقد وقع العريضة: عزيز آغا الهواش ومحمود آغا جديد ومحمد بك جنيد وسليمان الأسد (جد حافظ الأسد) ومحمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل).

وخوفاً وترقباً لنتائج الاستقلال نشطت الطائفة العلوية بتأسيس الأحزاب العلمانية الموغلة في علمانيتها، وذلك لتعويم الطائفة في الوعاء السكاني السُّني. ولذلك سنلاحظ أن من أبرز العلويين زكي الأرسوزي الذي ساهم مع ميشيل عفلق في تأسيس حزب البعث، كما نلاحظ بروز أبناء الأقليات كرعيل أول في الحزب (نصيرية – إسماعيلية – دروز – مسيحية وبعض التائهين المرتدين من العلمانيين المنسوبين لأهل السنة والجماعة). أما نفوذ إيران في سورية فعميق للغاية فـ”جمعية آل البيت” بها كان يرأسها السفير الإيراني في دمشق، وهذه الجمعية تتبع للمرشد في طهران مباشرة، بعدما تحولت دمشق إلى الحوزة العالمية الثالثة بعد قم والنجف. في سورية ما يزيد عن 500 حوزة وحسينية ويزورها سنوياً أكثر من خمسمئة ألف زائر إيراني.

خلاصة ما نريد أن نذهب إليه هو أن سورية، في الوضع الحالي (2014) تعتبر العمود الفقري لإيران في الشرق الأوسط، ولذلك هناك مؤشرات كثيرة وقرائن متعددة تفيد بأن إيران تستعد بكل طاقتها الاستراتيجية للسيطرة على سورية بالقوة العسكرية في حال سقوط نظام بشار الأسد كما تفعل الآن مع المالكي في العراق.

 

خديعة إيران بين الاستراتيجيا والإيديولوجيا

 

في الجوهر، وخاصة في مجال السياسة الخارجية، لا فرق بين دولة الشاه ودولة الخميني؛ الاستراتيجية واحدة: قومية فارسية، توسُّع، هيمنة. فرق واحد فقط أن الخميني أضاف العامل الإيديولوجي الطائفي الشيعي إلى الاستراتيجية الإيرانية فأمدّها بزخم

معنوي لن يلبث طويلاً، من وجهة تاريخية، أن سيخبو قريباً، فلا إيران تطيق ذلك ولا الطائفة تتحمل ذلك، خاصة كونها أقلية في “بحر سني متلاطم” حولها.

وبالرغم من الخطاب الإعلامي المتشنج ضد الولايات المتحدة وإسرائيل منذ 1979، إلا أن المتتبع للاتصالات الإيرانية، في ظل النظام الجديد إثر الثورة، مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يتوصل إلى محاصيل سياسية تفيد بأن إيران حريصة على العلاقة بالطرفين. التعاملات السرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى هي موضوع الكتاب الثمين الذي نشره تريتا بارسي الأمريكي الجنسية من أصل إيراني والمقيم في تكساس والذي يدرّس في جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins والكتاب الضخم نشرته جامعة ييل ذائعة الصيت Yale Univ. سنة 2007 بعنوان: The Treacherous Alliance أي (التحالف الخفي).

اعتمدت سياسة إيران إزاء الولايات المتحدة وإسرائيل على التشنج الإعلامي (الموت لأمريكا الموت لإسرائيل) وقليل من الأفعال، استغلت إيران محنة الشعب الفلسطيني لإضعاف الحكومات العربية، الإيرانيون والإسرائيليون يرون أنهم يعانون من غربة ثقافية مع العرب: لغة وديناً، أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل في الشرق الأوسط تعيش في الجمهورية الإيرانية.

ولعل المقترح الإيراني الشامل الذي طرحه الإيرانيون عشية الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 يكشف حقيقة الموقف الإيراني من الولايات المتحدة وإسرائيل، ويقول المقترح إن الصفقة التي نعرض تتضمن البنود التالية:

أولاً: تعترف إيران بأن أسلحة الدمار الشامل ومسألة الإرهاب قضيتان مهمتان بالنسبة لها وأنها على استعداد للتفاوض عليها.

ثانياً: تعمل إيران على وقف دعم حماس والجهاد الإسلامي في صراعهما مع إسرائيل والضغط على المجموعتين لكي توقفا هجماتهما على إسرائيل.

ثالثاً: دعم إيران لعملية نزع سلاح حزب الله وتحويله إلى حزب سياسي.

رابعاً: فتح البرنامج النووي الإيراني بالكامل أمام عمليات تفتيش دولية غير مقيدة من أجل إزالة أي مخاوف من برنامج التسلح الإيراني.

خامساً: لا مانع لدى إيران من التوقيع على البروتوكول الإضافي بمعاهدة عدم الانتشار NPT وأن إيران مستعدة للمشاركة الكثيفة في البرنامج كضمانة إضافية في موضوع الإرهاب.

سادساً: تتعاون إيران بصورة كاملة لمواجهة كافة المنظمات الإرهابية وأهمها القاعدة.

سابعاً: اعتراف إيران رسمياً بالحل القائم على دولتين: فلسطينية وإسرائيلية.

ثامناً: عمل إيران بنشاط مع الولايات المتحدة على دعم الاستقرار السياسي وإقامة مؤسسات ديمقراطية وتشكيل حكومة غير دينية في العراق.

مقابل ذلك، تطلب إيران من الولايات المتحدة وإسرائيل أن تعترف بشرعية النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، والنفوذ يعني ممارسة كل أشكال السياسات التي تحقق أهداف إيران في المنطقة – وفق قاعدة التوافق مع الولايات المتحدة.. ولكن عندما عرضت إيران المقترح على الولايات المتحدة أدركت الأخيرة أن إيران متهافتة على التفاهم وبسرعة فتثاقلت إدارة بوش الابن على قبولها، خاصة بند الاعتراف بشرعية النفوذ الإيراني، لما يترتب عليه من التزامات أمريكية تجاه إيران، لكن “الصفقة الشاملة” كشفت إيران وأصبح الأمريكان يتعاملون معها على ضوء ما كشفته.

وثمة مسألة تشغلني في موضوع الخديعة الإيرانية بين الاستراتيجيا والايديولوجيا، وهي التشابه بين التجربة الإيرانية والتجربة الإسرائيلية، فالتجربة الأخيرة تزعم أنها تريد تحقيق وطن قومي لليهود وأن إسرائيل (دولة يهودية) بينما الجيل المؤسس لإسرائيل معظمهم من (الملحدين)، الذين لا يؤمنون بأي دين ولا حتى بذات الجلالة سبحانه وتعالى، ومن يخالط عدداً كبيراً من أعضاء البرلمان الإيراني (مجلس الشورى) ويلتقي أعداداً أخرى من المسؤولين الإيرانيين، لا يلاحظ نزعة التدين لديهم أو الإشادة أو التأكيد على المرجعية الدينية الشيعية أو غيرها، بل يلاحظ خاصة في وزارة الخارجية الإيرانية والإعلام والتربية والتعليم لغة استخفاف بالمتدينين والمرجعية الدينية. لذلك أخلص بالقول إن (اليهودية) في إسرائيل هي أداة تجييش وحشد ليهود العالم لمساندة إسرائيل كما (الشيعية) أداة حشد وتجييش واستدعاء سياسي لمؤازرة إيران من كل شيعة العالم، دون أن يعني ذلك التزام كل مستويات القيادة في إيران بالتشيع كإيديولوجيا تم توظيفها لخدمة الاستراتيجيا.

 

 

نافذتان

 

ألم يكن من الأحوط أن تختار الطائفة موقفاً متحفظاً إزاء هذا التدخل المباشر في سورية حماية لمستقبل علاقاتها مع محيط الأغلبية السُّنيّة بالمنطقة؟

 

نفوذ إيران في سورية عميق للغاية فـ”جمعية آل البيت” بها كان يرأسها السفير الإيراني في دمشق، وهذه الجمعية تتبع للمرشد في طهران مباشرة.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى