حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

جمعيات السلالات.. مستقبل تمثيل «الكسابة»

نعيمة لحروري

ما وقع أخيرا خلال لقاء الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز بمنطقة الأطلس المتوسط لم يكن مجرد سوء تفاهم عابر بين بعض المنخرطين ومسؤولي الجمعية، بل كان دليلا جديدا على أن النموذج الحالي لتنظيم قطاع تربية الماشية في المغرب وصل إلى حدوده، وأن الإصرار على وضع سلالات مختلفة، ومناطق متباينة، ومصالح متناقضة أحيانا، داخل جمعية واحدة، لم يعد يخدم «الكسابة» ولا السياسات العمومية التي تنفق عليها الدولة أموالا طائلة.

احتجاج ممثلي مربي سلالة تمحضيت، ومغادرتهم القاعة رفضا لما اعتبروه تهميشا لهم داخل أجهزة الجمعية، يجب ألا يختزل في خلاف حول عدد المقاعد، أو طريقة تنظيم لقاء. لقد تحدث المحتجون عن ضعف تمثيليتهم، وتأخر ملفات الإعانات، واختلالات في توزيع الأعلاف، وتقليص عدد المشاركين في الجمع العام، وعن قرارات لا تراعي الوزن الحقيقي لسلالة تمحضيت داخل الأطلس المتوسط.

ثم انتهى الاحتجاج بمشهد أكثر دلالة، حين اضطر عدد من المشاركين إلى قطع مسافة طويلة سيرا على الأقدام، في عز الحرارة، للوصول إلى مكان يمكنهم أن يجدوا فيه وسيلة نقل. وهكذا وجد «الكسابة»، الذين يفترض أن الجمعية أنشئت لخدمتهم، أنفسهم خارج القاعة، وخارج وسائل النقل، وقبل ذلك خارج دوائر القرار.

إن ما وقع مع مربي تمحضيت ليس حادثا منفصلا، بل نتيجة طبيعية لجمع سلالات متعددة تحت سلطة تنظيم واحد. فمربي تمحضيت له حاجيات تختلف عن مربي الصردي، ومشاكل بني كيل ليست هي مشاكل الدمان، وواقع سلالات الماعز بالمناطق الجبلية لا يشبه واقع الأغنام بالهضاب والسهول. لكل سلالة مجالها الجغرافي، وخصائصها الوراثية، وطرق تربيتها، وأسواقها، وأمراضها، وبرامج انتقائها والمحافظة عليها.

فكيف يمكن لجمعية واحدة أن تمثل كل هذا التنوع بالنجاعة والإنصاف نفسيهما؟

بل إن رئيس الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز نفسه يتحدث عن تأطير حوالي أربعة ملايين رأس من الأغنام. وهذا رقم يراه عدد من المتتبعين مبالغا فيه ويحتاج إلى تدقيق، لكن حتى إذا سلمنا بصحته كاملا، فإنه لا يمثل سوى جزء محدود من القطيع الوطني. ومع ذلك، تتصرف الجمعية وكأنها الممثل الوحيد لمربي الأغنام والماعز بالمغرب، وتحتكر القسم الأكبر من الدعم العمومي والشراكات والاتفاقيات والبرامج المرتبطة بالتأطير والانتقاء والمحافظة على السلالات.

وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لتنظيم لا يؤطر سوى جزء من القطيع أن يحتكر التحدث باسم القطاع كله؟ وكيف أصبحت الشراكة مع الدولة امتيازا شبه حصري لجمعية واحدة، في حين يوجد خارجها آلاف «الكسابة» وملايين الرؤوس التي لا تستفيد فعليا من خدماتها ولا تشارك في قراراتها؟

إن هذا الاحتكار لا يخدم الدولة نفسها، لأن السياسة العمومية تحتاج إلى تنظيمات مهنية قريبة من الميدان، تعرف خصوصيات كل سلالة، وتقيس حاجياتها بدقة، وتتحمل مسؤوليتها أمام مربيها. أما وضع الاعتمادات المالية والشراكات والبرامج في يد تنظيم مركزي واحد، فيؤدي إلى تداخل المسؤوليات، وضعف المحاسبة، وشعور فئات واسعة بالتهميش.

لذلك، أصبح من الضروري الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على إنشاء جمعية مهنية وطنية لكل سلالة. جمعية لمربي تمحضيت، وأخرى لمربي الصردي، وثالثة لمربي بني كيل، ورابعة للدمان، وتنظيمات مستقلة لسلالات الماعز وغيرها. لا يتعلق الأمر بتكثير الجمعيات أو توزيع المناصب، بل بتخصيص المسؤولية، وتقريب القرار من المربي، وخلق منافسة مهنية في خدمة القطاع.

جمعية تمحضيت ستكون مسؤولة عن حماية هذه السلالة وتطويرها، وستعرف مناطق انتشارها وعدد مربيها وحاجياتهم. وجمعية الصردي ستتولى ملفات الصردي، وهكذا بالنسبة إلى باقي السلالات. ويمكن للدولة أن تربط دعم كل جمعية بعقد أهداف واضح، ومؤشرات دقيقة، ونتائج قابلة للقياس والافتحاص.

إن نجاح السياسة العمومية في مجال الثروة الحيوانية لا يتوقف على حجم الأموال التي تضخ، بل على الجهة التي تدبرها وكيفية توزيعها. وما دام التنظيم المهني بعيدا عن التنوع الحقيقي للقطاع، فستظل الملايين تصرف والاحتجاجات تتكرر.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى