حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةسياسية

حقيقة تركيبة النظام الإيراني …. ثورة ودولة ازدواجية المؤسسات وتداخل يؤثر في صنع القرار

من يتفحص تركيبة النظام السياسي في طهران يلاحظ مفاعيل إيحائية كثيرة تفيد بتعدد مراكز القرار، فهناك مروحة واسعة من المجالس والمؤسسات التي تساهم في صياغة ووضع القرار أو دراسته قبل أن يصدر أو مراجعته أو تبديله أو تعديله أو اقتراح غيره. وبرغم ذلك – أي برغم وجود هذه المروحة من المجالس، سنلاحظ مركزية دور المرشد أو القائد (رهبري) في كل ذلك. هناك تحت المرشد هذه السلسلة رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس الأمن القومي ومجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس الخبراء ووزارة الخارجية، كل هذه الجهات تتدخل في اتخاذ القرار ووضعه لكنها لا تستطيع ذلك إلا بموافقة المرشد القائد ومباركته.

 

مشكلة المشاكل، في تركيبة النظام في إيران، هي الازدواجية بين الثورة والدولة؛ أين تنتهي الثورة وتبدأ الدولة؟ هذا التداخل ليس فقط مسنودا من واقع تعيشه إيران، بل حتى بنصوص الدستور الإيراني. فلا نعرف عملياً الخط الفاصل بين الثورة والدولة: أين حدود الثورة ومؤسساتها؟ وأين تبدأ الدولة ومؤسساتها؟ هذه المسألة تؤثر كثيراً على (القرار) ووضعه ومضمون اتجاهه الاستراتيجي، ففي الدستور يُشار إلى المرشد على أنه (القائد الأعلى للثورة الإسلامية) وليس (القائد الأعلى للجمهورية) ولهذا القائد (قوات عسكرية) أي (الحرس الثوري) لحماية الثورة وليس الدولة (مادة 150) وهذه القوات دائمة وغير قابلة للحل، كما أن هذه القوات تأتمر بأمر (ولي الأمر المُطلق وإمام الأمة) مادة 57 وليس رئيس الجمهورية الذي ينتخبه الشعب انتخاباً مباشراً بترشيح من (ولي الأمر) الذي هو المُرشد.

هذه الازدواجية بين الدولة والثورة، والتي كتب عنها لينين وتروتسكي ودوبريه وحذروا منها ومن أخطارها ومفاجآتها وتعريفاتها وإسقاطاتها، هي الورطة الكبيرة في إيران الآن وهي مضحّة الأزمات السياسية الداخلية وهي جذر التحالفات السياسية الداخلية وربما تتحول إلى أن تكون التهديد الرئيس للنظام برمته.

ومن يدرس فترة 1979 – 2013 لا يحتاج لكثير ذكاء كي يتوصل إلى أن التهديد الخارجي ليس هو بالتهديد الرئيس بل ربما من المفيد أحياناً أن يكون هناك تهديد خارجي لكي يتمكن من رص الداخل المتشرذم، لكن مشكلة التهديد الداخلي المتفرعة عن ازدواجية الدولة والثورة هي المشكلة التي تتسبب في تقاطبات داخلية جد خطيرة.

 

حوار الملالي في الداخل

هل نأخذ هذه الانقسامات الإعلامية في النظام مأخذ الجد؟ هذا الكلام المتكرر عن معسكر المحافظين ومعسكر الإصلاحيين هل هو انقسام فعلي؟ أم مقصود؟ هل هو توزيع أدوار؟

من يقرأ في تاريخ إيران المعاصرة وتاريخ الحوزات بالذات وتاريخ التشيع كخط سياسي، سيلاحظ ظاهرة بارزة وهي ظاهرة (الحوار الداخلي) الشفهي أحياناً والمكتوب أحياناً أخرى، ولأن الشيعة أقلية صغيرة في بحر سُنّي (العالم الإسلامي) ومحيط سُنّي نشطت في دواخلهم حركات حوار وذلك لامتصاص أي احتقان داخلي والحفاظ على وحدة الطائفة ومن ثم مكانتها وقوتها. من هنا نشأت لدى الشيعة – عبر التاريخ – قابلية هائلة للمطارحات الفكرية والجدلية ومن هنا أيضاً اهتمت الحوزات بتدريس (علم المنطق) والجدل.

