حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

سلاح الموانئ

في هذا العالم المعاصر الذي لا يتكلم سوى لغة المصالح الكبرى، ويتغير فيه ميزان القوة بسرعة، لم تعد الموانئ الاستراتيجية مجرد بوابات للتبادل التجاري والسفر البحري والإمدادات العسكرية، بل تحولت إلى أدوات سيادية تتحكم في تدفقات السلع والطاقة، وتؤثر بشكل مباشر في القرار السياسي والاقتصادي للدول.

مقالات ذات صلة

وفي خضم ما بات يُعرف بـ«حرب الموانئ» المستعرة على امتداد السواحل العالمية، تشق المملكة المغربية الشريفة، بقيادة الملك محمد السادس، طريقها بثبات وبنفس سلمي نحو ترسيخ موقعها كقوة لوجستية صاعدة، مستندة إلى رؤية استراتيجية تهدف إلى جعل المغرب منصة محورية لا غنى عنها في كافة سلاسل التوريد والتصدير الدولية.

ومن خلال جلسة العمل بالغة الأهمية التي ترأسها الملك، أول أمس الأربعاء، حول تتبع تنفيذ مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، لم يكن الأمر مجرد محطة فقط لتتبع تقدم الأشغال، بل حملت الجلسة المذكورة دلالات سياسية واقتصادية عميقة، مفادها أن المغرب انتقل، وفق السرعة والمرونة المطلوبتين، من مرحلة التموقع الدفاعي إلى مرحلة المبادرة في سباق السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وتبادل الخبرات وترسيخ المبدأ الدبلوماسي الذي أبدعه الملك تحت شعار رابح – رابح.

فمشاريع الموانئ الاستراتيجية لا تطرح طبعا كاستثمارات معزولة عن تطور المملكة في ميادين أخرى، بل تدخل ضمن هندسة شاملة للتنمية من صنع كفاءات محلية وطاقات مغربية مبدعة في إعادة رسم خريطة النفوذ البحري في حوض المتوسط، والمحيط الأطلسي من خلال بناء ميناء الداخلة.

وحسب الإحصائيات والأرقام العصية على التكذيب الخاصة بالمعاملات المالية والتجارية، نجح ميناء طنجة المتوسط، خلال سنوات قليلة فقط، في وضع المغرب بالمراتب الأولى على الخارطة العالمية للملاحة البحرية، متصدرا موانئ إفريقيا والمتوسط، ومرسخا صورة المملكة كحلقة وصل أساسية بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا.

وها هي الرؤية الملكية الحكيمة لم تتوقف عند إنجاز والتطوير المستمر لعمل ميناء المتوسط الذي حاولت جهات إفشاله سابقا دون جدوى، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر إطلاق مشاريع موانئ كبرى، في مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي لا يأتي طبعا لمنافسة طنجة المتوسط، بل ليشكل رفقته، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي، منظومة موانئ قوية ومترابطة ومتكاملة هدفها خدمة المغرب والمغاربة وتحسين جودة الحياة وضخ ميزانيات ضخمة في الصناديق المتعلقة بالإصلاحات الاجتماعية.

هذا الثالوث المينائي يمنح المغرب قوة أكبر، ويتيح له مساحة أوسع من أجل التحكم في جزء كبير من التجارة العابرة للبحر الأبيض المتوسط، واستيعاب التدفقات التجارية الضخمة القادمة من كافة القارات، في زمن تشهد سلاسل الإمداد العالمية اختلالات حادة وتنافس شرس بين القوى الكبرى على نقاط العبور الاستراتيجية. وبذلك تتحول الجغرافيا المغربية من معطى طبيعي يتغنى به السياح والشعراء، إلى استثمار احترافي في صنع قوة اقتصادية وسياسية محسوبة بدقة.

ولا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لميناء الناظور غرب المتوسط على شحن الحاويات والبضائع، بل تمتد لتشمل بُعدا بالغ الحساسية يتعلق بالأمن الطاقي للمملكة. فالميناء يُعد حجر الزاوية في استراتيجية المغرب لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الطاقي، من خلال احتضانه لأول محطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة استيعابية تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنوياً، إلى جانب محطة متطورة لتخزين وتوزيع المحروقات، تضمن استقرار الإمدادات وتأمين حاجيات السوق الوطنية والانفتاح على الأسواق الإقليمية والدولية.

إن هذا التوجه الملكي بأبعاد مستقبلية يعكس إدراكا عميقا لطبيعة التحولات الجيوسياسية الراهنة، حيث أصبحت الطاقة، إلى جانب التجارة، ورقة ضغط مركزية في العلاقات الدولية. ومن خلال ما سبق ذكره يبعث المغرب برسالة واضحة مفادها أن سيادته الاقتصادية لم تعد رهينة التقلبات الخارجية، بل تقوم على بنية تحتية قادرة على امتصاص الصدمات بهدوء والتحكم في مفاتيح حيوية للاقتصاد العالمي.

إننا اليوم نجني ثمار الرؤية الملكية السديدة، التي كان البعض يشكك فيها لضخامة الاستثمارات ومدى القدرة على التنافس والتمويل والتوجس من الانفتاح على العالم، بحيث أصبحنا الآن أمام تحول استراتيجي عميق في بنية التجارة الخارجية للمغرب، ومشاريع كبرى لا تُقاس فقط بحجم وميزانية الاستثمارات، بل بقدرتها على إعادة تموضع المملكة في قلب المحرك التجاري الدولي.

وختاما فإن الموانئ المغربية لم تعد مجرد مرافق اقتصادية، بل أصبحت بمثابة سياسة عميقة لتعزيز النفوذ، ومنح المملكة المغربية القدرة الكافية والمتزايدة بسرعة كبيرة على التأثير في مسارات التجارة والطاقة، وبالتالي التحكم في موازين القرار السياسي على الصعيد الدولي، في عالم لا يعترف إلا بالقوى التي تمتلك مفاتيح العبور والاقتصاد، والحديث بلغة المصالح الكبرى ولا شيء غيرها، وهنا تكمن حكمة القادة الحقيقيين وليس من يستهلكون الكلام ولا شيء غيره.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى