
محمد اليوبي
تزامنا مع الفيضانات التي تشهدها أقاليم الغرب ومدينة القصر الكبير، كشف عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، عن تفاصيل الاستراتيجية الوطنية المندمجة لتدبير الكوارث الطبيعية، من خلال اعتماد مقاربة استباقية لتدبير هذا النوع من الظواهر.
استراتيجية تدبير الكوارث الطبيعية
وأوضح عبد الوافي لفتيت، في جواب عن سؤال كتابي وضعته البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، نعيمة الفتحاوي، أنه بهدف مواصلة المجهودات المبذولة في تنفيذ التعليمات الملكية، تم الانخراط، خلال السنوات الأخيرة، في مسلسل يرمي إلى بلورة رؤية استراتيجية موحدة في صفوف مختلف الفاعلين والمتدخلين المعنيين بتدبير الكوارث الطبيعية، وفق مقاربة استشرافية مندمجة، قوامها الوقاية، بدل الاقتصار على التدخل عند حدوث الأزمات.
وأشار الوزير إلى اعتماد الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية في أفق 2030، تروم تحقيق هدفين أساسيين، وهما التقليص والحد من آثار الكوارث الطبيعية، وتعزيز قدرة المواطنين ومؤسسات التراب الوطني على مواجهتها، والمساهمة في ضمان تحقيق تنمية ترابية مستدامة شاملة لجميع فئات المجتمع، خاصة الهشة منه.
وتشمل هذه الاستراتيجية أربعة من المخاطر الأكثر حدة أو تواترا التي تهدد المغرب، بهدف التكفل بها بشكل متكامل في إطار دورة تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية المعمول بها دوليا، وأخذها بعين الاعتبار في إعداد وتنفيذ مخططات التنمية الترابية ووثائق التعمير، ويتعلق الأمر بمخاطر الزلازل والفيضانات وانجرافات التربة والتسونامي.
وفي هذا السياق، يضيف الوزير يتم حاليا مواصلة تنزيل هذه الاستراتيجية وفق خطة عمل شاملة، وفق محاورها الخمسة التي تتمثل في تعزيز حكامة تدبير المخاطر الطبيعية، وتحسين معرفة وتقييم المخاطر الطبيعية، والوقاية من المخاطر الطبيعية وتنمية القدرة على المواجهة، والاستعداد للكوارث الطبيعية من أجل النهوض السريع وإعادة البناء الفعال، بالإضافة إلى تعزيز البحث العلمي والتعاون الدولي وتقوية القدرات في مجال تدبير المخاطر الطبيعية.
وأبرز الوزير أن هذه المحاور تتماشى مع مختلف مراحل دورة تدبير المخاطر المذكورة، والتي تبتدئ بالمعرفة، ثم الوقاية والاستعداد للأزمة والتدخل، وتنتهي بإعادة الإعمار والبناء، الأمر الذي تمت ترجمته، في إطار خطة العمل المشار إليها، إلى 18 برنامجا يضم 57 مشروعا، وتضم هذه المشاريع بدورها 165 إجراء كفيلة بتحقيق تغطية شاملة للمناطق المهددة بمخاطر الكوارث الطبيعية بآليات وقائية متعددة المخاطر.
مقاربة استباقية
أكد لفتيت أن وزارة الداخلية تضطلع بدور محوري في تنسيق تدخلات مختلف الفاعلين المعنيين بتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية، سواء بصفة استباقية عبر تنزيل هذه الاستراتيجية الوطنية، أو من خلال تنسيق عمليات التدخل أثناء الأزمات على المستويين المركزي والترابي.
وفي هذا الإطار، يضيف الوزير، تم تنزيل مشاريع وإعداد دراسات لتحسين معرفة وتقييم مخاطر الكوارث الطبيعية، من بينها إعداد خرائط قابلية التعمير لتغطية مختلف جهات التراب الوطني، من أجل تحديد المناطق المعرضة للمخاطر الطبيعية بدقة، وتصنيفها إلى ثلاثة أنواع، مناطق قابلة للبناء، ومناطق غير قابلة للبناء، ومناطق قابلة للبناء بشروط، وإعداد خرائط تحديد المخاطر الطبيعية على مستوى التراب الوطني، وإنجاز دراسة تتعلق بتقييم الإطار التنظيمي للوقاية من المخاطر الطبيعية في مجال التهيئة الحضرية والتخطيط العمراني، مرفقة بخطة عمل وطنية تروم تحسين وتطوير الآليات المعتمدة في هذا المجال.
