
نعيمة لحروري
لم يعد الغلاء في المغرب خبرا طارئا، ولا حدثا استثنائيا يثير الدهشة.
لم نعد نستيقظ على ارتفاع الأسعار فنغضب كما كنا من قبل، ولم نعد نتساءل كثيرا عن أسبابه أو مآلاته. شيئا فشيئا، تحول الغلاء إلى جزء من المشهد اليومي، إلى حالة مألوفة نتذمر منها قليلا، ثم نواصل حياتنا كأن الأمر لا يستحق أكثر من ذلك.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، ليس ارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل أن يعتاد هذا الارتفاع، وأن يتحول من استثناء إلى قاعدة، ومن أزمة إلى واقع لا يناقش.
في المغرب، تبدو الأسعار وكأنها تعرف طريقا واحدا فقط: الصعود.
ترتفع المحروقات، فنفهم أن السوق الدولية تلعب دورها.
ترتفع الخضر، فنبحث عن تفسيرات مرتبطة بالجفاف، أو سلاسل التوزيع.
ترتفع الخدمات، فنقنع أنفسنا بأن «كل شيء غلا».
لكن السؤال الذي لا يطرح بالحدة الكافية: لماذا لا تنخفض الأسعار حين تتراجع أسباب ارتفاعها؟
المحروقات، على سبيل المثال، تقدم نموذجا صارخا لهذا الاختلال.
حين ترتفع أسعارها عالميا، نرى الأثر بسرعة في محطات الوقود.
لكن حين تنخفض، لا ينعكس ذلك بنفس الوتيرة.
والأمر لا يقف عند حدود الوقود.
لأن المحروقات ليست مجرد سلعة، بل هي عصب الاقتصاد اليومي.
هي التي تحدد تكلفة النقل، وتؤثر في أسعار السلع، وتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في كل ما يستهلكه المواطن.
وبالتالي، فإن أي ارتفاع فيها لا يبقى محصورا، بل ينتشر كأثر متسلسل يطال الجميع.
ومع ذلك، نواصل التعايش مع هذا الوضع.
نعيد ترتيب أولوياتنا، نقلص من مصاريفنا، نؤجل بعض الحاجيات، ونقنع أنفسنا بأن «الأمور ستتحسن».
لكنها، في كثير من الأحيان، لا تتحسن.. بل نستمر نحن في التكيف.
هذا التكيف، في ظاهره مرونة، لكنه في عمقه شكل من أشكال الاستسلام الصامت.
لأنه يحوّل النقاش من سؤال «لماذا ارتفعت الأسعار؟» إلى سؤال «كيف سنتحملها؟».
ومن المطالبة بالتوازن، إلى البحث عن طرق للتأقلم.
ومع الوقت، لا يعود الغلاء موضوعا للنقاش العمومي الجاد، بل يصبح مجرد خلفية دائمة للحياة اليومية.
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بالأرقام أو المؤشرات الاقتصادية، بل بالإحساس العام بالعدالة.
حين يرى المواطن أن كل شيء يرتفع، وأن دخله لا يواكب هذا الارتفاع، وأن الانخفاض – إن حدث- لا ينعكس عليه بنفس القدر، فإن الشعور بعدم التوازن يتفاقم، وتبدأ الثقة في التآكل.
الثقة في أن هناك قواعد واضحة تحكم السوق، وفي أن هناك سياسات قادرة على حماية الحد الأدنى من الاستقرار، وفي أن المواطن ليس دائما الحلقة الأضعف.
ما نعيشه اليوم، في جزء منه، ليس فقط أزمة أسعار، بل أزمة في العلاقة مع هذه الأسعار.
لقد انتقلنا من رفض الغلاء إلى التعايش معه، ومن التساؤل عنه إلى التكيف معه.
وفي خضم هذا التحول الهادئ، يظل السؤال بسيطا في صياغته، عميقا في دلالته:
«هل فقدت الأسعار طريق العودة.. أم أن هناك من لا يريد لها أن تعود؟».





