حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةالملف السياسيسياسية

رهانات الحوار الاجتماعي….كلفته المالية ستتجاوز 49 مليار درهم سنة 2027

مع اقتراب نهاية ولايتها، بادرت الحكومة، في إطار مأسسة الحوار الاجتماعي وتفعيلا للميثاق الوطني، إلى دعوة النقابات الأكثر تمثيلية والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية إلى سلسلة من الاجتماعات ضمن جولة أبريل 2026، ترأسها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش.

ويعتبر ورش مراجعة مدونة الشغل أهم مشروع مطروح على جدول أعمال آخر جولة من الحوار الاجتماعي، حيث سيتم تخفيض ساعات عمل حراس الأمن الخاص من 12 إلى 8 ساعات، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات وتدابير لتحسين أجور ودخل الموظفين والأجراء بالقطاع الخاص، لكن هناك ملفات ستبقى عالقة دون الحسم فيها، على رأسها إصلاح أنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس، وكذلك إخراج قانون النقابات على غرار قانون الأحزاب السياسية، حيث تم استبعاد هذا المشروع من أجندة الحوار بطلب من زعماء النقابات.

 

إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي

كلفة الحوار الاجتماعي ستصل إلى 497 مليارا مطلع سنة 2027

 

قطع الحوار الاجتماعي أشواطا مهمة بفضل اتفاق 30 أبريل 2022، وذلك من خلال المأسسة التي جعلت الحكومة والنقابات الأكثر تمثيلية وممثلي المقاولات يداومون على الحوار من أجل إيجاد حلول للمشاكل المطروحة طيلة السنوات الأربع الأخيرة.

 

مأسسة الحوار الاجتماعي

أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، على أن إرادة الحكومة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين تبلورت بشكل واضح في مختلف جولات الحوار الاجتماعي، ما مكن من بلورة تعاقدات هامة شملت العديد من الفئات، في مقدمتها موظفو قطاع التعليم الذين «طالهم الحيف لمدة ناهزت ثلاثة عقود»، قبل أن تتم الاستجابة لمطالبهم المشروعة في عهد الحكومة الحالية، في أفق إرساء أسس مدرسة مغربية قوية وتثمين رأسمالها البشري.

وأكد الوزير أن الحكومة عالجت، بشكل مسؤول، مشاكل عمرت في قطاعات عديدة، على غرار قطاعي التعليم العالي والصحة، على أن تواصل الحوارات القطاعية من أجل استكمال البناء مع الفرقاء. وأوضح السكوري أن الحكومة تولي اهتماما خاصا لمطالب الأجراء في القطاع الخاص، حيث تعمل، من خلال مختلف الإجراءات والإصلاحات، على توفير شروط العمل اللائق لهم، وفقا للتوجيهات الملكية السامية. وتابع الوزير أن الإرادة الجماعية، التي انبثقت من مصداقية الحوار الاجتماعي، تمثل المكسب الأهم بالنسبة للمغرب، مشددا على أن الحوار والتوافق هما السبيل لتذليل الصعاب والقيام بالإصلاحات اللازمة، على الرغم من الإكراهات.

وبادرت الحكومة، في إطار مأسسة الحوار الاجتماعي وتفعيلا للميثاق الوطني، إلى دعوة النقابات الأكثر تمثيلية والاتحاد العام لمقاولات المغرب والكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية إلى سلسلة من الاجتماعات، ضمن جولة أبريل 2026، ترأسها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش.

وخلال هذه الاجتماعات، قدم رئيس الحكومة حصيلة مفصلة لنتائج دورات الحوار الاجتماعي المنعقدة طيلة هذه الولاية الحكومية. وتهم هذه الحصيلة على مستوى القطاع العام، أساسا، صرف الزيادة العامة في الأجور المحددة في مبلغ شهري صاف قدره 1000 درهم على مرحلتين، والتي استفاد منها موظفو الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، إضافة إلى الرفع من قيمة التعويضات العائلية وتحسين حصيص الترقي، فضلا عن الرفع من الحد الأدنى للأجر بهذا القطاع، إذ فاقت الكلفة المالية السنوية لهذه الإجراءات 14,8 مليار درهم.

 

تحسين دخل الموظفين والأجراء

عملت الحكومة، بفضل الحوارات القطاعية، على تنفيذ مجموعة من الإجراءات مكنت من تحسين دخل الموظفين، سيما في قطاع التربية الوطنية، بكلفة مالية تجاوزت 18,47 مليار درهم، وقطاع الصحة بانعكاس مالي سنوي ناهز 4 مليارات درهم، وكذا قطاع التعليم العالي بكلفة مالية سنوية بلغت ملياري درهم.

ومكنت هذه الإجراءات من الرفع من المتوسط الشهري الصافي للأجور في القطاع العام، حيث انتقل من 8.237 درهما سنة 2021 إلى 10.600 درهم سنة 2025 أي بزيادة إجمالية ناهزت 29 بالمائة، بالإضافة إلى الرفع من الحد الأدنى الصافي الشهري للأجور، الذي انتقل من 3.258 درهما إلى 4.500 درهم، لتبلغ، بالتالي، الكلفة المالية الإجمالية السنوية لكافة الإجراءات المتخذة لفائدة القطاع العام، بما فيها الإجراءات المتعلقة بمراجعة الضريبة على الدخل، ما يناهز 48,3 مليار درهم متم سنة 2026، وستصل إلى 49,7 مليار درهم سنة 2027.

وعلى مستوى القطاع الخاص، تم الرفع من الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة غير الفلاحية (SMIG) بنسبة 20 بالمائة، حيث انتقل الأجر الشهري الصافي من 2.828,71 درهما، قبل سنة 2021، إلى 3.422,72 درهما، ابتداء من فاتح يناير 2026، أي بزيادة شهرية تقدر بـ594,01 درهما.

وتمت، كذلك، الزيادة في الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة الفلاحية (SMAG) بنسبة 25 بالمائة، إذ انتقل الأجر الشهري الصافي من 1.994,2 درهما، قبل سنة 2021، إلى 2.533,44 درهما، ابتداء من فاتح أبريل 2026، أي بزيادة شهرية تقدر بـ539,24 درهما.

 

الحماية الاجتماعية

في الشق المتعلق بالحماية الاجتماعية، استفاد المؤمن لهم المتوفرون على 1.320 يوما، لأول مرة، من معاش الشيخوخة، بفضل تخفيض شرط أيام التأمين للاستفادة من 3240 إلى 1320 يوما، وذلك بأثر رجعي يشمل المؤمن لهم الذين أحيلوا على التقاعد بتاريخ 01 يناير 2023.

وجرى، أيضا، تمكين المؤمن لهم البالغين السن القانوني للإحالة على التقاعد والمتوفرين على أقل من 1320 يوم اشتراك، أو ذوي حقوقهم في حالة الوفاة، من استرجاع حصة اشتراكات المشغل، بالإضافة إلى حصة الاشتراكات الأجرية، كما كان معمولا به سابقا.

وتمت، كذلك، مراجعة نظام الضريبة على الدخل بالنسبة للشغيلة في القطاعين العام والخاص، بكلفة فاقت 7,6 مليارات درهم، مكنت من تحسين دخل مختلف الفئات بأكثر من 400 درهم. وستعمل الحكومة على مواصلة النقاش مع مختلف الفرقاء الاجتماعيين بخصوص إصلاح الضريبة على الدخل.

 

معالجة الملفات العالقة

استجابة لمختلف المطالب، التي تقدم بها الشركاء الاجتماعيون والاقتصاديون، جددت الحكومة، حسب بلاغها، عزمها على مواصلة تنفيذ الالتزامات المضمنة في الاتفاقات الاجتماعية وفتح النقاش بخصوص القضايا الراهنة.

والتزمت الحكومة بتسريع معالجة الملفات التي طرحها مختلف الفرقاء الاجتماعيين عبر الحوار، سيما القضايا التي عبرت عنها بعض الهيئات (المهندسون، المتصرفون، التقنيون،..) بخصوص أنظمتها الأساسية من أجل تحسين ظروف عملها وذلك قبل نهاية الولاية الحكومية.

وجرى الاتفاق، أيضا، على إدخال تعديل على القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل لتخفيض ساعات العمل اليومية من 12 ساعة إلى 8 ساعات للأجراء أعوان الحراسة المرتبطين بعقد شغل مع شركات الحراسة الخاضعة لمقتضيات القانون رقم 27.06 المتعلق بأعمال الحراسة ونقل الأموال. مع الأخذ بعين الاعتبار سنة 2027 تاريخا لدخوله حيز التنفيذ.

وبشأن إصلاح أنظمة التقاعد، وتبعا لاتفاق 29 أبريل 2024، عقدت اللجنة الوطنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد اجتماعا خصص لوضع التصور العام لهذا الإصلاح. وفي هذا الصدد عقدت اللجنة التقنية المنبثقة عن اللجنة الوطنية سالفة الذكر عدة اجتماعات خصصت للاتفاق على منهجية العمل، ثم تشخيص الوضعية المالية الحالية لكل نظام على حدة.

من جهة أخرى التزمت الحكومة بفتح نقاش شامل ودقيق لفئة المتقاعدين المستفيدين من معاش يقل مبلغه عن الحد الأدنى للأجر، وسيتم تدبير التكوين المهني المستمر بالقطاع الخاص من خلال وضع هيكلة جديدة من أجل تحسين حكامته وضبط آليات تدبيره.

قانون افتحاص النقابات خارج جدول أعمال الحوار الاجتماعي

 

في الوقت الذي مررت الحكومة قانون الإضراب، مازالت النقابات تُمارس أنشطتها بدون قانون ينظمها، ويعطي صلاحيات للمجلس الأعلى للحسابات من أجل افتحاص ماليتها، علما أنها تستفيد على غرار الأحزاب السياسية من الدعم الذي تصرفه الدولة من المال العام لتمويل حملاتها الانتخابية في الانتخابات المهنية والتشريعية بمجلس المستشارين.

 

نقابات بدون قانون

يبدو أن  الحكومة مع اقتراب نهاية ولايتها، تواجه مهمة صعبة في إخراج القانون التنظيمي للنقابات، الذي سيضبط الحقل النقابي، وذلك بعدما عجزت الحكومتان السابقتان عن تمرير هذا القانون، بحيث يرفض الكتاب العامون للمركزيات النقابية إدراج هذه النقطة في جدول أعمال الحوار الاجتماعي، بعدما تقدموا سابقا بطلب لمنحهم مهلة لتقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم بخصوص هذا القانون، وذلك من أجل ربح المزيد من الوقت إلى حين نهاية الولاية الحكومية الحالية.

وينص الفصل 8 من الدستور على وضع القانون المتعلق بالنقابات على غرار قانون الأحزاب، يحدد القواعد المتعلقة بتأسيس المنظمات النقابية وأنشطتها، وكذا معايير تخويلها الدعم المالي للدولة، وكيفيات مراقبة تمويلها، وأوضحت أن هذا الفصل بالإضافة إلى تأسيسه للخطوط العريضة للحرية والمطابقة والدمقرطة، يحيل كذلك على القانون الذي سينظم القواعد المنظمة لتأسيس المنظمات النقابية ومعايير تحويل الدعم المالي للدولة ومراقبة هذه النقابات، وبالتالي فإن دستور 2011، حدد الخطوط العريضة لهذا القانون وبالتالي الحكومة ملزمة بتسريع إخراج قانون النقابات إلى حيز الوجود، إضافة إلى ذلك فإن الدستور تضمن مقتضيات ضمن الفصل 9، التي تحدد الضمانات القضائية المتعلقة بالحل أو التوقيف، وهذا الفصل جاء لإعطاء ضمانات للمنظمات النقابية لممارسة أنشطتها بطريقة سليمة، كما أن الفصل 29 من الدستور، أسس لمجموعة من المبادئ المرتبطة بالانتماء النقابي.

وفشلت الحكومتان السابقتان في إخراج قانون يهم تنظيم الحياة النقابية وتعزيز الحكامة التنظيمية داخل الجسم النقابي المغربي، وكذلك تعزيز الرقابة المالية من خلال فتح المجال أمام آليات الافتحاص المالي للمركزيات النقابية من طرف قضاة المجلس الأعلى للحسابات على غرار الأحزاب السياسية التي تقدم حساباتها السنوية إلى المجلس، ومازال مشروع القانون محتجزا بمجلس النواب منذ 10 سنوات، بعد مطالبة المركزيات النقابية بسحبه.

 

تحديد ولاية زعماء النقابات

يحدد مشروع القانون المعروض على البرلمان مدة ولاية زعماء النقابات، ويتضمن مقتضيات تهم على الخصوص “كيفية اختيار مرشحي النقابة أو المنظمة الذين سيكلفون بمهام الإدارة والتسيير في مختلف الأجهزة”، و”مدة ولاية الأعضاء المكلفين بالإدارة والتسيير داخل الأجهزة”، و”شروط الانخراط وإقالة واستقالة الأعضاء” وكذا “أحكام تكفل ضمان تمثيلية النساء والشباب في الأجهزة المكلفة بإدارة و تسيير النقابة”، و”الجهاز المكلف بمراقبة مالية النقابة أو المنظمة”، كما أكد على ضرورة احترام مواعيد انعقاد المؤتمرات الوطنية والجهوية والمحلية، مشترطا أن “لا تتجاوز أربع سنوات”، ليردف أن “الفترة الفاصلة بين المؤتمرات العادية لنقابات العمال أو للمنظمات المهنية للمشغلين لا يجب أن لا تتجاوز المدة المنصوص عليها في النظام الأساسي فيما يتعلق بولاية الأعضاء المكلفين بإدارة وتسيير هيكل النقابة أو المنظمة على جميع المستويات”، كما أن النقابات أو المنظمات المهنية، مطالبة بـ”احترام تجديد هياكلها داخل الآجال المقررة في أنظمتها الأساسية تحت طائلة اعتبارها في وضعية غير قانونية وانعدام الأثر القانوني لأي تصرف صادر عنها قبل تسوية وضعيتها”.

ووضع القانون معيارين أمام المنظمة النقابية للعمال من أجل الحصول على صفة  “الأكثر تمثيلية”، يرتبط  المعيار الأول، بحصول النقابة المعنية، على “نسبة 6 في المائة على الأقل من مجموع عدد ممثلي موظفي الدولة والجماعات الترابية ومستخدمي المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري في انتخابات اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء بالقطاع العام، ومن عدد مندوبي الأجراء في الانتخابات المهنية بالقطاع الخاص، على المستوى الوطني”، فيما ينص المعيار الثاني على أن “تكون ممثلة بمجلس المستشارين”، وحدد مشروع القانون أربعة معايير لحصول المنظمة المهنية للمشغلين على صفة “الأكثر تمثيلا على المستوى الوطني”، وهي “الرقم الإجمالي للمعاملات الذي حققه منخرطوها على المستوى الوطني، وعدد مناصب الشغل المصرح بها والتي وفرتها أنشطة منخرطي المنظمة، وحجم تواجدها على مستوى مختلف القطاعات الاقتصادية، وتمثيليتها بمجلس المستشارين”.

 

الافتحاص المالي

ينص مشروع القانون في المادة 100 على أن تمسك “المنظمات النقابية والمهنية للمشغلين، نظاما محاسبيا سنويا”، وبأن “تحتفظ بجميع الوثائق المثبتة لمحاسبة المنظمة لمدة عشر سنوات تبتدئ من التاريخ الذي تحمله هذه الوثائق”، ويلزم القانون النقابات والمنظمات المهنية للمشغلين، بصرف الدعم المالي السنوي الممنوح لهم “في الأغراض التي منح لأجلها”، معتبرا أن “كل استخدام كلي أو جزئي للدعم المالي الممنوح من طرف الدولة لأغراض غير التي منح لأجلها يعد اختلاسا للمال العام يعاقب عليه طبقا للقانون”، وأكد المشروع على أن المجلس الأعلى للحسابات، هو المؤسسة المخول لها “مراقبة صرف الدعم السنوي الذي تستفيد منه المنظمات النقابية الأكثر تمثيلا على الصعيد الوطني”، لينص في هذا الصدد على أن يوجه هذه المنظمات إلى هذه المؤسسة الدستورية، “داخل أجل أقصاه 31 مارس من السنة الموالية للسنة المالية المنصرمة، تقريرا مفصلا عن أوجه استعمال هذا الدعم عن السنة المعينة”، وهذا التقرير “يجب أن يكون مصادقا عليه من لدن خبير محاسب مقيد في جدول هيئة للخبراء المحاسين، ومرفقا بالمستندات التي تثبت النفقات المنجزة برسم السنة المالية المعنية”.

وأوضح مشروع القانون أنه “في حالة عدم توجيه التقرير السنوي داخل الأجل المحدد، أو إذا كانت المستندات التي تم الإدلاء بها غير كافية، أو لا تبرر جزئيا أو كليا استعمال الدعم المحصل عليه في الغايات التي منح من أجلها، يوجه الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات إنذارا إلى رئيس النقابة من أجل تسوية وضعيتها داخل أجل أقصاه 30 يوما، أو إرجاع مبلغ الدعم إلى الخزينة العامة للمملكة”، وأضاف “في حالة عدم استجابة النقابة المعنية لإنذار الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، فإنها تفقد حقها في الاستفادة من الدعم السنوي، كما تفقد حقها في الدعم في حالة عدم عقد مؤتمرها الوطني العادي وفق الآجال المنصوص عليها في نظامها الأساسي، وذلك بعد انصرام أجل أٌقصاه ستة أشهر من التاريخ المحدد لانعقاد المؤتمر”، على أن “تسترجع المنظمة هذا الحق ابتداء من تاريخ تسوية وضعيتها بهذا الخصوص”.

إصلاح التقاعد.. الملف الأثقل فوق طاولة الحوار الاجتماعي

 

 

يعود ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى صدارة النقاش الاجتماعي بالمغرب، في لحظة سياسية دقيقة تتزامن مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية برئاسة عزيز أخنوش، ما يضفي على هذا الورش طابعا مستعجلا وحساسا في آن واحد، بالنظر إلى تداخل أبعاده المالية والاجتماعية والسياسية، وتعقد مساراته التفاوضية بين الحكومة والنقابات.

ففي خضم جولة جديدة من الحوار الاجتماعي، يبرز ملف التقاعد كأحد أكثر الملفات إثارة للتوتر، بالنظر إلى التباين العميق بين رؤية الحكومة التي تعتبر الإصلاح ضرورة ملحة لضمان استدامة الصناديق، وبين الموقف النقابي الذي يرفض تحميل الأجراء كلفة الاختلالات البنيوية المتراكمة منذ سنوات.

 

ضغط مزدوج

تجد الحكومة نفسها، في هذه المرحلة الأخيرة من ولايتها، أمام ضغط مزدوج: من جهة الحاجة إلى تقديم إصلاحات هيكلية في واحد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية، ومن جهة ثانية ضرورة تفادي أي توتر اجتماعي قد ينعكس على الاستقرار العام، خصوصا في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

وخلال جلسات الحوار الاجتماعي، شددت المركزيات النقابية، وفي مقدمتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد المغربي للشغل، على رفض أي مقاربة إصلاحية قد تمس الحقوق المكتسبة للمنخرطين، أو ترفع من الأعباء الاجتماعية على الأجراء، معتبرة أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتم خارج إطار تشاركي شامل، يضمن العدالة الاجتماعية والتوازن بين الأجيال.

في المقابل، تؤكد الحكومة أن الوضعية المالية لبعض صناديق التقاعد باتت مقلقة، خصوصا الصندوق المغربي للتقاعد، والصندوق المغربي للتقاعد، الذي يواجه تحديات مرتبطة بتزايد العجز البنيوي وارتفاع نسب التقاعد مقارنة بعدد المنخرطين، وهو ما يفرض، حسب المقاربة الحكومية، اتخاذ إجراءات إصلاحية قبل فوات الأوان.

ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي خاص، إذ تدخل الحكومة الحالية، بقيادة عزيز أخنوش، أشهرها الأخيرة قبل نهاية الولاية التشريعية، ما يجعل من هذا الملف اختبارا حقيقيا لقدرتها على تمرير إصلاحات كبرى ذات كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التوازنات الاجتماعية.

وتقود الحكومة هذا الورش في إطار الحوار الاجتماعي، مؤكدة أن أي إصلاح لن يُفرض بشكل أحادي، بل سيكون موضوع نقاش موسع مع النقابات والفرقاء الاجتماعيين. غير أن هذه التأكيدات لا تبدد مخاوف المركزيات النقابية، التي تعتبر أن التجارب السابقة أظهرت أن الإصلاحات غالبا ما تُحسم بمنطق تقني ومالي أكثر منه بمنطق اجتماعي تشاركي.

وتطرح على الطاولة عدة سيناريوهات إصلاحية، من بينها الرفع التدريجي لسن التقاعد، وزيادة نسب الاقتطاعات، وإعادة النظر في طرق احتساب المعاشات، إضافة إلى إمكانية توحيد أنظمة التقاعد في أفق إحداث قطب عمومي موحد. غير أن هذه المقترحات تواجه رفضا نقابيا واسعا، خاصة بعد تجربة إصلاح سنة 2016، التي شملت رفع سن التقاعد وتقليص بعض المعاشات، دون أن تنجح في تحقيق التوازن المالي المنشود.

وتعتبر النقابات أن العودة إلى المقاربة نفسها ستؤدي إلى تعميق فقدان الثقة بين الأجراء والحكومة، محذرة من أن أي إصلاح لا يأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي، قد يتحول إلى مصدر توتر دائم داخل سوق الشغل، بدل أن يكون حلا مستداما للأزمة.

 

نقاش عمومي واسع

في هذا السياق، تطالب النقابات بفتح نقاش عمومي واسع حول تقرير اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد، وإشراك جميع الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، بدل الاقتصار على مقاربات تقنية تُختزل في الأرقام والمعادلات المالية. كما تدعو إلى تقييم شامل لإصلاح 2016، من أجل الوقوف على مكامن الخلل وتحديد أسباب استمرار العجز، رغم الإجراءات السابقة.

ويتقاطع هذا الملف مع سلسلة مطالب اجتماعية أخرى مطروحة في الحوار الاجتماعي، من بينها تحسين الأجور، ومراجعة الضريبة على الدخل، وتفعيل الاتفاقات القطاعية في مجالات حيوية، مثل التعليم والصحة والإدارة العمومية، ما يجعل من الجولة الحالية من الحوار الاجتماعي واحدة من أكثر الجولات كثافة وتعقيدا في السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، تدافع الحكومة عن مقاربة تعتبر أن إصلاح التقاعد لا يمكن فصله عن الإصلاحات الهيكلية الكبرى للمالية العمومية، وأن تأجيل هذا الورش قد يؤدي إلى تفاقم الوضع مستقبلا، مع مخاطر حقيقية على قدرة الصناديق على أداء التزاماتها تجاه المتقاعدين.

ويرى خبراء في مجال الحماية الاجتماعية أن نجاح هذا الورش يمر عبر معادلة دقيقة تجمع بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، مؤكدين أن أي إصلاح أحادي الجانب قد يفاقم الأزمة بدل حلها. كما يشددون على ضرورة مرافقة الإصلاح بإجراءات موازية، مثل تحسين الأجور، وإصلاح النظام الضريبي، وتعزيز الحماية الاجتماعية، لضمان توزيع عادل لكلفة الإصلاح.

ويحذر هؤلاء الخبراء من أن غياب التوافق قد يعيد إنتاج نفس الإشكالات التي عرفتها إصلاحات سابقة، ويضعف الثقة في المؤسسات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز التماسك الاجتماعي لمواجهة التحديات الاقتصادية والديموغرافية المقبلة.

وبين منطق الحكومة الذي يركز على الاستدامة المالية، ومنطق النقابات الذي يدافع عن الحقوق المكتسبة، يظل ملف التقاعد معلقا على خيط رفيع من التوازنات الدقيقة، في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع الأخيرة من عمر الحكومة الحالية، وما إذا كان الحوار الاجتماعي سينجح في إنتاج تسوية تاريخية لواحد من أعقد الملفات الاجتماعية في المغرب الحديث.

انتقادات نقابية لمخرجات جولة أبريل للحوار الاجتماعي

 

 

انتقدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل مخرجات جولة أبريل من الحوار الاجتماعي، معتبرة أنها لم تستجب لانتظارات الشغيلة المغربية، ولم تقدم حلولاً ملموسة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، التي تؤرق الأجراء والمتقاعدين، في سياق يتسم بتصاعد الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية.

 

مطالب ملحة

أوضح بلاغ صادر عن المكتب التنفيذي للنقابة أن الاجتماع، المنعقد يوم الجمعة 17 أبريل 2026، بحضور رئيس الحكومة عزيز أخنوش وعدد من أعضاء الطاقم الحكومي، خُصص لتقديم حصيلة الحوار الاجتماعي، غير أن مضامينه، حسب النقابة “جاءت دون مستوى الالتزامات المطلوبة”، ولم تعكس إرادة سياسية كافية لمعالجة الأوضاع الاجتماعية المتفاقمة.

وأكدت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن أي حوار اجتماعي جاد ومسؤول لا يمكن أن يظل في حدود التشاور أو تبادل المواقف، بل يجب أن يفضي إلى إجراءات عملية وملموسة، في مقدمتها الزيادة العامة في الأجور في القطاعين العام والخاص، والرفع من المعاشات، إضافة إلى مراجعة شاملة للضريبة على الدخل بما يخفف الضغط عن الأجراء في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمات.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن تحسين الدخل أصبح مطلباً ملحاً وليس مجرد خيار اجتماعي، بالنظر إلى تآكل القدرة الشرائية لفئات واسعة من الشغيلة، خاصة في ظل موجات الغلاء المتتالية التي مست مختلف جوانب الحياة اليومية، من السكن إلى النقل والصحة والتعليم.

ودعت الكونفدرالية إلى ضرورة التنفيذ الكامل للالتزامات الحكومية السابقة ذات الطابع الاجتماعي، معتبرة أن تأخر تفعيل بعض الاتفاقات يزيد من منسوب الاحتقان داخل صفوف الأجراء، ويؤثر سلباً على الثقة في الحوار الاجتماعي كآلية لتدبير التوازنات الاجتماعية.

وفي ما يتعلق بالفئات الهشة، طالبت النقابة بالاستجابة الفورية لمطالب عمال النظافة والحراسة، الذين يشتغلون في ظروف وصفتها بـ”غير اللائقة”، مع التأكيد على ضرورة تحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية، وضمان حقوقهم الأساسية في العمل اللائق والحماية الاجتماعية.

وسجل البلاغ ما اعتبره “غياباً واضحاً لإجراءات ملموسة” بخصوص مراجعة الضريبة على الدخل في أفق إعداد قانون المالية المقبل، معتبرة أن الحكومة لم تقدم التزامات صريحة لتحسين الدخل أو إعادة التوازن الضريبي، وهو ما يطرح، حسب النقابة، علامات استفهام حول جدية التوجهات الاجتماعية المعلنة.

 

إحساس بعدم الثقة

أعربت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن “استيائها العميق من المقاربة الحكومية الحالية”، التي ترى أنها تبقي على معاناة الأجراء والمتقاعدين دون حلول عملية، وتغذي في المقابل الإحساس بعدم الثقة في جدوى الحوار الاجتماعي، محذرة من تداعيات استمرار هذا الوضع على السلم الاجتماعي والاستقرار المهني.

ويأتي هذا الموقف في سياق اجتماعي واقتصادي معقد، يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتزايد الضغوط على الأسر المغربية، إلى جانب تحديات مرتبطة بتمويل أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد، وهو ما يجعل من الحوار الاجتماعي ورشاً محورياً في تدبير التوازنات العامة.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الحوار الاجتماعي يشكل آلية أساسية لتدبير العلاقة مع الشركاء الاجتماعيين، وأنه يتم في إطار التدرج والتوافق، مع مراعاة الإمكانيات المالية للدولة والتوازنات الماكرو-اقتصادية. غير أن النقابات ترى أن هذا المنطق لا ينعكس بشكل كافٍ على أرض الواقع، حيث تبقى العديد من الالتزامات دون تفعيل فعلي.

وتزداد حدة التوتر بين الطرفين مع اقتراب محطة فاتح ماي، التي أعلنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أنها ستكون مناسبة احتجاجية بامتياز، للتعبير عن رفضها لما وصفته بسياسة “التجاهل” الحكومي لمطالب الشغيلة، وللتأكيد على ضرورة إعادة الاعتبار للعمل النقابي كفاعل أساسي في صناعة القرار الاجتماعي.

وأكدت النقابة استعدادها لخوض مختلف الأشكال النضالية دفاعاً عن حقوق الأجراء، معتبرة أن المرحلة تتطلب تعبئة قوية لمواجهة ما تعتبره تراجعات في السياسات الاجتماعية، خصوصاً في ما يتعلق بالأجور والمعاشات والحريات النقابية.

ومن بين أبرز المطالب التي جددت الكونفدرالية رفعها، الزيادة في الأجور بشكل عام وشامل، وتحسين المعاشات بما يضمن عيشاً كريماً للمتقاعدين، وصون الحريات النقابية ووقف كل أشكال التضييق على العمل النقابي داخل المؤسسات والإدارات، إلى جانب إرساء حوار اجتماعي حقيقي قائم على الالتزام بتنفيذ الاتفاقات بدل الاكتفاء بالتشاور.

ويرى متتبعون أن هذا التصعيد يعكس استمرار الهوة بين الحكومة والمركزيات النقابية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز الثقة الاجتماعية لضمان استقرار سوق الشغل وتفادي أي توترات قد تؤثر على المناخ العام. كما يعتبرون أن نجاح الحوار الاجتماعي يظل رهيناً بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق إنتاج الحلول.

وبين تشدد النقابات في الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية، وإصرار الحكومة على مراعاة التوازنات المالية، يظل الحوار الاجتماعي مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، في انتظار ما ستسفر عنه الجولات المقبلة، وما إذا كان بالإمكان الوصول إلى تسويات تعيد الثقة وتخفف من منسوب الاحتقان الاجتماعي المتزايد.

ثلاثة أسئلة لعتيق السعيد*:

«ثمة ضرورة للانتقال نحو جيل جديد من منظومات الحوار الاجتماعي»

 

  1. ما أهمية الحوار الاجتماعي والمرجعات القانونية والمؤسساتية التي يرتكز عليها؟

بداية لا بد من الوقوف على نشأة وتطور مسار الحوار الاجتماعي، باعتباره إطارا فكريا وممارسة مؤسساتية تطورت في سياق القضايا المرتبطة بمجال الشغل وما قد يواكبها من توترات أو اختلالات، بل وحتى من متغيرات بنيوية ووظيفية داخل هذا المجال. في هذا الإطار، برز دور الحوار الاجتماعي باعتباره آلية ديمقراطية لتدبير مختلف النقاشات والإشكالات الاجتماعية، بغية السعي لتفكيكها وفق مقاربة توافقية، بعيدا عن منطق الصراع بهدف تحقيق التوازن بين مصالح مختلف الأطراف وضمان السلم الاجتماعي والاقتصادي باعتباره شرطا أساسيا لتحقيق التنمية في مختلف أبعادها.

من جهة أخرى يساهم الحوار الاجتماعي داخل مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، بشكل ملموس، في تحسين الأداء الاقتصادي للمقاولات وتعزيز قدرتها التنافسية كشريك أساسي للتنمية، وبالتالي فالحوار الاجتماعي يشكل آلية فعالة لإرساء وتطوير ممارسات مهنية جيدة تقوم على مبادئ الشفافية وترسيخ الثقة المتبادلة بين مختلف الفاعلين داخل بيئة الشغل.

وتمثل التوجيهات الملكية السامية ركيزة أساسية لترسيخ مبادئ الحوار الاجتماعي الهادف والبناء، حيث حظي هذا الأخير بمكانة متميزة ضمن الخطب والرسائل الملكية لجلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش المجيد، بما يعكس الإرادة المولوية الراسخة للنهوض بأدواره وتوسيع نطاقه، وتجسد ذلك من خلال الدعوة إلى مأسسة آليات الحوار الاجتماعي على نحو يجعلها مبسطة في مساطرها واضحة في منهجيتها شاملة لمختلف أطرافها، ومنتظمة في انعقادها مع ضمان امتدادات ترابية واضحة وأدوار متكاملة، فضلا عن تمتعها بقدرة استباقية ونفس استشرافي، وكذا بفعالية في مجال الوساطة، والدستور يؤكد تشبث الدولة بمبدأي المشاركة والحوار باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بناء الدولة الديمقراطية.

آليات الحوار الاجتماعي هي تلك الممارسات والإجراءات التفاوضية والتشاورية التي تجري بين طرفي علاقة الشغل الثنائية بين المشغل والأجراء، سواء بشكل مباشر أو عبر هيئاتهم التمثيلية، ويشمل الحوار، كذلك، مختلف جولات التفاوض التي يمكن عقدها بصفة دورية ومنتظمة في إطار مؤسساتي، أو بشكل غير منتظم تبعا للظروف التي تفرضها السياقات الاقتصادية والاجتماعية، كل ذلك بهدف إيجاد توافق يرضي الأطراف ويدعم حلولا عملية تهم القضايا المرتبطة بالشغل، على غرار الأجور، وظروف العمل، والحماية الاجتماعية وغيرها من القضايا والمواضيع التي تشكل مجالا لحماية وتثمين قضايا الشغل، بما يجعل آليات الحوار مدخلا من بين مداخل فعالة لترسيخ الحكامة ورافعة لتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.

