حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف
الرئيسيةتقاريررياضة

دماء في المدرجات.. كيف تحولت الملاعب المغربية إلى ساحات حرب أسبوعية؟

تحقيق في أزمة الشغب المزمنة وأرقام صادمة للمتورطين وفشل ذريع في إيجاد الحلول

إعداد: سفيان أندجار

مقالات ذات صلة

 

لم تعد الملاعب مجرد فضاء رياضي، بل هي انعكاس لمجتمع يعيش أزمات متعددة. كثير من الشباب الذين يملؤون المدرجات يجدون في التشجيع فرصة للتعبير عن غضبهم المكبوت. كرة القدم تصبح بالنسبة إليهم أكثر من مجرد لعبة؛ إنها هوية بديلة، مساحة يفرغون فيها إحباطاتهم. بل يتحول الانتماء للنادي إلى قضية وجودية، حيث يصبح الفوز أو الخسارة مسألة مصيرية، وأي شرارة صغيرة قد تكفي لإشعال الفوضى واشتباكات، وإصابات خطيرة وهو ما يدفع إلى طرح السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، لماذا يستمر هذا الشغب، رغم كل الوعود والإجراءات التي اتخذتها الاتحادات والأجهزة الأمنية؟ ولماذا تعاني البطولة الوطنية من فشل في احتواء هذا الشغب، الذي ينبعث كل موسم أشد قوة من سابقه، ولهذا تحاول «الأخبار» في تحقيقها الإحاطة بالظاهرة من كل الجوانب.

 

 

الانتماء الذي يتحول إلى هوس

حين يتجاوز الانتماء الرياضي حدود العقلانية يصبح خطيرا، إذ يشعر المشجع أنه جزء من «قبيلة» النادي، وأن الدفاع عنه واجب مقدس لا يقبل المساومة. هذا الانتماء يتغذى على مشاعر جماعية قوية، حيث يذوب الفرد في الجماعة، ويصبح سلوكه انعكاسا لروحها لا لوعيه الفردي. الأدرينالين الذي يرافق المباريات يرفع مستوى التوتر النفسي، فيتحول الحماس إلى اندفاع غير محسوب، وتصبح أي حركة أو هتاف من الطرف الآخر بمثابة استفزاز يستوجب الرد الفوري.

في هذا السياق، أضافت مجموعات «الألتراس» طبقة أخرى من التعقيد. هذه المجموعات لا تُشجع بشكل عفوي، بل تنظم نفسها وفق قواعد صارمة، أشبه بالتنظيمات شبه العسكرية. لديها هياكل قيادية، شعارات خاصة، أناشيد جماعية، وأحيانا رموز بصرية تحمل دلالات سياسية أو اجتماعية. الألتراس لا يكتفون بالتشجيع، بل يعتبرون أنفسهم حماة هوية النادي، ويحولون المدرجات إلى مسرح استعراض للقوة والانتماء. هذا التنظيم يجعلهم أكثر قدرة على إشعال الأجواء، سواء عبر هتافات جماعية نارية، أو عبر مواجهات مباشرة مع جماهير الخصم.

ثقافة الألتراس تقوم على فكرة «الولاء المطلق»، حيث يصبح الانتماء للنادي جزءا من هوية الفرد، بل يتجاوز أحيانا الانتماء الاجتماعي. في كثير من الحالات، تتحول هذه الثقافة إلى مواجهة مفتوحة مع الخصوم، إذ ينظر إلى كل مباراة على أنها معركة رمزية يجب الانتصار فيها بأي وسيلة.

الألتراس أيضا يضفون على الشغب طابعا منظما؛ فهم لا يكتفون بردود فعل عفوية، بل يخططون أحيانا لمواجهات مسبقة، سواء داخل الملاعب أو خارجها. هذا التنظيم يجعل من الصعب على الأجهزة الأمنية السيطرة على الوضع، لأن المواجهة لا تكون مجرد انفجار غضب لحظي، بل هي فعل جماعي مدروس.

يرى بعض الباحثين في علم الاجتماع الرياضي أن الألتراس يمثلون «ثقافة مضادة» داخل الرياضة، حيث يرفضون الانصياع للقوانين الرسمية ويخلقون قوانينهم الخاصة، ما يجعلهم في حالة صدام دائم مع السلطات.

من هنا، يصبح الشغب المرتبط بالألتراس أكثر خطورة من غيره، لأنه ليس مجرد رد فعل فردي، بل ظاهرة جماعية لها جذور ثقافية وتنظيمية. مواجهة هذه الظاهرة تتطلب فهما عميقا لبنية الألتراس، لرموزهم، لخطابهم، وللدور الذي يلعبونه في حياة الشباب. فالمشكلة ليست فقط في العنف الذي يمارسونه، بل في الثقافة التي تشرع هذا العنف وتعتبره جزءا من هوية التشجيع.

خلال العقد الأخير، تحولت الملاعب الوطنية المغربية إلى مسرح متكرر لأعمال الشغب التي تكشف عن ثغرات تنظيمية وأمنية عميقة. ورغم الجهود المبذولة، فإن الأرقام الرسمية بين 2019 و2023 وحدها تشير إلى معالجة أكثر من 1473 قضية شغب، ومتابعة ما يزيد على 3028 شخصا، بينهم 686 حدثا، مع تسجيل أكثر من 1000 حالة اعتقال مباشر. أما بين 2022 و2024، فقد ارتفع الرقم إلى نحو 2745 حالة شغب رياضي، مع إحالة 680 قاصرا إلى القضاء واعتقال أكثر من 1000 شخص، إضافة إلى إصابة 74 رجل أمن خلال التدخلات.

الملاعب نفسها تكشف عن هشاشة تنظيمية؛ مداخل مزدحمة، غياب كاميرات مراقبة ذكية، ونقص في فرق التدخل السريع، تجعل السيطرة على الجماهير مهمة شبه مستحيلة. قوات الأمن تعتمد على أساليب تقليدية أمام جمهور ضخم، فيما يظل مثيرو الشغب قادرين على الإفلات من العقاب، ما يفتح الباب أم تكرار التجاوزات. أحد رجال الأمن وصف الوضع بدقة حين قال: «نحن نطفئ الحرائق أكثر مما نمنعها». هذه العبارة تختصر المعضلة: التدخل الأمني يظل رد فعل متأخر، لا وقاية استباقية.

 

 

التنظيم يغذي الشغب

يعتبر الجانب التنظيمي في كرة القدم الوطنية أحد أبرز العوامل التي تغذي الشغب وتجعله أكثر تعقيدا. فالأندية غالبا ما تضع الأرباح في مقدمة أولوياتها، سواء من خلال بيع التذاكر، أو عقود الإعلانات والرعاية، بينما تهمل سلامة الجمهور، كأنها مجرد بند ثانوي. هذا التركيز على العائد المالي يجعل المدرجات مزدحمة بلا تنظيم، ويتيح للسوق السوداء أن تزدهر، حيث تباع التذاكر بأسعار مضاعفة وتصل إلى جماهير غير منضبطة، بلا أي رقابة أو فرز. النتيجة أن الملاعب تستقبل أعدادا تفوق قدرتها الاستيعابية، ما يزيد من احتمالات الفوضى والعنف.

وحسب الخبراء في مجال الكروي المغربي، فإن الأموال تصرف بسخاء على اللاعبين وصفقات الانتقالات، في حين يُهمل الاستثمار في التوعية والتربية الرياضية. ويتحدث الخبراء في هذا الصدد: «لا نجد ميزانيات مخصصة لحملات تثقيفية أو برامج تربوية تستهدف الشباب والمراهقين، رغم أن الأرقام الرسمية تشير إلى تورط مئات القاصرين في أعمال الشغب خلال السنوات الأخيرة. هذا الخلل في توزيع الموارد يعكس عقلية تجارية بحتة، حيث ينظر إلى الجمهور كوسيلة لتحقيق الأرباح، لا كشريك أساسي في صناعة المتعة الرياضية».

يلخص الخبراء بكون غياب الشفافية في إدارة الموارد المالية للأندية يفاقم الأزمة. بعض الأندية تستغل الشعبية الجارفة لجماهيرها لتحقيق مكاسب مالية، لكنها لا تستثمر في تحسين البنية التحتية للملاعب. وهكذا يصبح الجمهور مجرد رقم في معادلة الربح والخسارة، بينما تترك الملاعب عرضة للفوضى. هذه المعطيات تؤكد أن معالجة الشغب لا يمكن أن تنجح دون إعادة النظر في البعد الاقتصادي للرياضة، بحيث يعاد التوازن بين الربح المادي والمسؤولية الاجتماعية.

 

المسؤولون أداة لإشعال الفتنة

بعض المسؤولين الكرويين يكونون بدورهم أداة في إشعال الفتنة بين الجماهير وإذكاء هذه الفتنة عبر تصريحات غير مسؤولة. حين يخرج رئيس ناد، أو مسؤول رياضي بتصريح يشكك في نزاهة التحكيم، أو يهاجم جماهير الخصم، فإن ذلك يترجم مباشرة في المدرجات إلى غضب واحتقان.

تستغل هذه التصريحات من قبل الجماهير كذريعة لتبرير العنف، وتغذي شعورا بالظلم والعداء. الإعلام بدوره يلتقط هذه التصريحات ويضخمها، فيتحول النقاش الرياضي إلى ساحة مشحونة بالاتهامات والتهديدات.

