
خلال كأس أمم إفريقيا لكرة القدم المقامة حاليا في المغرب، لم تعد المنافسة تقتصر على المنتخبات المشاركة، بل امتدت إلى الساحة الرقمية والإعلامية، في الوقت الذي كان المؤثرون، منهم المحليون والأجانب، المفترض فيهم حمل صورة البطولة إلى العالم عبر المنصات العالمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وتعريف العالم بالمغرب كبلد مضياف ووجهة سياحية، وتعزيز صورة كأس أمم إفريقيا الحديثة، لم يتمكن أغلب المؤثرين من تحقيق أهدافهم وفشلوا بشكل ذريع في اختبار «الكان»، ما طرح أكثر من تساؤل بشأن ماذا استفاد «كان المغرب» من هؤلاء المؤثرين؟
سقوط مُدَوٍّ للمؤثرين المغاربة في «الكان»
كان من المفترض أن تشكل كأس أمم إفريقيا لكرة القدم المقامة بالمغرب لحظة ذهبية للمؤثرين المغاربة، ليس فقط لإبراز قدراتهم الرقمية، بل أيضا لتقديم صورة حديثة، جذابة، ومتعددة الأبعاد عن بلدهم أمام جمهور إفريقي وعالمي واسع. غير أن الحصيلة جاءت مخيبة للآمال، بل إن كثيرا من المتابعين اعتبروا ما حدث فشلا جماعيا للمؤثرين المغاربة في مواكبة حدث يفوقهم حجما ورؤية.
ورغم الحضور الكثيف للمؤثرين المغاربة داخل الملاعب، في محيطها، وفي المدن المستضيفة، إلا أن هذا الحضور ظل في أغلبه شكليا بلا تأثير حقيقي. غابت السرديات القوية، وغابت القصص الإنسانية، وغاب الحس الإبداعي الذي يحول الحدث الرياضي إلى مادة جذابة وقابلة للتداول خارج حدود اللحظة.
فمعظم المحتوى اقتصر على فيديوهات قصيرة متشابهة ولقطات «سيلفي» من المدرجات، وترديد شعارات جماهيرية دون سياق، ومحتوى استهلاكي سريع لا يحمل أي قيمة توثيقية أو ترويجية، وتم وصف الأمر بأنه «ضجيج رقمي بلا مضمون».
وأحد أبرز أسباب هذا الفشل هو ارتهان المؤثر المغربي لمنطق «الترند»، بدل التفكير في تقديم محتوى مختلف يليق بحجم الحدث، اختار كثيرون الطريق الأسهل تقليد بعضهم البعض، إعادة نفس الزوايا، ونفس النكت، ونفس ردود الأفعال المفتعلة.
لم نشاهد أي قصص لمشجعين أفارقة، أو تفاعلات ثقافية حقيقية، أو تقديم المدن المغربية من زوايا جديدة، أو شرح بسيط لمعاني الطقوس الجماهيرية، أو خصوصية الكرة الإفريقية، بينما كان المؤثر الأجنبي، رغم قلة نجاحه، يحاول على الأقل الاكتشاف والتجريب، اكتفى المؤثر المغربي بالتكرار والاجترار.
أغلب المؤثرين اكتفوا بتغطية المباريات فقط، دون أي سياق ثقافي أو إنساني. هذا النمط السطحي جعل محتواهم محدود القيمة، حتى بالنسبة إلى جمهورهم، إذ لم يشعر المشاهد بأي ارتباط بالحدث.
عندما يتجاوز المحتوى الخطوط الحمراء
الإشكال لم يكن فقط في ضعف المحتوى، بل في غياب الوعي بأن المؤثر خلال حدث قاري، يتحول إلى واجهة غير رسمية للبلد المضيف. بعض صناع المحتوى تعاملوا مع البطولة كأنها مساحة مفتوحة للمزاح غير المنضبط، أو للاستفزاز، أو لصناعة «الضجة» بأي ثمن، دون إدراك أن ما يُنشر لا يبقى حبيس الهاتف، بل ينتقل إلى ملايين الشاشات خارج الحدود.
من بين أكثر القضايا التي أثارت نقاشا حادا خلال البطولة، ما راج بخصوص المؤثر الجزائري بلقاسمي، الذي نشر مقطع فيديو على حساباته يتحدث فيه، وفق ما تم تداوله، عن قيامه بسلوك غير لائق داخل مدرجات ملعب مولاي الحسن بالرباط، خلال المباراة التي جمعت المنتخب الجزائري بنظيره الكونغولي الديمقراطي، لحساب ثمن نهائي كأس أمم إفريقيا لكرة القدم.
الفيديو، الذي انتشر بسرعة، أثار استياء واسعا على مواقع التواصل، واعتبره كثيرون مسيئا للفضاء الرياضي ولصورة الملاعب المغربية. وعلى إثر ذلك، تدخلت السلطات المختصة، وتم إيقاف المعني بالأمر للتحقيق في ملابسات الواقعة، بحسب ما تداولته مصادر متطابقة.
بعيدا عن إصدار الأحكام، تكشف هذه الحادثة جانبا خطيرا من أزمة «التأثير بلا مسؤولية»، حيث يتحول البحث عن المشاهدات إلى سلوك مستفز يتجاوز الأعراف والقوانين، ويضع الحدث الرياضي في موقع دفاع بدل الاحتفاء.
الأصل في حضور المؤثرين، خصوصا الأجانب، هو الترويج للمغرب كبلد منفتح وآمن، وللبطولة كعرس كروي إفريقي. غير أن بعض التصرفات والمحتويات، سواء عن قصد أو عن تهور، أنتجت العكس تماما، تشويش إعلامي، نقاشات جانبية، وصورة مشوشة عن التنظيم والفضاءات الرياضية.
واللافت أن هذا النوع من المحتوى، رغم ضجيجه، لا يخدم حتى أصحابه على المدى المتوسط، إذ سرعان ما ينقلب التفاعل إلى انتقاد، وتتحول الشهرة المؤقتة إلى وصمة رقمية يصعب محوها.
مؤثرون قلائل فقط أبدعوا
بين عشرات المؤثرين الذين حلوا في المغرب، برز عدد قليل استطاعوا تقديم محتوى يجمع بين الرياضة، الثقافة، والسياحة. هؤلاء لم يكتفوا بنقل المباريات، بل أعطوا للبطولة بعدا إنسانيا وحضاريا.
أبرز هؤلاء المؤثرين اعتمدوا على مزيج من المحتوى البصري والتفاعلي. ولم يقتصر خروجهم فقط في شوارع المدن المستضيفة لـ«الكان»، على زيارة المعالم السياحية، ولقاء الجمهور، بل منهم من حرص على التعريف بالثقافة المغربية التقليدية والمعاصرة. لم تكن كاميراتهم تلتقط اللاعبين فقط، بل تروي تجربة المشجعين، أصوات الأطفال، ومنهم من اختار الذهاب إلى المناطق النائية، من أجل رصد لحظات الفرح الجماعي.
من الناحية التقنية، اعتمد هؤلاء على Reels وShort Videos، مع تحرير سريع ومؤثرات بصرية مبتكرة، تجعل المشاهد يعيش الحدث، كما لو كان حاضرا في قلب الملاعب. مثال على ذلك، المؤثر النيجيري@ultimatekombo2 ، الذي دمج بين المشاهد الرياضية واللقطات اليومية في الرباط وفاس، ومنهم المؤثر السعودي خالد العريان الذي ركز على تجربة المدن الثقافية والتفاعل مع الجماهير المحلية، واختار توزيع جوائز على متابعيه، ورصد عدد من مدن المملكة.
وكانت هناك ميزة لدى هؤلاء المؤثرين، هي قدرتهم على خلق حوار مباشر مع الجمهور. من خلال التعليقات والبث المباشر، كان المتابعون يشعرون بأنهم جزء من الحدث، سواء كانوا في إفريقيا، أو في أي قارة أخرى. هذا النوع من التفاعل منح بطولة أمم إفريقيا لكرة القدم بعدا إنسانيا حقيقيا، بعيدا عن مجرد عرض النتائج أو لقطات المباريات.
الشهرة وحدها غير كافية
ليست الشهرة وحدها كافية لتغطية حدث ضخم مثل كأس أمم إفريقيا، بل الإبداع، التحضير، الاحترام، والمعرفة بالسياق المحلي هي مفتاح النجاح، والذي يحتاج إلى محتوى متنوع، تفاعل حقيقي، وفهم عميق للثقافة.
الفشل غالبا يأتي من التركيز على الذات، السطحية، أو سوء التخطيط.
ما حدث في كأس أمم إفريقيا سيدفع بالكثير من المؤسسات إلى إعادة ترتيب أوراقها، إذا أرادت الاستفادة من الإعلام الرقمي في المستقبل، يجب أن يتم اختيار المؤثرين بعناية، تقديم برامج تعريفية، وتدريب على الثقافة المحلية، لضمان أن تكون البطولة واجهة مشرفة وناجحة للمغرب.
كأس أمم إفريقيا بالمغرب كانت اختبارا قاسيا، لكنه ضروري. فقد كشفت أن التأثير الرقمي مسؤولية، قبل أن يكون امتيازا، وأن المحتوى غير الواعي قد يسيء أكثر مما يروّج، وأن غياب التأطير والتكوين يترك المجال مفتوحا للأخطاء والانزلاقات، وأن الحاجة باتت ملحة إلى إعادة التفكير في من يستحق صفة «مؤثر» خلال الأحداث الكبرى، وبأي معايير.





