
المكان: دروك ستور في باريس. الزمان 15 شتنبر 1974. كانت شابة بعمر الـ17 ربيعا، تتمشى مع والديها. أسرة سعيدة فوق الرصيف حيث يتقاطع المشاة مع الجالسين فوق كراسي المقاهي التي تؤثث المشهد. إلى أن ظهر «رجل مجهول» وألقى قنبلة يدوية على مجموعة من الجالسين. سقط قتلى على الفور، بينهم والدا الشابة التي لم يكن اسمها سوى «إيزابيل كرانبيغ» التي سوف يعرفها الفرنسيون لاحقا سنة 2017 عندما تقدمت في قضيتها ضد «كارلوس» الذي أثبتت التحقيقات، وباعترافاته، أنه وراء العملية.
«إيزابيل» الشجاعة
في منتصف مارس 2017، أثنى الفرنسيون على هذه السيدة التي كانت في بداية عقدها السادس بالضبط. فقد حضرت إلى المحكمة لكي تقابل «كارلوس»، قاتل أبيها وأمها، وجها لوجه. لم تتحاش عدسات المصورين الذين حجوا إلى محيط المحكمة لكي يوثقوا اللحظة التاريخية. كانت واثقة وكأنها تُعد العدة لذلك اليوم منذ 43 سنة. لم يبد عليها التردد، حتى أنها كانت تبتسم لمحاميها وبعض رجال القانون الذين كانوا يتجهزون للدخول إلى القاعة.
كان أبرز ما صرحت به «إيزابيل» للتلفزيون الفرنسي في ذلك اليوم قبل دخولها للقاعة: «لم يعد لدينا ما ننتظر من أجله. ولدي رغبة في أن تستمر الإجراءات إلى الأمام. أعتقد أنه الآن رجل طاعن في السن. انتظرنا 23 سنة لكي يتم اعتقاله. وناضلنا لكي يُنقل ويحاكم. والآن، نضع نقطة نهاية لأمور كثيرة».

بوتفليقة في الصورة
بث التلفزيون الفرنسي هذا الربورتاج المفعم بالذكريات والأحاسيس، ووظفت فيه صور من أرشيف فرنسا الرسمي لمكان العملية حيث تظهر الدماء فوق الرصيف والكراسي المتناثرة التي أرخت لآخر دردشات الأبرياء الذين فقدوا حياتهم في ذلك اليوم. ومباشرة بعد مداخلة السيدة «إيزابيل»، انتقل الصحافي الذي أعد التقرير إلى عرض فيديو من الأرشيف، يظهر فيه عبد العزيز بوتفليقة الشاب، أيام كان وزيرا للخارجية في دولة الهواري بومدين، وهو يرافق فوق أرضية المطار شابا ينضح طاقة وحيوية ويمشط شعره على طريقة الثوار، واضعا فوقه قبعة تشبه كثيرا قبعة «تشي غيفارا»، حتى أنه لم يكن ينقصه سوى «السيجار» الكوبي. كان يلتفت ذات اليمين وذات اليسار.
لم يكن هذا الشاب سوى «كارلوس». بدا الاثنان في الشريط وكأنهما صديقان قديمان. وقد كانا كذلك بالفعل. الفيديو يعود إلى منتصف السبعينيات، وقد صُور فوق التراب الجزائري. فالعلاقة بين الرجلين كانت تعود إلى بداية السبعينيات حيث تعارفا في فرنسا والتقيا في دول عربية من بينها سوريا، حيث حلا ضيفين على النظام السوري أيام حافظ الأسد.
كانت المخابرات الأمريكية والفرنسية والروسية، تعلم جميعا أن «القضية الفلسطينية» كانت مجرد داع لعقد اللقاءات بين عدد من الأشخاص الذين يرتبطون بـ«كارلوس» بطريقة أو بأخرى. فقد كان يتم التخطيط لاغتيال شخصيات لم تكن لها أية علاقة بالقضية، وإنما كانوا أعداء أو معارضين لأنظمة عربية على الخصوص.
كان الهدف من التقرير الذي بثه التلفزيون الفرنسي، وأعاده مرات كثيرة في ذلك اليوم، تأليب الرأي العام الفرنسي ضد عبد العزيز بوتفليقة الذي كان وقتها، أي منتصف مارس 2017، لا يزال رئيسا للجمهورية الجزائرية.
وجوه كثيرة ظهرت في الشريط التوثيقي بالأبيض والأسود، إلى جانب عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يرتدي لباسا رسميا، رغم أن المهمة كانت غير رسمية بطبيعة الحال، وأحاط نفسه بأمنيين كثر، كان واضحا أنهم كذلك من منظر المعاطف الثقيلة والنظرات التي يوزعونها في كل اتجاه.
في الحقيقة لم يبد الارتياح على أي أحد في الشريط، سوى على وجه «كارلوس».
لم تكن هذه إلا بداية الإحراج الذي سوف يحس به محيط الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعد إظهار الشريط الذي صُور بعد تلك الأحداث الدامية. فقد ظهرت قصة أخرى لمسدس أهداه «كارلوس» لبوتفليقة في دمشق، تأكد أنه المسدس الشخصي لكارلوس.