 

  1. ما قراءتكم في حصيلة الحوار الاجتماعي ؟

في إطار تفعيل آليات الحوار الاجتماعي، قدمت الحكومة حصيلتها الاجتماعية خلال ولايتها الحالية استنادا إلى سلسلة من اللقاءات والمشاورات السابقة التي جمعتها مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية ضمن جولة أبريل 2026 من الحوار الاجتماعي. شكلت هذه الجولة محطة أساسية لتعزيز التشاور بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، وعلى الرغم من تحقيق بعض النتائج الإيجابية، سيما تلك المرتبطة بتعديل مدونة الشغل بما أسهم في تخفيض ساعات العمل مستقبلا، فضلا عن إدراج مقتضيات قانونية هدفت إلى تأطير الحوار الاجتماعي داخل المقاولة.

إصلاحات تظل جزئية في سياق أشمل تستلزم آليات التوسع والقابلية على الاستشراف، إذ لا تزال مجموعة من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية دون المستوى المأمول، ما يبرز الحاجة إلى تنفيذ النموذج الاجتماعي الجديد. كل هاته الإشكالات تبرز أهمية الإرادة السياسية كشرط أساسي لا غنى عنه للانخراط الفعلي في الحوار الاجتماعي، بما يتيح الوصول إلى توافقات متوازنة بين مختلف الفاعلين. ولا ينبغي، كذلك، اختزال الحوار الاجتماعي في جولات الحوار ثلاثية الأطراف، حيث يتعين توسيع نطاقه ليشمل مختلف الهيئات والجهات المعنية باختلافها، وهنا القيمة الحقيقة للوساطة والتوافق. إضافة إلى ذلك، تطرح إشكالية تمثيلية الفرقاء الاجتماعيين تحديا حقيقيا أمام فعالية ومشروعية مخرجات الحوار، إذ لا يمكن أن تستقيم هذه المخرجات إلا بتوسيع قاعدة تمثيل الشركاء الاجتماعيين، ويظل نجاح الحوار الاجتماعي رهينا بقدرة هذه الأطراف على تعبئة الفئات التي تمثلها وضمان انخراطها الفعلي في تنزيل مخرجاته.

 

  1. لماذا ترافق الحوار الاجتماعي تعثرات؟ وما سبل تجاوزها؟

يشكل الحوار الاجتماعي أحد المرتكزات الأساسية لمفهوم العمل اللائق كما حددته منظمة العمل الدولية، غير أن نجاعة آلياته لا تقاس بمجرد وجودها أو انتظام اشتغالها، بل بما تحدثه من آثار ملموسة على مستوى تكريس الممارسة المهنية اللائقة وتعزيز السلم الاجتماعي، ودعم النمو الاقتصادي بما يحقق تنمية مستدامة ودامجة لمختلف فئات المجتمع وبما يفضي، في نهاية المطاف، إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فتعزيز فعالية الحوار الاجتماعي يشكل مدخلا أساسيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

في هذا السياق يبرز أحد التحديات الرئيسية التي تواجه مختلف الأطراف المعنية بالحوار الاجتماعي، يتمثل في ضرورة الانتقال نحو جيل جديد من منظومات هذا الحوار في ظل سياق متغير ومتسارع يتسم بظهور أنماط جديدة من علاقات الشغل وبروز قضايا مستجدة تتجاوز النزاعات المهنية التقليدية، مع تزايد الطلب المجتمعي المشروع على ضمان الولوج العادل إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، سواء على المستوى الوطني أو الترابي، وبالتالي فإن تطوير الحوار الاجتماعي وتحديث آلياته لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، من أجل تعزيز فعاليته واستجابته لتطلعات مختلف الفاعلين.

ومن هذا المنطلق يستلزم الحوار الاجتماعي تيسير أساليب الوساطة بشكل يضمن تحقيق التوافق الكفيل بإعداد خارطة طريق تقوم على تحصين المكتسبات والعمل على الرهانات المطروحة، ناهيك عن ضرورة توسيع موضوعات الحوار الاجتماعي لتشمل قضايا جديدة من شأنها بناء منظومة جديدة للحوار الاجتماعي، استحضارا لما تشهده المرحلة من أوراش ومشاريع اجتماعية كبرى قدم هندستها جلالة الملك برؤية متبصرة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وفي مقدمتها النموذج التنموي الجديد والحماية الاجتماعية والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وغيرها من المشاريع والأوراش الاجتماعية الهامة التي يشكل استحضارها ضرورة أساسية لضمان التماسك المنهجي والمؤسساتي لمنظومة الحوار الاجتماعي، ما يندرج في صلب المسار الذي تنتهجه بلادنا من أجل الانتقال نحو نموذج تنموي جديد، يتسم بالاستدامة والإنصاف والشمول ويهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ مقومات العيش الكريم باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لإرساء مجتمع متضامن، قادر على ضمان تنمية اجتماعية ومجالية منصفة ومستدامة تستجيب لتطلعات مختلف الأجيال.

 

*باحث أكاديمي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى