
لم يعد شغب ملاعب كرة القدم مجرد سلوك عابر يرتبط بلحظة انفعال داخل المدرجات، بل تحول إلى ظاهرة مقلقة تتطلب وقفة تأمل حقيقية وتعكس اختلالات عميقة داخل المجتمع، إذ رغم التحذيرات المتكررة من عواقبه الوخيمة على الأمن العام والاقتصاد وصورة البلاد، يستمر هذا النزيف في التفاقم، في وقت يستعد فيه المغرب لاحتضان تظاهرات عالمية كبرى، على رأسها كأس العالم لكرة القدم 2030.
وفي كل مرة نقول إنها الأخيرة، تعود مشاهد العنف الصادمة داخل الملاعب ومحيطها، ومعها تعود أعمال تخريب ممنهجة تستهدف الممتلكات العامة والخاصة، من تكسير المرافق الجديدة التي صرفت عليها الملايير من المال العام إلى تخريب وسائل النقل، مرورا بإشعال النيران وتبادل العنف بشكل تصاعدي يصل أحيانا إلى سلوكيات توصف بالهمجية.
والأخطر أن هذه الممارسات الإجرامية، لا ترتبط دائما بنتائج المباريات، حيث سُجلت حالات شغب حتى من طرف جماهير الفرق المنتصرة، ما يؤكد أن الأمر يتجاوز مجرد رد فعل رياضي إلى تعبير عن خلل أعمق في السلوك، وضرورة دراسة الظاهرة من قبل مختصين ومعالجتها وفق مقاربات متعددة، تتجاوز الشعارات الفارغة التي لا تؤثر في الشباب ولا يلقون لها بال.
وطبعا فإن العقلية التخريبية لا تقف عند حدود الملاعب، بل تمتد إلى الفضاء العام من نزع علامات التشوير الطرقي، وتخريب الحدائق، وسرقة أغطية البالوعات، وإتلاف الأعمدة الكهربائية، وهي كلها مظاهر مشينة تعكس غياب الوعي بقيمة الملك العمومي، وتكلف ميزانية الدولة خسائر بملايير الدراهم.
إن تنامي هذه السلوكيات المرتبطة بالعنف، لا يمكن فصله عن أزمة في التربية بالدرجة الأولى، وضعف التنشئة على قيم المواطنة والتسامح، وغياب التأطير داخل الأسرة والمدرسة، ما يفتح المجال أمام تبني سلوكيات عدوانية، كما أن شعور بعض الشباب بالتهميش والإقصاء، وعدم إدماجهم في برامج التشغيل والتنمية، يدفعهم إلى تفريغ طاقاتهم وإحساسهم بالتهميش بشكل سلبي.
وفي هذا السياق يُطرح فشل العمل الجمعوي والحزبي في استقطاب الشباب وتأطيرهم، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التي لم تواكبها البرامج التربوية بالشكل الكافي، كما تبرز إشكالية ملاءمة التشريعات القانونية مع تطور أشكال العنف والتخريب، لأنه حين تتأخر القوانين عن مواكبة الواقع، تفقد نسبيا فعاليتها الردعية، وهو الشيء الذي يتطلب تشريعات جديدة لردع كل من تسول له نفسه الاعتداء على الممتلكات العامة.
ويحاول البعض تبرير تخريب الملك العام باعتباره شكلا من أشكال الاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والبطالة والفساد والحقد الطبقي، غير أن هذا الطرح يظل مغلوطا وخطيرا في الوقت نفسه، لأن الاحتجاج المشروع لا يكون بتدمير ما هو مشترك، بل بالمطالبة السلمية عبر القنوات الرسمية بالإصلاح، أما التخريب فهو تعبير عن عجز وفقر في الوعي، واعتداء على حقوق الغير.
إن حماية الممتلكات العامة ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي واجب يشترك فيه الجميع، فالمملكة الشريفة تسير اليوم تحت إشراف الملك محمد السادس بخطى ثابتة نحو تنظيم تظاهرات عالمية كبرى، وهو الشيء الذي يحتاج إلى مواطن مسؤول يدرك أن الحفاظ على الفضاء المشترك هو جزء من الانتماء الحقيقي للوطن، لأن التنمية لا تُقاس فقط بالمشاريع الكبرى، بل أيضا بمدى احترام وحفاظ المجتمع على ما يملكه بشكل مشترك، فهل من متحرك بشكل جدي لوقف نزيف شغب الملاعب، أم نستمر في دفن رؤوسنا بالرمال وانتظار مرور العاصفة كما تفعل النعامة؟





