
تطوان: حسن الخضراوي
بعد تحسن أحوال الطقس نسبيا، ومرور العديد من العواصف التي ضربت المناطق القروية بشفشاون وتطوان والمضيق والعرائش والقصر الكبير والحسيمة ووزان، ظهر حجم الدمار الذي يهم البنيات التحتية والطرق والمسالك القروية، وانهيار عشرات المنازل وتشقق أخرى، فضلا عن نفوق عدد من المواشي وصعوبة رعاية من كتب لها النجاة والاهتمام بها.
وفي كل الأزمات يظهر تجار المآسي وأصحاب استغلال الفرص على حساب جراح الناس ومعاناتهم، حيث تحركت مصالح وزارة الداخلية بشفشاون لمنع ركوب معاناة السكان بالعالم القروي، وتنظيم المساعدات التي تقدمها بعض الفعاليات الجمعوية، فضلا عن ضمان استمرار التموين وعدم التلاعب بالأسعار من قبل جهات حاولت استغلال العزلة وشلل حركة السير نتيجة نشرات الطقس الإنذارية والرياح المصحوبة بأمطار قوية والسيول.
واستنجد رؤساء الجماعات الترابية المتضررة من الفيضانات بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، بالعديد من القطاعات الوزارية المعنية، من قبيل وزارة التجهيز والماء، ووزارة الفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري والمياه والغابات ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، من أجل ضخ ميزانيات استثنائية لمعالجة تبعات الفيضانات، والتنسيق مع مجلس جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، والمجالس الإقليمية والعمالات لتسريع مشاريع فك العزلة ودعم المتضررين وفق المساطر القانونية التي تنظم المجال.
وضاعف ارتفاع مؤشر الفقر والهشاشة بالمناطق القروية المتضررة من الفيضانات بالشمال، من معاناة السكان وفقدان البعض مورد الرزق البسيط بالاعتماد على أنشطة فلاحية محدودة، فضلا عن فقدان محاصيل زراعية ونفوق عدد من المواشي رغم قلتها، إلى جانب فقدان المدخرات من المواد الغذائية الأساسية والمنتوجات الفلاحية المحلية.
وتواصل لجان اليقظة العمل على تنفيذ أشغال فك العزلة، بتنسيق مع كافة الجهات المعنية، فيما تستمر عملية إيواء المتضررين تحت إشراف وزارة الداخلية، في انتظار إحصاء شامل للدمار الذي خلفته الفيضانات وبحث التعويضات الممكنة، والمعايير التي سيتم اعتمادها حسب حجم الضرر، ومراعاة الأولويات ودعم الفئات الهشة والفقيرة.
تجار المآسي
بمجرد ما علم تجار المآسي والأزمات بالفيضانات التي وقعت بالعديد من القرى بإقليم شفشاون، والصعوبات التي واجهها السكان في الاحتفاظ بمواشيهم، حتى تحركت الهواتف وتم الشروع في مساومتهم لبيعها بأبخس الأثمان، واستغلال الفرصة لنقلها خارج الإقليم وإعادة بيعها أو انتظار مناسبة عيد الأضحى لبيعها بأثمان مضاعفة.
وحسب مصادر «الأخبار»، تم إخبار السلطات المختصة بشفشاون ومدها بكافة المعلومات لتضيق بعدها الخناق على محاولات هؤلاء «الشناقة»، وتعمل على توفير مأوى خاص بالأغنام والأبقار، بتنسيق مع مصالح وزارة الفلاحة والتنمية القروية والصيد البحري والمياه والغابات، فضلا عن توفير الأعلاف وكافة الظروف المناسبة، في انتظار تحسن أحوال الطقس بشكل يسمح بعودة الأنشطة الفلاحية والرعي بالمناطق الجبلية.
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن العديد من مسيري الصفحات بالمنصات الاجتماعية وبعض الفعاليات الجمعوية بالشمال طرحوا مساعدة المتضررين من الفيضانات بجهة الشمال، وإطلاق مبادرات لجمع التبرعات، لكن مصالح وزارة الداخلية حذرت من أي استغلال أو ركوب للموجة قصد تحقيق منفعة شخصية، وأكدت على إلزامية التنسيق مع السلطات الإقليمية المعنية وإشعار السلطات المحلية التي تعرف كل المعلومات الميدانية واحترام قانون تقديم المساعدات أو جمع التبرعات سواء المالية أو العينية.
وفي السياق ذاته، المتعلق بمحاربة تجار الأزمات والفيضانات التي ضربت إقليم وزان، تحركت مصالح وزارة الداخلية للتصدي لكافة الممارسات التي من شأنها المس بالقدرة الشرائية للمواطن وبصحته وسلامته، خاصة واقتراب شهر رمضان المبارك، حيث أنهت عمالة إقليم وزان إلى علم عموم المواطنين أنه تم تفعيل الرقم الأخضر 5757 الذي وضعته وزارة الداخلية رهن إشارتهم، والمخصص لتلقي شكايات وملاحظات المستهلكين، والتبليغ عن أي اختلالات تتعلق بالأسعار وجودة المنتوجات الغذائية وحالات الغش أو الممارسات التجارية غير المشروعة.
وسيكون الرقم الأخضر، المخصص للتبليغ عن الخروقات والتجاوزات، متاحا يوميا ابتداء من الأسبوع الأخير من شهر شعبان الجاري وطيلة أيام شهر رمضان المبارك، من الساعة التاسعة صباحا إلى السادسة مساء، حيث يمكن للمواطنين ربط الاتصال بهذا الرقم من خلال الهواتف الثابتة أو النقالة المتصلة بشبكة الاتصالات الوطنية.
أضرار جسيمة
تضررت العديد من المسالك الطرقية بالجماعات القروية بتطوان ووزان والمضيق وشفشاون والعرائش، ولحق الضرر أيضا عشرات المنازل القروية بنسب متفاوتة، حيث تم تسجيل انهيار منازل بشكل كامل كما وقع بأغبالو وقرى أخرى بشفشاون، في حين سجلت أضرار شقوق وانهيارات جزئية بمنازل أخرى بقرى الشمال عامة، ما استدعى مغادرتها من قبل السكان حفاظا على سلامتهم وتفاديا للخطر الذي يتهددهم نتيجة استمرار التساقطات المطرية.
وكشف العديد من المختصين في التعمير أن مشكل انهيار عشرات المنازل بقرى الشمال لم يكن بسبب الفيضانات والتساقطات المطرية، بل تدخلت فيه عوامل أخرى أبرزها فوضى التعمير، لأن هناك مجموعة من الإجراءات التي يجب العمل بها قبل مباشرة البناء وأثناءه وبعده أيضا.
وحسب المختصين في المجال دائما، فإن عملية البناء تسبقها الدراسات التقنية لتجنب الانزلاقات الأرضية والانهيارات الصخرية، وضفاف الوديان ومجاري المياه، وبعدها اختيار المواد الخاصة بالبناء وتوفير شروط السلامة والجودة، وبعدها أيضا مراقبة كل شقوق محتملة في حال الكوارث الطبيعية والصيانة الضرورية حسب تقارير مهندسين مختصين في المجال.
وذكر مصدر «الأخبار» أن البناء بالعالم القروي بالشمال لا يخضع لأدنى معايير السلامة والوقاية من الأخطار ومواجهة الكوارث الطبيعية، لذلك كانت الخسائر المادية فادحة في الفيضانات، وما يمنع البناء وفق قواعد السلامة هو العزلة وعوامل الفقر والهشاشة، وغياب المال الكافي لبناء منازل بالإسمنت المسلح، والمعايير المطلوبة تحت إشراف المهندس المختص.
واستنادا إلى المصدر نفسه، فإن مصالح العمالات التي شهدت تضرر السكان بالمناطق القروية، عملت على توزيع مساعدات همت الآلاف من المتضررين، مع توفير مراكز لإيواء من يتهددهم خطر الفيضانات، لكن يجب التفكير في حلول مستقبلية لتطوير البناء بالمناطق القروية، وتحديد الأماكن الآمنة، والقيام بالدراسات التقنية، ومساعدة الفئات الهشة والفقيرة على الاستقرار بمناطق صالحة للسكن، وتتوفر على الحد الأدنى من شروط السلامة والصمود في وجه الكوارث الطبيعية.
استنجاد بالحكومة
بعد ظهور مؤشرات الفشل الذريع لجل المجالس الجماعية بالشمال في تدبير الفيضانات، وتشكيل لجان اليقظة لتوفير شروط السلامة والوقاية من الأخطار، تم الاستنجاد بالقطاعات الوزارية المعنية لتخفيف معاناة السكان، والقيام بالصيانة الضرورية وتنفيذ أشغال فك العزلة ودعم الفئات المتضررة.
وقام فريق حزب الأصالة والمعاصرة بالمؤسسة التشريعية بالرباط بطرح سؤال بالبرلمان حول إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة من الفيضانات بعمالة المضيق – الفنيدق، وذلك بعد القيام بتشخيص دقيق لمخلفات هذه الأزمة الطبيعية وتعويض المتضررين منها وفق ميزانيات استثنائية.
وشهدت مختلف المناطق التابعة لعمالة المضيق – الفنيدق، خلال الأيام القليلة الماضية، فيضانات كبيرة نتيجة الحجم الاستثنائي للتساقطات المطرية التي فاقت كل التوقعات، الأمر الذي خلف أضرارا جسيمة على مستوى البنيات التحتية، وشبكات الإنارة العمومية وعدد من المنشآت والبنيات الأساسية، فضلا عن الخسائر المادية التي تكبدها السكان وبعض المرافق الحيوية.
وتطرح التقلبات المناخية المتسارعة والاستثنائية، التي عرفتها مناطق متعددة بجهة الشمال خلال هذه السنة، إشكالات معقدة مرتبطة بمدى جاهزية البنيات التحتية ونجاعة أنظمة تصريف مياه الأمطار، وكذا جاهزية وفعالية تدخل الأجهزة المعنية في مثل هذه الحالات الصعبة، ومدى استعداد الجماعات الترابية لمواجهة الكوارث الطبيعية والمساهمة في تقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن.
وحسب مستشارين بالمجالس الإقليمية والجماعية بجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، فإن الجماعات الترابية المعنية بالفيضانات عاجزة تماما عن مواجهة تبعات الفيضانات من فك للعزلة والصيانة ودعم المتضررين، لذلك تم الاستنجاد بالقطاعات الحكومية لتجاوز الخصاص المالي وضمان تسريع عودة الحياة الطبيعية بكافة المناطق المتضررة، وتعافي الاقتصاد المحلي والجهوي خاصة بالمناطق القروية.
تعبئة مكثفة
بناء على التعليمات الملكية السامية في الموضوع، أصدرت وزارة الداخلية تعليمات مستعجلة لتكثيف التعبئة وتسريع التنسيق بين كافة المصالح بالعمالات المعنية بالفيضانات بالشمال، وذلك قصد إعادة فتح الطرق المتضررة بسبب سوء الأحوال الجوية.
وحسب مصادر مطلعة، فإن عمالة إقليم تطوان تمكنت من فك العزلة عن عدد من المناطق القروية، التي تضررت عقب ارتفاع منسوب الوديان بالإقليم خلال الأيام الأخيرة، وذلك بفضل تدخلات ميدانية ووقوف لجنة اليقظة على توفير الإمكانات اللوجستية والبشرية اللازمة.
واستنادا إلى المصادر نفسها، فإن جل المناطق القروية المتضررة بالشمال عانت من ارتفاع منسوب مياه عدد من الوديان والمجاري المائية، ما أدى إلى تسجيل فيضانات موضعية وانجرافات التربة، وانهيارات في البنيات التحتية والمنازل، ما تسبب في ارتباك حركة السير ببعض المحاور الطرقية والمسالك القروية.
وبعد تحسن الأحوال الجوية نسبيا، ينتظر أن ترتفع نسبة التدخلات الميدانية، في ارتباط بالتعليمات الملكية السامية من أجل تفعيل لجان اليقظة، وتدبير أزمة الفيضانات بمهنية عالية، وحماية الأرواح بالدرجة الأولى وتفادي الخسائر المادية والتخفيف منها، فضلا عن استنفار كافة المؤسسات المعنية، على رأسها القوات المسلحة الملكية، التي أبانت عن حس وطني عال في التدخلات البرية والجوية، وتنفيذ عمليات إنسانية لاقت استحسان وفخر المغاربة قاطبة.





