
لم يعرف أبو نواس كرة القدم، ولو كانت تُلعب في عهده لما لعبها، ولا شاهدها ولا اهتم بها، فقد صرف حياته للشعر وللسعي وراء تحصيل الذنوب الرفيعة، وليس الخسيسة، ونذرها لأزهار الشر، ولمحبة الحياة واللذة، والتبشير بنمط عيش جديد يقوم على الترف والاستمتاع بالخمر والتلذذ بهتك المحرمات، وبكل ما يسير في ركابها من تهتك ومجون وغزل.
ومثلما كان بروست، ذلك الرجل المريض والمنعزل، كما رأى فالتر بنيامين، أكبر شاهد على عصره، كان أبو نواس، وهو ينتقل من خمارة لأخرى، وهو ينقاد لرغباته الشرهة، أعظم من عبر عن الانتقال من شظف البداوة إلى رغد حياة المدينة. مَثَّل أبو نواس الجديد بكل عنفوانه، وجرأته في الخروج على سلطة الفقهاء، وسلطة التقليد والاتباع، وعمل على تهديم قيم الماضي عن طريق السخرية والضحك. في قصيدة أيقونة له: «حرب اللذة»، رسم تقابلا بين حروب الزمن القديم التي يقودها شيوخ غضاب ومتعطشون للدم: «إذا عبأ أبو الهيجاء.. للهيجاء فرسانا» في واقع رعوي قبلي، تشتعل فيه الحرب لأتفه الأسباب، فيتواجه الفرسان، وتخفق البنود والرايات وتضرب الطبول: «وسارت راية الموت.. أمام الشيخ إعلانا»، إنها حروب الدم، واللوعات، والخراب والغم، التي يحركها زعماء القبائل لكنها تأكل الجميع. مقابل هذه الحروب العبثية التي لا تنتج إلا الفجائع، يقترح أبو نواس حرب اللذة والأنس، التي يشارك فيها: «فتيان يرون القتـ .. ل في اللذة قربانا»، ومقابل أسلحة الحروب الدموية: القوس والنبال والرماح القصيرة، يلعبون بالسوسن والريحان والأيدي، ومقابل الطبول وأحجار المجانيق وتدافع الكتائب، يتبادلون هم الأزهار وحبات التفاح: «فهذي الحرب لا حرب.. تغم الناس عدوانا».
لو عرف أبو نواس كرة القدم، لرأى فيها ضربا آخر من الحرب، حرب لا ينال فيها المحارب من دم وجسد خصمه، حرب بلا نار ولا دماء ولا قتلى، حرب فيها كل سعار وهيجان وشدة الحرب، لكن من أجل كرة تدخل في شبكة. حرب ترضي الوحش الرابض بداخل كل واحد منا في السيطرة، والانتصار وتجليل المنهزم بالعار، لكنها تنتهي بصافرة الحكم، ويعود كل واحد سالما لداره.
يعود المنهزم بنفس منكسرة، نعم، ويعود المنتصر بفخر وخيلاء الفائز، لكن الفوز والخسارة يدوران في ملكوت الرمزي، وينفتحان دوما على الثأر أو تأكيد الانتصار في مقابلة أخرى. في الكرة لكل فريق من المتحاربين أمجاده وخساراته المؤلمة. لو عرف أبو نواس الكرة لأضافها لأنبل وأمتع وأرقى الحروب.