لا يكتفي الإعلام الرياضي المغربي بنقل المباريات وزيادة شعبيتها فحسب، فبدلا من أن يكون وسيطا للتثقيف ونشر الروح الرياضية، ينزلق بعض الصحفيين والمحللين إلى خطاب تحريضي، حيث تطلق تصريحات نارية تذكي الصراع بين الأندية وتحول المنافسة الرياضية إلى مواجهة اجتماعية. التركيز المبالغ فيه على مشاهد العنف، وإعادة بثها بشكل متكرر، يمنحها شهرة غير مرغوبة ويجعلها جزءا من «الفرجة»، وكأن الشغب نفسه أصبح مادة إعلامية مربحة.

وغياب حملات توعية إعلامية جادة يزيد الطين بلة، إذ يظل الخطاب الرياضي أحادي البعد، يلهث وراء الإثارة والسبق الصحفي، دون أن يضع في الاعتبار مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية.

 

لماذا فشلت الحلول السابقة؟

فشل الحلول السابقة في مواجهة الشغب بالملاعب لم يكن صدفة، بل نتيجة تراكمات واضحة. منها غياب التنسيق بين المؤسسات جعل كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر؛ لجنة الانضباط تضع قوانينها، الأجهزة الأمنية تتدخل بطريقتها، الإعلام يلهث وراء الإثارة، والأندية تبحث عن الأرباح، دون وجود خطة مشتركة أو رؤية موحدة. هذا التشتت جعل الإجراءات متقطعة وغير متكاملة، وبالتالي غير فعالة.

كما أن ضعف الاستمرارية كان عاملا حاسما. كثير من الحملات التوعوية أو العقوبات تُطلق كرد فعل على حادثة معينة، لكنها سرعان ما تتلاشى بعد أسابيع أو أشهر، وكأنها مجرد مبادرات موسمية لا تحمل نفسا طويلا. غياب الاستمرارية جعل الجمهور يدرك أن العقوبات ليست جدية، وأن الالتزام بالقوانين ليس إلزاميا على المدى الطويل.

كما أن التركيز المفرط على الحل الأمني وحده أدى إلى إهمال الجذور الاجتماعية والنفسية للظاهرة. الأمن قادر على التدخل بعد وقوع الأحداث، لكنه من الصعب عليه معالجة الأسباب العميقة التي تُشرعن العنف، كما أن هناك مقاومة ثقافية متجذرة. بعض الجماهير ترى في الشغب جزءا من «ثقافة التشجيع»، بل تعتبر وسيلة لإثبات الولاء للنادي، أو لإظهار القوة أمام الخصوم. هذه الثقافة تجعل أي محاولة إصلاح تواجه رفضا ضمنيا من فئات واسعة من المشجعين، الذين يعتبرون الفوضى جزءا من هوية المدرجات.

 

أين المخرج من هذه المعضلة؟

الحلول الممكنة لمواجهة الشغب في الملاعب ليست مجرد إجراءات تقنية أو أمنية، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يحتاج إلى رؤية شمولية. إذ تأتي  التربية الرياضية في المقدمة، فهي قادرة على بناء جيل جديد من المشجعين الذين يفهمون أن كرة القدم متعة جماعية وليست ساحة صراع، مع ضرورة إدماج قيم الروح الرياضية في المناهج الدراسية، وتنظيم حملات توعية تشارك فيها الأندية واللاعبون أنفسهم، يمكن أن تخلق ثقافة جديدة لدى الشباب، حيث يصبح التشجيع فعلا إيجابيا لا عدوانيا.

من جهة أخرى، التنظيم الأمني يجب أن يتجاوز الأساليب التقليدية. الملاعب بحاجة إلى تحديث شامل للبنية التحتية، من كاميرات مراقبة ذكية إلى بوابات إلكترونية تنظم الدخول والخروج وتقلل من الاحتكاك. كما أن تدريب قوات الأمن على التعامل النفسي مع الجماهير ضروري، لأن السيطرة على الحشود لا تعتمد فقط على القوة، بل على فهم ديناميكياتها وسلوكياتها.

بدوره القانون يجب أن يكون صارما وواضحا، بحيث يفرض عقوبات مالية على الأندية التي تفشل في ضبط جماهيرها، ويمنع مثيري الشغب من دخول الملاعب لفترات طويلة. تطبيق القانون بشكل متواصل، لا موسمي، هو ما يمنح الرسالة قوة ويجعل العقوبة رادعة بالفعل.

الإعلام أيضا يتحمل مسؤولية كبيرة، فعليه أن يتحول من الإثارة إلى التوعية، وأن يخصص مساحة لنشر ثقافة الروح الرياضية بدلا من تضخيم مشاهد العنف. خطاب إعلامي مسؤول يمكن أن يساهم في تهدئة الأجواء بدلا من إشعالها، خاصة إذا تجنب التصريحات النارية التي تؤجج الفتنة.

المجتمع نفسه يجب أن يكون جزءا من الحل. إشراك الجماهير في روابط مسؤولة، وتنظيم مبادرات اجتماعية خارج الملاعب، يعززان فكرة أن التشجيع هو احتفال جماعي لا ساحة صراع.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى