
محمد اليوبي
تعيش الوكالة الوطنية للموانئ بآسفي، في الآونة الأخيرة، على وقع حالة من التوتر والغموض، في ظل عدد من القرارات الإدارية المثيرة للجدل، والتي خلقت حالة من عدم الرضا داخل أوساط العاملين والمهنيين المرتبطين بالنشاط المينائي في المدينة.
وأفادت المصادر بأن مدينة آسفي تعتبر قطبا مينائيا تاريخيا ذا أهمية تجارية وبحرية بالغة، كما تحظى بمكانة استراتيجية على المستوى الجهوي والوطني، سيما مع الطفرة التنموية المرتقبة التي تشمل إنشاء مناطق صناعية متعددة، مدعومة بثروات معدنية هامة، أبرزها الفوسفاط ومشتقاته، ما يجعل من تطوير البنية المينائية أولوية ملحة.
وفي هذا الإطار، تضيف المصادر، أطلقت وزارة التجهيز والماء ضمن المخطط الاستراتيجي للموانئ في أفق 2030 مشروعا لإنشاء ميناء جديد بآسفي، يهدف إلى تلبية حاجيات المحطة الحرارية، وتسهيل عمليات تصدير الفوسفاط، إضافة إلى دعم الأنشطة الصناعية المستقبلية بالمدينة. ومن أجل مواكبة هذه الدينامية، تم إحداث مديرية جهوية للوكالة الوطنية للموانئ بآسفي سنة 2020.
وعرفت السنوات الأولى للمديرية استقرارا نسبيا بفضل المدير السابق، الذي تمكن من الحفاظ على توازن الميناء إلى غاية بلوغه سن التقاعد، بعد دلك تم تعيين مدير شاب مشهود له بالكفاءة والتواصل الفعال، إلا أن قرارا مفاجئا من المديرة العامة السابقة للوكالة قضى بنقله إلى المديرية الجهوية لأكادير، وتعيين المدير السابق لميناء الجرف الأصفر، دون أن يُراعى في ذلك السياق المحلي ولا حجم التحديات المطروحة على موانئ آسفي والتي تستوجب الاستقرار والرؤية التنموية الواضحة، وهو ما أثار العديد من التساؤلات.
وتأتي هذه التغييرات في سياق سلسلة من التنقيلات التي وصفت بـ”التأديبية”، حيث تم تنقيل عدد من الأطر إلى آسفي، بعضها يتقلد مناصب مسؤولية حساسة في المديرية الآن، وهو ما تسبب في حالة من عدم الرضا داخل المؤسسة، دفعت جل الأطر إلى تقديم طلبات انتقال إلى مدن أخرى بعد فترات وجيزة من تعيينها بآسفي، وأفادت المصادر بأن هذا الوضع يُثير تساؤلات حول طريقة تدبير الموارد البشرية في مؤسسة يُفترض أن تقوم على الاستقرار والكفاءة والتخصص، لا على التناوب الاضطراري وفوضى التعيينات الداخلية.
وفي خضم هذه الأجواء المتوترة، راجت أنباء داخل أروقة الوكالة حول إمكانية التحاق إحدى المسؤولات المقربات عائليا من المسؤول الأول عن المديرية الجهوية بآسفي للعمل داخلها، في خطوة إن تحققت قد تضع الإدارة في شبهة تضارب المصالح، وتتنافى مع الأعراف ومبادئ الحياد والشفافية التي يجب أن تحكم تسيير المرفق العام، حسب المصادر ذاتها، مشيرة إلى أن المرفق العمومي لا يجب أن يتحول إلى فضاء لعلاقات القرابة والامتيازات الخاصة
وتُعاني المديرية الجهوية أيضا كذلك من قرارات متخبطة أثارت استياء الفاعلين المحليين، أبرزها تعقيد مسطرة الولوج إلى ميناء الصيد، وفرض شروط إدارية مُعقدة أثرت على انسيابية الحركة، إضافة إلى قرار الوكالة بتسيير مخازن الصيد التقليدي بشكل انفرادي، وهو ما لاقى معارضة واسعة واستنكارا من طرف المهنيين.
إلى جانب هذه الإشكاليات، برز أخيرا مشكل كبير يتمثل في فوضى تنظيم رسو سفن الصيد التقليدي والساحلي داخل الميناء، والتي ساهمت في تفاقم إشكالية الطاقة الاستيعابية، وعطلت بشكل ملحوظ انسيابية الحركة البحرية، خصوصا خلال الفترات الحرجة، مما يظهر غيابا واضحا لتدبير محكم أو تخطيط مسبق.
كما يثير تأخر إنهاء السور الفاصل بين الميناء وواجهة البحر حالة من القلق، خاصة مع اقتراب موسم الاصطياف، حيث يظل الشريط البحري مكشوفا بشكل يُهدد سلامة المصطافين والزوار من جهة، ويُعرض البنية المينائية نفسها لمخاطر أمنية ولوجستيكية من جهة أخرى، في غياب تام لأي تبرير واضح لهذا التأخير.
كل هذه المعطيات ترسم صورة قاتمة عن واقع التدبير داخل الوكالة الوطنية للموانئ بآسفي، وتُسائل مدى التزام الإدارة بمبادئ الحكامة الجيدة. وأكدت المصادر أن آسفي بثقلها الاقتصادي ومكانتها المينائية، لا تحتمل مزيدا من القرارات المرتجلة أو التجارب الإدارية العابرة، بل تحتاج إلى تسيير مهني، نزيه، ومتجذر في رؤية تنموية واضحة تضع مصلحة المدينة وسكانها فوق كل اعتبار.





