
النعمان اليعلاوي
علمت “الأخبار” أن المصالح المركزية بوزارة الداخلية، ممثلة في مديرية مالية الجماعات الترابية التابعة للمديرية العامة للجماعات الترابية، وجهت تعليمات مستعجلة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم من أجل إعداد تقارير مفصلة حول تدبير قطاع النظافة بعدد من الجماعات الحضرية، وذلك في إطار عملية رقابية واسعة تستهدف الوقوف على اختلالات محتملة في تدبير الميزانيات المخصصة لهذا المرفق الحيوي.
ووفق معطيات حصلت عليها “الأخبار”، فإن التعليمات شملت في مرحلة أولى عددا من الجماعات التابعة لجهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، مع التركيز على الجماعات التي ما تزال تعتمد نظام التدبير الذاتي لقطاع النظافة رغم توفرها على الشروط الموضوعية للانتقال إلى التدبير المفوض، سواء من حيث الكثافة السكانية أو حجم الاعتمادات المالية المرصودة سنويا لهذا القطاع.
وأفادت المصادر ذاتها بأن مصالح وزارة الداخلية لم تكتف بطلب تقارير تفسيرية حول أسباب استمرار هذا النمط من التدبير، بل زودت السلطات الإقليمية بمعطيات دقيقة ومؤشرات مالية وصفت بـ”المثيرة للشبهة”، تم رصدها خلال عمليات تتبع وتدقيق أولية، وذلك بهدف التحقق ميدانيا من أوجه صرف الاعتمادات المالية المخصصة للنظافة.
وتتمثل أبرز المؤشرات التي استأثرت باهتمام مصالح المراقبة في الارتفاع المتواصل لبعض بنود الإنفاق المرتبطة بالتدبير الذاتي، خاصة تلك المتعلقة بأجور وتعويضات العمال العرضيين، واقتناء الشاحنات والآليات، ومصاريف الوقود والزيوت والشحوم، فضلا عن تكاليف الصيانة والإصلاح. وتثير هذه الوضعية تساؤلات حول الجدوى من الإجراءات الاقتصادية لاستمرار التدبير الذاتي، والجهات المستفيدة من تضخم هذه النفقات سنة بعد أخرى.
وتندرج هذه العملية في إطار التوجه الذي تتبناه وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة لتعزيز حكامة المرافق العمومية المحلية وترشيد النفقات الجماعية، من خلال تقييم الكلفة الحقيقية للتدبير الذاتي ومقارنتها بما يمكن أن يتيحه التدبير المفوض من فعالية أكبر وشفافية أوضح في صرف المال العام.
وفي هذا السياق، ينتظر أن تحظى إحدى الجماعات الحضرية التابعة لإقليم برشيد باهتمام خاص ضمن التحقيقات الجارية، بعدما تحولت إلى نموذج بارز للجماعات المتمسكة بالتدبير الذاتي رغم ضخامة الاعتمادات المرصودة لهذا القطاع. وتفيد المعطيات المتداولة بأن الجماعة خصصت ما يفوق 13.8 مليون درهم لتغطية نفقات النظافة خلال المرحلة الحالية، وهو ما يعادل أكثر من مليار و300 مليون سنتيم.
وتوزعت هذه الاعتمادات بين اقتناء شاحنات جديدة وحاويات للنفايات، إلى جانب نفقات التسيير اليومية. كما كشفت ميزانية سنة 2026 عن تخصيص أكثر من 585 مليون سنتيم لأجور الأعوان العرضيين العاملين في قطاع النظافة، فضلا عن اعتمادات أخرى تتعلق باقتناء الملابس المهنية واستئجار الآليات وشراء الوقود وقطع الغيار والإطارات المطاطية، بالإضافة إلى مصاريف الصيانة والتأمين والضريبة الخاصة بالمركبات.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن تشعب بنود الإنفاق المرتبطة بالتدبير الذاتي يجعل عملية مراقبة صرف هذه الاعتمادات أكثر تعقيدا، وهو ما يفرض تعزيز آليات الافتحاص والتدقيق لضمان توجيه الأموال العمومية نحو الأهداف المخصصة لها. كما يتوقع أن تفتح نتائج التقارير المرتقبة نقاشا واسعا حول مستقبل تدبير قطاع النظافة بالجماعات الترابية، ومدى الحاجة إلى مراجعة عدد من الخيارات التدبيرية التي تستنزف ميزانيات ضخمة دون أن تنعكس بالضرورة على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.