وتحدث لفتيت عن وضع استراتيجيتين مندمجتين متعددتي القطاعات لتحقيق المرونة الحضرية في كل من مدينتي فاس والمحمدية، في انتظار تعميم هذه المنهجية على مستوى المدن الأكثر تعرضا للمخاطر الطبيعية، فضلا عن إعداد ضابط توجيهي وطني لتعزيز مرونة البنيات التحتية الأساسية واستمرارية الخدمات الحيوية، مع إحداث هياكل للحكامة والتنسيق القطاعي لتنزيله.
التقليص من آثار الكوارث
في إطار تنزيل الاستراتيجية، تمت برمجة وتنفيذ مجموعة من المشاريع الهادفة إلى التقليص من آثار الكوارث الطبيعية، وتطوير القدرة على الصمود في مواجهتها، وكذا تنزيل عدة برامج للتكوين والتحسيس في هذا المجال، من أهمها إنجاز مشاريع لتحسين أنظمة الرصد والمراقبة والإنذار المبكر والحماية، واعتماد نظام مندمج رائد للمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات، من خلال إحداث مركز عملياتي لليقظة والإنذار والمساعدة على تدبير مخاطر الفيضانات على مستوى وزارة الداخلية، سيمكن من إخطار السلطات المحلية بشكل استباقي.
وأفاد الوزير بأنه تم تنفيذ هذا المشروع، في مرحلة أولى، في أربع مناطق معنية بمخاطر الفيضانات على صعيد التراب الوطني، موزعة على مدينة المحمدية، و«وادي أوريكا» بنواحي مراكش، ومنطقة الغرب، ومنطقة كلميم، كما تم تزويد الأقاليم المعنية بمراكز تدبير خطر الفيضانات، وكذا وكالات الأحواض المائية الكائنة بها بمراكز للتنبؤ بالحمولات المائية، ومن المرتقب تعميمها على مستوى باقي المناطق الأكثر عرضة لهذا النوع من المخاطر، ويتم حاليا الانتهاء من إعداد دراسة تتعلق بإحداث مركز وطني مزود بنظام مندمج للتنبؤ بالحمولات على صعيد وزارة التجهيز والماء.
ومن بين التدابير المتخذة كذلك، تعزيز التغطية بالرادارات وأنظمة قياس ورصد الظواهر المناخية، ووضع أنظمة القياس الهيدرولوجي والإنذار المبكر في المناطق الأكثر عرضة للفيضانات، وتعزيز الشبكة الوطنية لمراقبة الزلازل، بوضع محطات الرصد وتتبع النشاط الزلزالي، بالإضافة إلى تعزيز رادارات قياس نشاط المحيطات، ووضع صفارات التحذير وأجهزة لمكبرات الصوت بالمناطق المهددة بالفيضانات لبث الإنذارات بعدة لغات، من أجل إشعار المواطنين وكذا في حال وجود السياح بضرورة الابتعاد عن أماكن الخطر.
مراجعة النصوص القانونية
أفاد وزير الداخلية بأنه يتم حاليا الاشتغال على مراجعة مجموعة من النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية، وفق منهجية عمل تشاركية مع كافة الفاعلين المعنيين، بهدف تحديد الإصلاحات الضرورية الكفيلة بملاءمة هذه النصوص مع المعطيات المحينة في هذا المجال على مستوى التراب الوطني.
وفي هذا السياق، يضيف لفتيت تمت بتنسيق مع الفاعلين المعنيين المساهمة في إنجاز دراسة تتعلق بتقييم الإطار التنظيمي للوقاية من المخاطر في مجال التهيئة الحضرية والتخطيط العمراني، مرفقة بخطة عمل وطنية تروم تحسين وتطوير الآليات المعتمدة في هذا المجال، من خلال تعزيز وتحديث المنظومة التشريعية والتنظيمية ذات الصلة، كما تندرج مراجعة النصوص المتعلقة بالبناء المقاوم للزلازل ضمن أولويات هذا الورش، بالنظر إلى ما لهذا المجال من أثر مباشر في تقنين الممارسات العمرانية، والحد من السلوكيات التي قد تعرض المواطنين لخسائر جسيمة وعواقب وخيمة، في حال وقوع كوارث طبيعية.




