
في عالم متوحش لا يعترف إلا بلغة المصالح، وفي خضم الحروب الطاحنة التي تعصف بعدد من مناطق العالم، وعلى رأسها ما يجري في الشرق الأوسط، ومع تسارع سباق التسلح وتطور تكنولوجيا الردع والدفاع، تبقى الحقيقة الثابتة هي أن الدول لا تتحرك إلا وفق مصالحها الكبرى، أما الشعارات فيتم تغليفها أحيانا بعبارات دبلوماسية مرنة، وأحيانا أخرى بدغدغة العواطف، أو استدعاء الدين والانتماء العرقي والجغرافي، لكن حين الحسم في القرارات المصيرية، يكون معيار القياس الفيصل هو الربح والخسارة الاستراتيجية ولا شيء غير ذلك.
إن التطورات المرتبطة بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وما ترتب عنها من توترات إقليمية وارتدادات خطيرة على عدد من الدول العربية، تؤكد أن الاصطفافات الدولية لا تبنى على العواطف، بل على حسابات دقيقة. وفي هذا السياق يصبح من المشروع، بل من الواجب أن يرفع المغاربة شعار «المغرب أولا»، باعتباره تعبيرا عن وعي سياسي ناضج يقدم المصلحة الوطنية على أي اعتبارات ظرفية أو انفعالية.
لقد أكد الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة أن قضية الصحراء المغربية هي النظارة التي ينظر المغرب من خلالها إلى شراكاته وتحالفاته الدولية، هذا المنظار هو قاعدة اشتغال واضحة في تدبير العلاقات الدبلوماسية، والمملكة الشريفة عاشت سنوات من توتر العلاقات مع إيران، ولم تخف يوما تحفظاتها ورفضها للممارسات الإيرانية الخارجية، خاصة ما يتعلق بدعم طهران لميليشيات البوليساريو التي تغذي الإرهاب وتحمي مافيات الممنوعات والاتجار في البشر، وتستعمل المرتزقة لبلقنة المنطقة وتهديد الأمن وإرهاب السياح وعرقلة الحركة التجارية، وإجهاض حلم شعوب المنطقة في التنمية.
فالمغرب راكم خبرة طويلة في تدبير الأزمات الإقليمية والدولية، واختار دوما تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس نهج الواقعية السياسية، وتنويع الشراكات الدولية، وتجنب دوما الانخراط في محاور قد تجر البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالحها، لذلك فإن شعار «المغرب أولا» لا يعني الانغلاق كما يسوق البعض، أو التخلي عن العمق العربي والإفريقي أو العلاقات الدولية التاريخية، بل يعني ترتيب الأولويات وفق المصلحة العليا للدولة.
إن رفع شعار «المغرب أولا» هو في جوهره دعوة إلى تغليب العقل على الانفعال، والاستراتيجية على الخطاب، والعمل الميداني على الشعارات. فالمصلحة الوطنية ليست موقفا ظرفيا، بل بوصلة دائمة توجه القرار السياسي في زمن تتكاثر فيه الألغام وتتشابك فيه التحالفات.
وفي النهاية، يبقى الرهان الأكبر هو حماية الشعب المغربي ومصالحه، وتجنيبه ويلات الحروب وتقلبات الاصطفافات التي تصبح في حال وتمسي في حال آخر، مع الاستمرار في الدفاع الحازم عن الوحدة الترابية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، باعتبارها القضية الوطنية الأولى التي تختبر صدقية كل شراكة وتحالف، وحفظ الله بلادنا والعالم من ويلات الحروب وكوارثها.