ولو قارنا بين تجربة (الأفغان) وتجربة إيران سنلاحظ التالي: أن الأفغان كانوا أكثر ميلاً للاقتتال الداخلي من الإيرانيين ذلك لأن الأعراف الأفغانية (السنية) لم ترسخ (الحوار) كآلية لحل المشاكل الخاصة بهم، بينما سنلاحظ أن الإيرانيين، برغم اختلافاتهم واجتهاداتهم، امتصوا كل تقاطعاتهم أو جلّها عبر (تعدد مراكز القرار) في الدولة التي أقاموها من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء ومجلس الأمن القومي ومجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس الخبراء وغير ذلك. هذه المروحة الواسعة من المجالس ذات العلاقة بالقرار ووضعه لا شك تساعد على تشتيت الاحتقان الداخلي وتفكيك الأزمات الداخلية، خاصة أزمات الرأي والاتجاه السياسي بحيث تجد كل أطياف الطائفة مجالاً للتعبير عن قراءتها للمشهد الإيراني المعيش.

 

موضوعان يهددان النظام بإيران

أول المواضيع التي تؤرق قادة النظام بطهران: الضغط الاقتصادي عليه سواء عن طريق العقوبات الاقتصادية ومقاطعة شراء النفط الإيراني وغير ذلك من أساليب الضغط الاقتصادي.

وثانيهما: الإقصاء الشعبي وتهميش الأقليات أو اضطهادها كأهل السُنّة والجماعة والعرب والكرد والبلوش والتركمان والنُخب السياسية المختلفة مع النظام.

تقول الباحثة في الشؤون الإيرانية الاقتصادية روكسان فرمايان:

«نتيجة العقوبات الاقتصادية الأخيرة والمعمول بها الآن 2013 هبطت العُملة الإيرانية بنسبة 40٪ وانخفضت عائدات إيران النفطية بنسبة النصف 50٪ والذي يتضرّر من ذلك في الأساس شريحة الشباب تحت سن الثلاثين الذين يشكلون 70٪ من العاطلين عن العمل»، وتضيف فرمايان: «أصبح العراق – المالكي شريكاً تجارياً قوياً برغم العقوبات التي ترزح تحتها إيران بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حالياً (2013) 12 مليار دولار ويتوقع أن يصل إلى 25 مليار دولار».

فالنظام إذن يبحث عن مخارج ليلتف على العقوبات الاقتصادية ولا شك أنه حقق قدراً من النجاح خاصة بعلاقاته النشطة بروسيا والصين والهند وفنزويلا ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي التي هو عضو فيها.

وحسب دراسة د. وليد عبدالحي «إيران.. مستقبل المكانة الإقليمية عام 2020»، فإن مجلس تشخيص مصلحة النظام أعدّ مشروع (رؤية 2025) يستهدف تحويل إيران إلى قوة مركزية في الشرق الأوسط وجنوب غربي آسيا التي تشمل 25 دولة (آسيا الوسطى وتركيا وباكستان وأفغانستان وتضم كذلك الدول العربية اليمن والعراق وعمان وسورية والسعودية والأردن والإمارات وفلسطين والكويت وقطر ولبنان والبحرين ومصر)، أي أنها تمتد من مصر إلى اليمن إلى باكستان إلى قرقيزيا إلى أرمينيا. وتتضمن الوثيقة التي أعدّها (مجلس تشخيص مصلحة النظام) خططاً بعيدة المدى للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية، وتقول الوثيقة إن هذه المنطقة – غرب آسيا – تضم 530 مليون نسمة ومساحة 12 مليون كلم مربع وعلى إيران أن تكون الأولى بين دول هذه المنطقة. وتقوم (الرؤية) على أن المتغيّر المركزي لتحقيق المكانة الإقليمية هو (معدل النمو الاقتصادي) ولضمان الفوز لا بد أن يكون معدّل النمو الإيراني اقتصادياً في حدود 8٪ عام 2025 وترى الخطة أن اتجاه النمو الإيراني منذ 1995 إلى 2002 يشير إلى إمكانية تحقيق ذلك، وتفترض هذه الرؤية أن التوجه الدولي العام يسير نحو تصالح تدريجي بين إيران والقوى الدولية الكبرى وبالأخص مع الولايات المتحدة (مفاوضات جنيف 5+1) خاصة بعد أن ضمنت إيران تعاون روسيا والصين في مجلس الأمن.

 

الشُحنة الدينية في إيران

الذي يزور إيران ويكرر الزيارات لها كما فعلت 1970-2007 ويختلط بالإيرانيين مسؤولين وغير مسؤولين، حكومة وشعباً، يلاحظ أنهم – في العموم – محبّون للاستمتاع بالحياة الدنيا كثيراً وأن طبيعتهم ميالة للفرح والاحتفال والطعام الرهيف والمركب الوطني ويعشقون الثراء ومظاهره، ولم ألاحظ عليهم محبتهم للتدين وأهله، وما حصل في عام 1949 من ثورة على الشاه وهي ثورة لها مبرراتها ومسوّغاتها الموضوعية حقنت الإيرانيين حقناً بـ(شُحنة دينية) فوق طاقتهم وطبيعتهم. ربما تحمّل الإيرانيون في السنوات الأولى من الثورة وخلال الحرب مع العراق 1980-1988 هذه الشحنة الدينية لتبرير الصمود والمواجهة مع العراق، لكن بعد أن توقفت الحرب وباشر الرئيس رفسنجاني مرحلة البناء وحقق درجة من النجاح في هذا السياق، بدأ الإيرانيون يكتشفون أن الملالي ألبسوهم لباساً غريباً على طبيعتهم (الليبرالية) إذا جاز التعبير، وبدأ (الباطن) يزاحم (الظاهر) في الشوارع والمطاعم والجامعات والمدارس والوزارات وغيره، وبدأ الجمهور الإيراني يظهر على حقيقته التي تنافي التشدد الديني في أي صورة من الصور. ولأن النظام يستند في مقولته وجدله وفكره بل وفي ثورته على نظرية (الولي الفقيه) و(ولي أمر المسلمين كافة) كما ينص الدستور الإيراني راح يفرض على عموم الناس والمجتمع كافة هذه الشحنة الدينية الضاغطة. وحدث في إيران صراع إرادات: إرادة الدولة والنظام الذي يستقوي بنظرية (الولي الفقيه) وما يستتبعها من واجبات والتزامات بروتوكولية وإرادة مجتمع لم يعتد في أي مرحلة من تاريخه على التدين وأهله في أي صيغة من صيغه، وسنلاحظ في إيران اليوم الهوة التي تتسع بين الإرادتين وتفاقمت من هذا الاتساع الأزمات المعيشية الخانقة (خاصة البطالة في قطاع الشباب كما فصّلت بها روكسان فرمايان الباحثة الأمريكية من أصل إيراني).

 

مشكلة المخدّرات والبغاء

في هذا الجو من الإحباط المعيشي (بطالة وغلاء) نتيجة العقوبات وتسلّط الملالي على المستويات الهيكلية في الدولة والأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة بدأت تتمخض وتتعاظم مشكلة المخدرات والبغاء والدعارة، وهي مشكلة بلغت حجماً خطيراً ومؤذياً دفع إيران دفعاً إلى طرق أبواب الدول الأوروبية لمعالجتها والاستفادة من خبراتها في ذلك المجال.

