
النعمان اليعلاوي
كشف مجلس المنافسة عن ممارسات تدليسية قال إنها قد تمس بالسير الطبيعي والتنافسي لسوق الإسمنت بالمغرب، وتتعلق بقيام بعض الموزعين بتزويد منعشين عقاريين بفواتير لا تعكس الكميات الفعلية المقتناة، مقابل تعويضات مالية، وهو ما من شأنه الإخلال بقواعد الشفافية وتكافؤ الفرص بين الفاعلين.
وجاء ذلك ضمن رأي أصدره المجلس حول “السير التنافسي لسوق مواد البناء، سوق الإسمنت نموذجاً”، حيث أوضح أن هذه السلوكيات ترتبط أساساً ببعض معاملات البيع بالتقسيط التي ينجزها تجار يُعرفون في السوق باسم “الكلسات”، والتي تتم في حالات عديدة خارج المساطر المحاسباتية الرسمية ودون إصدار فواتير قانونية.
وأشار المجلس إلى أن مثل هذه الممارسات، في حال ثبوتها، يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على شروط المنافسة، خاصة في ظل حضور قوي لشريحة من تجار التقسيط داخل القطاع غير المهيكل، ما يخلق تفاوتاً في الامتثال الضريبي والمحاسباتي بين الفاعلين، ويؤدي إلى تشويه آليات التسعير والتوزيع.
وفي المقابل، شدد الرأي على الأهمية الاستراتيجية لصناعة الإسمنت الوطنية، باعتبارها رافعة أساسية لدعم مشاريع البنية التحتية والسكن، ومكوناً محورياً في دينامية التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وأبرز أن الإسمنت يمثل حوالي 10,42 في المائة من تكلفة المساكن منخفضة القيمة، ونحو 8,2 في المائة من تكلفة السكن الاجتماعي، ما يجعله عنصراً مؤثراً في كلفة الولوج إلى السكن.
ونوه المجلس بالدور الذي تلعبه الصناعة في تعزيز السيادة الإنتاجية الوطنية، من خلال ضمان التغطية المنتظمة لحاجيات السوق، إلى جانب الجهود المبذولة في مجال تقليص الأثر البيئي، عبر تثمين النفايات الصناعية والمنزلية، وتنويع مصادر الطاقة بما يتماشى مع التوجهات الوطنية في مجال الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة.
غير أن السوق، بحسب المجلس، يتميز بدرجة تركيز مرتفعة، حيث تستحوذ شركات رئيسية على ما بين 80 و90 في المائة من الطلب الوطني، في بنية توصف باحتكار القلة، وهو نمط شائع عالمياً في صناعة الإسمنت نظراً لارتفاع كلفة الاستثمار والحاجة إلى تحقيق وفورات الحجم.
وحذر المجلس من أن الطبيعة المتجانسة لمنتجات الإسمنت، إلى جانب شفافية الأسعار ودور الموزعين، قد تخلق بيئة قابلة لتنسيق السلوك بين الفاعلين، خاصة في ما يتعلق بأسعار الأنواع الأكثر تداولاً، ما يستوجب يقظة تنظيمية دائمة لضمان احترام قواعد المنافسة.
وفي هذا الإطار، دعا إلى اعتماد مقاربة شمولية لتعزيز السير التنافسي، من خلال إرساء منظومات جهوية لتثمين الموارد المحلية، وإشراك القطاعين العام والخاص والمهنيين في مجالات البناء والهندسة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار لتطوير بدائل للإسمنت التقليدي ومواد بناء أكثر استدامة، مع تثمين المنتجات الثانوية والصناعات المساندة.
وأكد المجلس أن تحقيق التوازن بين السعر والجودة وضمان استدامة الموارد المحلية يمر عبر تعزيز الإطار المؤسساتي والرقابي، إلى جانب مواكبة وتحسيس الفاعلين بأهمية الامتثال للقواعد المنظمة للسوق، بما يعزز القدرة الإنتاجية الوطنية في مواجهة تحديات التوسع الحضري، وإعادة الإعمار بعد الكوارث، والاستعداد للاستحقاقات الكبرى ذات البعد الدولي.




