حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسية

الديموقراطية وخطبة الجمعة

 

 

بقلم: خالص جلبي

 

في قناة «الجزيرة» يمكن اعتبار أن برنامج «الشريعة والحياة» قد أعلنت ملكيته لحساب شخص واتجاه. وفي كل مسجد تتم مصادرة كل الآراء لحساب رأي واحد. وكل يوم جمعة يحضر جمهور أخرس خطبة ميتة، في اجتماع لا يستحق عناء الاجتماع. وإذا أردنا التخلص من الديكتاتورية السياسية، فلنبدأ بالمنبر.

وفي مدينة «مونتريال» بكندا حضرت خطبة وصلاة الجمعة، فظننت نفسي في مسجد الأتراك في حي قاسيون بدمشق. فلم يزد الحديث عن مواعظ عثمانية وأدعية عدوانية، أن يدمر (الكافرين) جميعا وعائلاتهم. في الوقت الذي منح (الكافرون) الكنديون (المسلمين) الجنسية الكندية، وسهلوا لهم دخول البلد، والأمان من تقارير الشرطة السرية وجلد المخابرات.

وفي حي (الميدان) بدمشق حضرت خطبة الجمعة وكان بجانبي غلام لم يبتل بمرض الشخير العام، فانتبه إلى غلطة في سرد الخطيب فصلحها له. ويبدو أن الغلام كان قد حفظ (الكليشه) من كثرة الترداد. وفي (القامشلي) بلدتي التي عشت فيها طفولتي، كان الإمام يخطب من كتاب (ابن أبي نباتة) من أيام السلطان قلاوون. وهناك 52 خطبة على مجار السنة حسب المواسم، فلما بدأ بالخطبة انتبه إلى أنه بدل المواسم والأدعية، فبدأ يقلب على عجل عن الخطبة المناسبة، بعد أن ضل طريقه إليها، ولم ينتبه الجمهور إلى ما حدث، لأنه يحضر الخطبة منذ عشرين سنة وينام في الخطبة منذ عشرين سنة، ولم يفقه عشرين كلمة. وكنت أخطب أنا شخصيا، أخطب أحيانا وأنتظر اعتقالي من المخابرات بعد كل خطبة. ولما خرجت من إحدى الخطب سألت أحدهم: عما كنت أتحدث؟ قال: طبعا كنت تتحدث عن الإسلام؟

وفي المغرب حضرت خطبة في الدار البيضاء، فتحولت الخطبة إلى مناسبة فقهية في الاستنجاء والاستبراء، مع أن الناس لم تعد تستخدم الحجارة في دورات المياه، منذ أيام الاستعمار الفرنسي. وفي (بلد عربي) كان الخطيب يدعو بحرقة على طوائف لا نهاية لها بالتدمير الكامل لهم وعائلاتهم، وأن يريه عجائب خلق الله فيهم. وكان أكثر حماسه عند الدعاء على العلمانيين، أن يهلكوا بددا ولا يبق منهم أحدا. كرر ذلك ثلاث مرات وصوته مختنق بالبكاء. والجمهور يؤمن على المذبحة الجماعية، وأنا مرتاع بين التأمين والاستنكار.

وفي (بلد عربي) روى لي ثقة، أن خطب الجمعة تكتب من وزير مثقف، ثم ترسل بالفاكس إلى خطباء كل المساجد كي يقرؤوا خطبة واحدة موحدة مؤممة مصادرة، فهذا أريح لوجع الدماغ. وفي القاهرة وأمام أحد المساجد، كانت الكاسيتات تباع بالعشرات لواعظ يعلو صوته هدير محرك نفاث، فذكر فاطمة الزهراء رضي الله عنها، أنه لم يأتها الطمث قط، فهتف الجمهور الله أكبر، واعتبروها معجزة. ونحن نعرف في الطب أن الدورة الشهرية عند المرأة طبيعية وصحية، وانقطاعها قد يكون بمرض فقر الدم، وفاطمة بشر ممن خلق.

وفي يوم قمت بمسح عدد من المساجد لأرى طبيعة الخطب، فكانت خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا، والحديث فيها لا يزيد على فواكه الجنة، في الوقت الذي يعيش المواطن العربي جهنم تتلظى. هذه الأمثلة تعني أن خطبة الجمعة مصادرة في عمومها لثلاثة اتجاهات: واعظ السلطان. وتيار المتشددين يشن فيها الحرب، وجه متجهم من فوق المنبر. وتيار تقليدي ينتسب إلى عصر السلطان المملوكي أبو سعيد جقمق. والسؤال كيف الخروج من قبضة المخابرات والمحنطين والعدوانيين؟ جرب البعض حظهم في ثلاث طرق: إما بإلغاء صلاة الجمعة كلية بانتظار الإمام الغائب، كما فعلت الشيعة. وإما بمحاولة مزاحمة واعظ السلطان. أو التسلل تحت عباءة السلطان لتسريب أفكار خطيرة، ولكنها محاولات كتب عليها الفشل بواعظ مرتزق، وجاهزية رجال المباحث، وجمهور مشلول بالرعب.

وهناك حل لهذه الإشكالية، ولكنه مثل من يلقي بنفسه في شلالات نياغارا فلا يبتل. أو يلعن ماو تسي تونغ في ساحة تينامنين، في وسط بكين، فلا يعتقل. والاقتراح أن يعتلي المنبر كل مرة واعظ مختلف من تيار مختلف، فندخل الديموقراطية إلى المسجد، ولا يسمع المواطن المعتقل كل يوم جمعة الكلام الممل نفسه. ولكن معنى هذا الكلام انقلاب اجتماعي، مثل أن ينطق الأخرس بأعذب الشعر، أو أن نطلب من المفلس إنفاق الملايين. 

وفي الحقيقة آن الأوان لثلاثة أمور: تعددية الخطباء وصولا لتعددية الآراء. واعتماد أدعية الرحمة والمغفرة، وتفاهم الناس أكثر من قتالهم وتدمير العالم. واستبدال أدعية العصر العباسي بأدعية تناسب العصر. والتغيير الكلي لمضمون الخطاب، بما يسمح تناقله في المحطات الفضائية لمئات الملايين من المسلمين وغيرهم المتعطشين للمعرفة والإنصات له، كما حدث للجن حينما سمعوا القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا.

 

نافذة:

آن الأوان لثلاثة أمور تعددية الخطباء وصولا لتعددية الآراء واعتماد أدعية الرحمة والمغفرة وتفاهم الناس أكثر من قتالهم وتدمير العالم واستبدال أدعية العصر العباسي بأدعية تناسب العصر والتغيير الكلي لمضمون الخطاب

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى