
شكلت السينما حدثًا عظيمًا في الثقافة المعاصرة، ساهمت، وما تزال تساهم في التأثير على إدراكات الناس، ووجدانهم ووعيهم، وفي تغيير علاقتهم بالعالم. فهي تمتلك قدرات كبيرة على تأطير الأجساد، ونسج الحكايات، وكشف الوقائع، وصناعة الصور وتشخيص الوضعيات الإنسانية بطرق غير مسبوقة في تاريخ الممارسات الفنية.. علما أن هذا الفن صعب وإشكالي، وأن إنجاز فيلم هو انتصار على العوائق الذهنية والسياسية والمجتمعية؛ وهي عوائق قاسية في بعض الحالات، وانتصار على المشاكل المادية والثقافية والنفسية التي تسعف أو لا تسعف الفاعل السينمائي في بناء أفكاره، وبناء سروده ورسائله. فالسينما تفكير بالفعل منذ الفكرة الأولى التي تراود صاحبها، إلى عملية بناء السيناريو، وهو أمر ليس سهلا على الإطلاق، مرورا بكل المراحل المادية والإدارية والتواصلية لبلوغ لحظتي التصوير والإخراج، التي تعبر عن قدرات الفاعل السينمائي على الترجمة البصرية للرواية الفيلمية، إلى المرحلة الحاسمة المتمثلة في تركيب ما تم تسجيله من صور ولقطات ومتواليات ومشاهد.
حاولتُ في هذه الكتب إبراز التصور المعرفي الذي يسعى إلى توضيح العمليات الفكرية، بالمعنى العام للمعرفة المرتبطة بمجالات إنتاج الصور وتلقِّيها. فالصورة، وما تحمله من معطيات ومعلومات ورموز، ليست مجرد مادة خام تفرض ذاتها على مجال إدراك المتفرج ووعيه، وإنما تمارس مفعولها الخاص على حساسيته وفهمه. بما فيها «المقاربة البرغماتية» التي تهتم بشروط استقبال الصورة من طرف المتلقي؛ وسواء كانت شروطا اجتماعية، سيكولوجية أو ثقافية فهي تؤثر على فهم الصورة وتفسيرها، التي تختزن في ثنايا رموزها رسائل ومعاني موجهة إلى المتفرج الذي قد تساعده على القيام بقراءة ملائمة.
في هذا السياق بدا لي أن الحقل الأبرز، الذي ينطبق عليه هذا الأفق من التفكير، هو حقل السينما الذي يمتلك إمكانيات تعبيرية هائلة للتأثير على المتلقي، سلباً أو إيجابًا. لا توجد الصورة إلا من أجل أن تكون موضوع رؤية من طرف متلق له وضع اجتماعي ويخضع لشروط ثقافية وتاريخية. وعملت على تعميق هذا الموضوع ليس من زاوية نظر المتفرج فقط، وإنما من زاوية اعتبار أن فعل التمثل حصيلة سيرورة وإنتاج أيضا، يتمكن المبدع من بنائه وبلورته في أشكال ورموز وصور.
ومن البديهي القول إن الإنسانية، وبعد أن تعودت مدة طويلة على «البراديغم» اللساني، انخرطت، منذ ما يربو على نصف قرن، في منعطف «أيقوني»، أو «براديغم» بصري تحتل فيه الصورة السينمائية مكانة مركزية، مسنودة في ذلك بالتلفزيون وبالوسائل الرقمية الجديدة، بحكم امتلاكها قدرة هائلة على الإظهار وإنتاج المعنى.
ويتفق العديد من الباحثين على أن الحقل الذي يكثف تجليات هذا البراديغم هو حقل السينما؛ باعتبارها تمثل منتوجا فنيا «كُليًا»، يمتلك لغة داخلية، لها قاموسها، وقواعدها ومستويات تعبيرها. وما يميزها عن باقي الفنون التصويرية الأخرى هو قدرتها على إنتاج أشكال مختلفة من الوهم لِما تظهره وتعرضه؛ وللمتفرج الإمكانات والحرية في تجنيد مكتسباته المعرفية، وثقافته وتجاربه من أجل خلق تفاعل مناسب مع الصورة.
*صدر لك أخيرا كتاب باللغة الفرنسية بعنوان «ضفاف النظر.. لغة بصرية مشتركة في حوض المتوسط» ضمن منشورات مؤسسة «مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط»، وتم تقديمه في دورته الأخيرة، وهو كتاب يطرح سؤالا أساسيا يتعلق بكيفية تحول الصورة والفعل السينمائي تحديدا إلى لغة قادرة على صياغة معنى جديد للمشترك الإنساني في فضاء تتقاطع فيه الرغبات والحدود، وهو فضاء المتوسط، فكيف يمكن للسينما أن تكون وسيلة مثلى للعبور وتجاوز الخلافات السياسية، وتخلق ما سميتموه بـ«الحساسية المتوسطية في التداول»؟
**يتعلق الأمر، في هذا الكتاب، بإعادة التفكير في البحر الأبيض المتوسط في ظل ما يشهده من متغيرات وتقلبات. عملت على استعراض العديد من المعالجات النظرية والإيديولوجية التي تناولته، ولكن من منطلق البحث عن المسالك المتنوعة التي يبتدعها المتوسطيون وغير المتوسطيين لتكسير الحواجز المختلفة، والسدود المُنتصَبة أمام حركة الأجساد. ومن بين هذه الوسائط تبرز ما أسميته «لغة بصرية مشتركة» lingua franca visuelle تتمثل في السينما والأدوات السمعية البصرية، متوقفا عند طرق وكيفيات تنظيم شروط عرْضِها، ومُشاهدتها والتفاعل معها؛ حيث يحرص فاعلون مدنيون ونخب على جعل «المهرجانات المتوسطية» مِنصَّات وفضاءات للقاء، وكسر الحواجز والحدود وتنشيط المجالات الترابية والمدن التي تنعقد فيها. تحفز هذه الأطر الشباب والجمهور على المشاركة، وعلى المشاهدة الذكية للإبداع السينمائي المتوسطي، وتخلق جسور التواصل والتفاعل الفني والثقافي بين مختلف الفعاليات التي تساهم في صنع الأفلام، سواء كانت روائية، قصيرة، وثائقية وغيرها من الإنتاجات البصرية.





