
الأخبار
لم تمض سوى سنتين على تعيين محمد الصغير جنجار في منصب رئيس اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة مناهج وبرامج وتكوينات مختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والتي يؤطر عملها المرسوم رقم 2.20.473 الصادر بتاريخ 8 شتنبر 2021، حتى فاجأ المعني بالأمر، الوسط التربوي ومعه عموم المهتمين بقطاع التربية والتعليم، إضافة إلى المسؤولين بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بتقديم استقالته من المنصب الذي يسيل له لعاب الكثير من المسؤولين، سيما أن محمد الصغير جنجار يعتبر عضوا مقيما بأكاديمية المملكة المغربية، وعضوا ضمن تشكيلة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وشغل أيضا منصب نائب المدير العام لمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، مثلما كان عضوا بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، فضلا عن كونه من كبار السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين المغاربة، الذين اشتغلوا على قضايا التربية والتعليم والتحولات السوسيو- ثقافية، المرتبط بالمجتمع المغربي المعاصر، وهو حاصل على دكتوراه السلك الثالث من جامعة السوربون بباريس، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية.
خلفيات استقالة جنجار
إحداث لجنة دائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج، بموجب المرسوم رقم 2.20.473 الصادر بتاريخ 8 شتنبر 2021، كان بغرض العناية المستمرة ببرامج وتكوينات مختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتجديد مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتحيين البرامج بهدف جعلها تلائم التطورات البيداغوجية الحديثة، وتطوير وسائط العملية التعليمية، ومراجعة نظام التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي، وإصلاح نظام التقييم والامتحانات، وفق ما نصت عليه المادتان 28 و29 من القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، على تمكين خبراء مشهود لهم بالخبرة والكفاءة والتجربة في مختلف المجالات، من عضوية اللجنة الدائمة، والذين يتم تعيينهم من لدن السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، مع مراعاة مبدأ المناصفة، فضلا عن عضوية ممثلي السلطات العمومية المكلفة بقطاعات حقوق الإنسان والأوقاف والشؤون الإسلامية والتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي والثقافة والشباب والتضامن والمساواة والأسرة والرياضة والتنمية الاجتماعية، وكذا ضمان تمثيلية مجموعة من المؤسسات والهيئات الدستورية والاستشارية، مع إحداث خمس مجموعات عمل يتوزع عملها بحسب مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، على أساس صياغة تقرير سنوي يتضمن منجزات اللجنة المذكورة.
واعتبرت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في بلاغ سابق، لحظة تعيين محمد الصغير جنجار رئيسا للجنة الدائمة لتجديد وملاءمة البرامج والمناهج، أن الإرساء المؤسساتي لهذه اللجنة يأتي من أجل مواكبة الأوراش الإصلاحية، في الشق المتعلق بتحسين التعلمات والحد من الهدر المدرسي، وتعزيز تفتح التلميذات والتلاميذ، غير أن هذه الاستقالة أثارت الكثير من التساؤلات، خاصة من حيث الجانب البيداغوجي، حيث، على الرغم من مرور سنتين، لم تتضح أدوار ومهام اللجنة المذكورة على أرض الواقع، وساد، طيلة الفترة الماضية، الصمت حول المراجعة والتجديد والملاءمة الدائمة للكتب المدرسية ومختلف المعينات التربوية، ناهيك عن كون المدرسة المغربية ظلت تعيش على وقع «الارتباك» في ما يخص المقاربات البيداغوجية، سيما ما تعلق بجودة البرامج والمناهج والتكوينات، وإدراج الأنشطة الثقافية والرياضية والإبداعية، وتدبير الزمن المدرسي والإيقاعات المدرسية.
وربطت مصادر «الأخبار» بين استقالة رئيس اللجنة والتأخر المسجل في القيام بالأدوار المنوطة بها، لكون مدة انتدابها، المحددة في أربع سنوات، مرت منها سنتان، ما يعني نصف الولاية، ولم تستطع اللجنة المذكورة صياغة إطار عملي واضح يحدد الاختصاصات والمسؤوليات، ما جعل رئيس اللجنة محمد الصغير جنجار يتخوف من تحمل تبعات الفشل المسجل على مستوى اشتغال اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج، والارتباك الذي تعرفه البرامج والمناهج والكتب والمقررات المدرسية، والذي جعل المسؤولين يعمدون إلى سلك سياسة ترقيعية باعتماد برامج ومناهج «منقحة» لأسلاك ومستويات معينة، أو بالتدخل عبر التقليص أو الزيادة في بعض البرامج والكتب المقررة ببعض الأسلاك التعليمية الأخرى لتجاوز الاختلالات المسجلة.
الاستعجال سبب الفشل في الإصلاح
في حديث له مع «الأخبار»، أكد رشيد شاكري، باحث تربوي، أنه بينما كان يُفترض في الإصلاح التربوي أن يكون مسارًا تراكميًا، مؤسسًا على رؤية واضحة واستقرار في الاختيارات، بات يُدار في كثير من محطاته بمنطق الاستعجال، وكأنه استجابة ظرفية لضغط المؤشرات، لا مشروعًا مجتمعيًا طويل النفس. وفي هذا السياق أعادت استقالة رئيس اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول موقع المنهاج في التصور الإصلاحي، وحول مكانة المؤسسات المكلفة قانونًا بتخطيطه وتقويمه. فالسؤال لم يعد ينحصر حول كيفية تجديد المنهاج، بل الذي أصبح أكثر إلحاحًا هو هل يُنظر إلى المنهاج أصلًا باعتباره مرجعية مركزية للإصلاح؟ والدليل الأبرز بشأن هذا الالتباس هو المصير الذي آلت إليه وثيقة المنهاج الدراسي للتعليم الابتدائي الصادرة في يوليوز 2021، والتي جرى تجاوزها عمليًا دون أن يُفتح المجال لتنزيلها، أو حتى توفير الشروط المؤسسية والبيداغوجية الكفيلة بتفعيلها، وبالتالي فإن الانتقال السريع من إطار مرجعي إلى آخر، دون تقييم علمي شفاف لما سبقه، يُضعف الثقة في الاختيارات التربوية ويُكرّس حالة من الارتباك داخل المنظومة. وطبعا، فإن تداعيات هذا التعامل مع المنهاج لا تتوقف عند مستوى التخطيط، بل تمتد لتطول سياسة الكتاب المدرسي نفسها.
وأشار الباحث التربوي شاكري إلى أن الانتقال من تعددية الكتب إلى خيار الكتاب الوحيد، ثم عودة الوزارة إلى تأليف الكراسات والكتب المدرسية (ولو بمبرر التجريب)، يتم في غياب أطر مرجعية واضحة ومعلنة تُخضع هذه المنتجات لمساءلة علمية دقيقة، وهو ما يفتح باب التساؤل حول مدى جودة هذه الموارد من حيث البناء البيداغوجي، والمضمون المعرفي والجودة التقنية، كما يثير أسئلة حول المعايير المعتمدة في إنتاجها واعتمادها، فضلا عن كون غياب الإطار المرجعي لا يطرح فقط إشكال الجودة، بل يُعمّق الشعور بعدم الاستقرار، ويجعل الفاعلين الميدانيين أمام اختيارات متغيرة يصعب استيعاب منطقها أو تقييم أثرها التربوي.
وأشار شاكري إلى إشكال آخر لا يقل أهمية، يتمثل في غياب هندسة بيداغوجية واضحة للزمن المدرسي، وغياب تصور شمولي يحدد وظائف هذا الزمن وتوازناته داخل المنهاج، وأنه في ظل هذا الفراغ، تُتَّخذ قرارات إعادة تنظيم المواد والحصص من منظور تقني جزئي، دون استحضار الأثر الكلي لهذه القرارات على البنية العامة للتعلمات، ما يترتب عنه تمدد زمن مواد معينة على حساب مواد أخرى لا تقل قيمة تربوية وتعليمية، مشيرا إلى أن التعامل مع الزمن المدرسي بوصفه موردًا تقنيًا قابلًا لإعادة التوزيع، بدل اعتباره عنصرًا بنيويًا في بناء التعلمات، يهدد توازن المنهاج ويُنتج اختلالات يصعب تدارك آثارها على المديين المتوسط والبعيد.
مقاربات مستوردة وتغييب الخبرات الوطنية
الاختلال المسجل يتعزز أكثر، حسب الباحث التربوي المذكور، مع ضعف الاستفادة من الخبرات الوطنية المنتمية إلى القطاع التربوي، والتي راكمت معرفة ميدانية ومؤسساتية دقيقة بتعقيدات المدرسة العمومية، وبشروط الإصلاح الممكنة داخل السياق المغربي، إذ بدل تمكين هذه الكفاءات من لعب دور قيادي في التفكير في الإصلاح وتنزيله، يُلاحظ في كثير من الأحيان اللجوء إلى «كفاءات خارجية» أو «مقاربات مستوردة»، تجد صعوبة في فك شفرة الواقع المدرسي المغربي، أو تصطدم بحدود الإصلاح المنشود حين تواجه تعقيداته الاجتماعية والتنظيمية والثقافية، مؤكدا، في السياق ذاته، أن تغييب الخبرة الوطنية لا يحرم الإصلاح فقط من معرفة متجذرة في الواقع، بل يُضعف أيضًا شرط التملك الجماعي للإصلاح، ويُحوّله إلى مشروع يُدار من خارج الفاعلين الحقيقيين، بدل أن يُبنى معهم ومن داخل المنظومة نفسها.
وبحسب شاكري، فإن الوضع ازداد تعقيدًا مع بروز نمط جديد في تدبير التوجيهات التربوية، يتمثل في اعتماد قنوات تواصل غير رسمية، وعلى رأسها رسائل تطبيقات التراسل الفوري، كوسيلة أساسية للتوجيه بين المركز والمؤسسات التعليمية، حيث أصبحت «التوجيهات الواتسابية» تحل، في كثير من الأحيان، محل المذكرات والقرارات الإدارية المؤطرة قانونيًا، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى قانونية هذه التوجيهات، وحجيتها الإدارية والبيداغوجية وحدود إلزاميتها، معتبرا أن هذا النمط من التدبير لا يمس فقط شكل التواصل، بل يمس جوهر الحكامة التربوية، إذ يُفرغ القرار من شروط التوثيق، والتعليل والتدرج الإداري، ويجعل الفاعلين الميدانيين أمام تعليمات يصعب التحقق من مرجعيتها أو مساءلة مصدرها، كما يفتح الباب أمام تعدد التأويلات وتفاوت التطبيق.
وأشاد الباحث التربوي بالمجهودات المبذولة في تنزيل عدد من مشاريع الإصلاح، وما تتطلبه من تعبئة بشرية وتنظيمية، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ الميداني، غير أنه أوضح بأن الإصلاح البيداغوجي يظل أسمى هذه الأوراش وأكثرها حساسية، لأنه يمس جوهر المدرسة ووظيفتها التربوية، ولا يمكن التعامل معه بمنطق تقني أو تدبيري ضيق، أو اختزاله في إجراءات معزولة عن رؤية شمولية، فالإصلاح البيداغوجي الحقيقي، بحسب وجهة نظر الباحث رشيد شاكري، يتطلب تصورًا متكاملًا ينسق بين المنهاج، والكتب المدرسية، والزمن المدرسي، وآليات التقويم، وقنوات القرار، في إطار يحترم اختصاصات المؤسسات القائمة، ويُعيد الاعتبار للأدوار المنوطة بها قانونيًا، كما يقتضي استثمارًا واعيًا للكفاءات الوطنية التي راكمت خبرة ميدانية ومعرفية داخل المنظومة، وتمكينها من المساهمة الفعلية في قيادة الإصلاح، لا الاكتفاء بدور تنفيذي محدود.
ودعا المتحدث ذاته إلى ضرورة تجاوز منطق الحلول التقنية المتفرقة، والانتقال إلى ثقافة الإصلاح المؤسَّس، الكفيلان بمنح هذا الورش الاستراتيجي ما يستحقه من زمن، واستقرار وتملك جماعي، فحينها فقط يمكن للإصلاح البيداغوجي أن يتحول من سلسلة تدخلات متعاقبة إلى مشروع وطني متماسك، يعزز الثقة في المدرسة العمومية، ويضمن استدامة التغيير ويصون معناها التربوي العميق.





