
يونس جنوحي
لم يتوقع الذين كانوا ينتظرون أن يصدر مولاي المهدي العلوي مذكراته، في السنوات الأخيرة من حياته، أن تكون صراحته بهذا القدر من الوضوح، ومُزعجة للذين ارتبطوا باسم المحجوب بن الصديق.
فمولاي المهدي العلوي لم يكتف بكشف كواليس أول مؤتمر نقابي في تاريخ المغرب المستقل، وكيف قلب المحجوب بن الصديق النتيجة لصالحه ونصّب نفسه زعيما للنقابة رغم أن المؤتمر أفرز اسما آخر هو «الطيب بن بوعزة»، الذي يستحق فعلا لقب «الزعيم النقابي المنسي»، والذي جرى الانقلاب عليه.
من سنة 1956 إلى سنة 1961 (العام الذي توفي فيه الملك الراحل محمد الخامس ودخل المغرب عهد الملك الراحل الحسن الثاني)، عرفت الحركة النقابية الكثير من التحولات.. ومع اقتراب انتخابات 1962 الشهيرة، أول استحقاق في عهد المغرب المستقل وفترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، ازداد الوضع تعقيدا.
كانت النقابة -الاتحاد المغربي للشغل- في قلب التحولات السياسية التي عرفها المغرب في تلك السنة. وما زاد من غليان الوضع، عودة المهدي بن بركة من منفاه في باريس. يحكي مولاي المهدي العلوي عن هذه التحولات قائلا:
«في خضم التحضير للاستفتاء على الدستور والانتخابات التشريعية، وجدتُ نفسي منخرطا في الأنشطة السياسية التي نظمها الحزب، إلى جائب عدد من زملائي في قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وقد تزامن ذلك مع تحضيرات الحزب للمؤتمر الوطني الثاني، الذي ساهمتُ بنصيب في إعداده رفقة الفقيه محمد البصري، الذي جمعتني به تجربة الإعداد للمؤتمر، وما رافقها من أنشطة وتنقلات جعلتني أقترب أكثر من معرفة هذه الشخصية البارزة في صفوف الحزب.
والجدير بالذكر أنه رغم الشرخ التنظيمي الذي غذته تصرفات المحجوب بن الصديق، فقد حاول الاتحاديون، مع ذلك، إيجاد سبيل نحو التوافق مع الجناح النقابي من أجل أن ينعقد المؤتمر الثاني في أجواء سليمة، وقد اقتضى منهم الأمر اعتماد الثنائية والمناصفة في توزيع المقاعد والمناصب، مقابل سماح النقابة بتحزيب عمالها، والتغاضي عن مشاركة عمر بن جلون في المؤتمر، الذي سيعرف لأول مرة تداول ما يسمى بـ«النقد الذاتي» أو «الاختيار الثوري» للمهدي بن بركة، وسيوزع بشكل قبلي على محمد عابد الجابري، وعبد اللّٰه العروي والتهامي الأزموري، لإبداء الرأي والملاحظات عليه.
ولما استقر رأي القيادة على عقد المؤتمر أيام 25 و26 و27 ماي 1962، قرر المهدي بن بركة العودة من منفاه الاضطراري بفرنسا قبل الموعد بعشرة أيام، وذلك بعد أن غادرها في يناير 1960. وقد كتبت جريدة «التحرير»، لسان حال الاتحاد الوطني للقوات الشّعبية، في أعلى الصّفحة الأولى وداخل إطار امتد على ثلاثة أعمدة: «سيصلُ الأستاذ المهدي بنبركة، عضو الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى مطار سلا صباح يوم الثلاثاء القادم على الساعة الثامنة آتياً من سويسرا عن طريق الجو» .
كانت تلك العودة بذلك العنوان العريض تعني مشاركة المهدي بنبركة لرفاقه في التحضير لهذه المحطة الهامة التي اعتبرها الاتحاديون مناسبة مهمة لإعطاء انطلاقة جديدة للحزب الفتي، فكنتُ ضمن مستقبليه في المطار وسط حشود غفيرة لتحية القائد الاتحادي
الفذ.
كانت عودة المهدي أمرا وارداً منذ أن غادر المغرب في يناير 1960، ولكن كلما امتدت إقامته في الخارج كان قرار عودته يزداد صعوبة بالنظر إلى تطور الأوضاع الداخلية بالمغرب، وهي أوضاع لم تكن تسير في اتجاه الانفراج بعد التوتر الذي عرفته الحالة السياسية بالمغرب سنة 1959.
فعلى إثر وفاة محمد الخامس، تراءت لقادة الاتحاد إمكانية عودة بن بركة، وخاصة بعد مبادرته المتمثلة في برقية التعزية التي وجهها إلى الحسن الثاني، وتهنئته على تولي العرش.
غير أن قرار العودة بقي موكولاً إلى المهدي بن بركة لأن رفاقه في القيادة كانوا يقدرون جسامة «المنعطف»، ويعتبرون أن عودته إلى أرض الوطن تتطلّب ما يكفي من التّروي.
فلم تكن الظّروف السّياسية مواتية لضمان عودة مُعارضٍ شرس انتقلَ نضاله ضدّ الاستبداد والديكتاتورية من المغرب إلى ردهات مؤتمرات باريس وسويسرا والقاهرة. فتجربة اعتقال محمد البصري وعبد الرحمن اليوسفي، باعتبار الأول مدير جريدة ((التحرير)) والثاني رئيس قلم تحريرها، بتهمة القذف في المقدسات ومحاولة اغتيال ولي العهد الحسن الثّاني، كانت مازالت حاضرةً في الأذهان».