وفي تقرير (نشرته BBC وبثّته) وجّهه حجة الإسلام محمد علي زام، رئيس الشؤون الثقافية والفنية في بلدية طهران، وهو يُعدّ شخصية ذات نفوذ في طهران: يقول التقرير إن إدمان المخدرات في طهران ينتشر بين تلاميذ المدارس وأن هناك نحو مليوني مدمن على المخدرات في العاصمة كما أن الدعارة بين التلميذات زادت بنسبة 63,5 ٪ وحالات الانتحار تجاوزت 10,9 ٪  ويقول محمد زام في تقريره – الذي ناقشته الصحافة الإيرانية – إن معدّل سن من يمارس الدعارة انخفض من سن 27 إلى سن 20 خلال السنوات الأخيرة وقال إن معظم الفتيات الهاربات لأسباب اقتصادية من بيوتهن ينتهي بهن الأمر إلى ممارسة الدعارة.

ويقول التقرير أيضاً إن 75 ٪ من عدد السكان (حوالي 80 مليونا) لا يؤدون الصلاة، وقال رضا عزّام، المعلق في (بي.بي.سي)، إن نشر التقرير في الجرائد صدم كثيراً من الإيرانيين، وقال الأستاذ الجامعي حسن بولخاري، وهو مستشار لوزارة التعليم، إن هذا التقرير ما هو إلا انعكاس لواقع مرّ في المجتمع الطهراني، ويقول محمد زام، في تقريره المشار إليه، إن 12 مليوناً من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، وتقول جميلة كاديفار، عضو مجلس الشورى (البرلمان)، إن مبعث قلقنا الرئيسي يكمن في انتشار هذا الداء (المخدرات والدعارة) بهذه الصورة في المدارس، وهو يعدّ أحد مظاهر الفشل الكبير للثورة ونظامها. ويقول مسؤولون حكوميون إن ظاهرة الدعارة بالمدارس بالخصوص تسيء إلى (الثورة الإسلامية) وتقدم صورة قبيحة عنها وأن هذه الشبكات تصدر فتيات إيرانيات للعمل في الدعارة في دول خليجية وفي أوروبا وأن هذه العملية تحولت إلى نوع من الرقيق الأبيض وتشمل فتيات قاصرات.

ليس القصد من نشر تقرير السيد زام، الذي بثته BBC وناقشته الصحافة الإيرانية، تشويه صورة الوضع في إيران لكن القصد أن نبيّن أن (الشُحنة الدينية) التي يدّعيها (نظام الثورة) يتم تطبيقها في غير محلّها وأن تصاعد مشكلة المخدرات والدعارة في إيران بهذه الصورة دليل على فشل مشروع الثورة الاجتماعي، الذي ركّز أكثر من اللازم على التوسع في الخارج والتدخل في شؤون الدول المجاورة، وتشكيل وتمويل ميليشيات الذبح في العراق ولبنان وسورية والإنفاق على الحروب الإقليمية في سورية والعراق ولبنان واليمن، عوضاً عن الاهتمام بالمجتمعات الإيرانية المتدهورة.

كيف الخروج من هذه الورطة الإيرانية وهذه المأساة؟

من الواضح أن الهوّة بين مشروع (الولي الفقيه) وعموم الجمهور الإيراني آخذة في الاتساع لكن في تصوري أن الفريق الحاكم يتعاطى السياسة بحرفية ملحوظة ويوزع الأدوار بين أطرافه بمهنية مشهودة قد تمكنه من تجاوز الإخفاق في المشروع الاجتماعي للثورة الإيرانية.

 

نافذتان

 

مشكلة المشاكل في تركيبة النظام بإيران هي الازدواجية بين الثورة والدولة.. هذا التداخل مسنود من واقع تعيشه إيران وبنصوص الدستور الإيراني

 

لأن الشيعة أقلية صغيرة في بحر سُنّي نشطت داخلهم حركات حوار لامتصاص أي احتقان داخلي والحفاظ على وحدة الطائفة ومن ثم مكانتها وقوتها

 

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى