حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةسياسية

فوضى العقار بعمالة إنزكان آيت ملول

سطو على عقارات الدولة ومرافق عمومية تحولت إلى غابات إسمنتية

محمد اليوبي

 

كشفت التحقيقات التي باشرتها مختلف المصالح والأجهزة المختصة، تزامنا مع إعفاء عامل عمالة إنزكان آيت ملول، أن مختلف الجماعات التابعة لنفوذ العمالة تعرف فوضى عارمة في قطاع التعمير، بعد السطو على عقارات كانت مخصصة في الأصل لإحداث مرافق عمومية.

وأفادت المصادر بأن قطاع التعمير داخل النفوذ الترابي للعمالة صار عنوانا لكل الفضائح التي تفجرت مؤخرا، وكشفت أنه تم السطو على مرافق عمومية ذات بعد اجتماعي، وتحولت إلى مشاريع تجارية بأرباح خيالية؛ فالعقار الذي كان مبرمجا لاحتضان مركز للتكوين المهني بمدينة إنزكان اختفى في غياهب التفويتات المشبوهة والتحايلات على وثائق التهيئة، ليصبح مركزا تجاريا ضخما. وفي المقابل، تجزئة المغرب العربي بجماعة أيت ملول، التي انطلقت سنة 1992 على أساس مرافق عمومية واضحة (مسجد، مستوصف، بريد، مقاطعة إدارية، ومساحات خضراء…)، تحولت بدورها إلى غابة من العمارات الإسمنتية، بعدما جرى الالتفاف على القرارات السابقة والتلاعب في وثائق التفويت، حيث تحولت اللجان التقنية المحلية، برئاسة عامل الإقليم، من آلية لحماية المرافق العموميـة إلى أداة لتفويتها إلى منعشين عقاريين كبار يشكلون شبكة لها امتدادات ونفوذ داخل كل الإدارات والمصالح الخارجية بالجهة.

وقد اهتزت مدينة إنزكان على وقع فضيحة تفويت عقار كان مخصصا لبناء مؤسسة تعليمية وتحويله إلى مركز تجاري، وبدأت فصول القضية منذ سنة 2016، حين صادق المجلس الجماعي على مقرر يقضي باقتناء بقعة أرضية مساحتها 4671 مترا مربعا في ملكية شركة “العمران”، مسجلة بالرسم العقاري 60/18834، وتخصيصها لبناء مؤسسة عمومية للتكوين المهني، وكان هذا القرار استجابة لحاجيات اجتماعية ملحة، وتعزيز العرض التربوي والمهني لفائدة الشباب.

غير أن هذا المسار انقلب رأسا على عقب في 05 دجنبر 2017، عندما قامت شركة “العمران” بتفويت العقار، البالغة مساحته 4671 مترا مربعا، لشركة عقارية بمبلغ لا يتجاوز 2.3 مليون درهم، أي بمعدل يقارب 492 درهما للمتر المربع فقط، رغم موقعه الاستراتيجي وقيمته السوقية الأعلى بكثير، وكانت مؤسسة “العمران” على علم مسبق بمقرر المجلس الذي خصص العقار لإحداث مركز للتكوين المهني، ومع ذلك أقدمت على بيعه بثمن بخس لشركة خاصة، صاحبها معروف بالالتواءات في ملفات التعمير، والأدهى أن العقد خلا من أي شرط فاسخ أو التزام تعاقدي بإنجاز المشروع العمومي، ما فتح الباب لأول حلقة من حلقات التفويت المشبوه.

وبينما حافظت الوكالة الحضرية في مشروع تصميم التهيئة لنونبر 2021 على تخصيص العقار كمؤسسة تعليمية، بناء على مخرجات دورة 2016، جاء اجتماع اللجنة التقنية المحلية بتاريخ 29 دجنبر 2021، برئاسة عامل الإقليم، ليقلب الطاولة، فبموجب قرار أحادي من رئيس جماعة إنزكان بصفته عضوا في اللجنة، تم التخلي عن هذا التخصيص العمومي وتحويل العقار إلى تجاري، دون عرضه على مصادقة المجلس، وفي يناير 2022 تم تحيين مشروع التصميم رسميا على هذا الأساس.

وبعد ثلاثة أشهر فقط، تأسست شركة عقارية يوم 27 مارس 2022 من طرف زوجة صاحب الشركة العقارية التي اقتنت العقار بشراكة مع زوجة عامل الإقليم، وسجلت في السجل التجاري بتاريخ 04 غشت 2022، لتظهر في ظرف قياسي كمستفيد جديد من العقار، حيث اقتنته في 17 مارس 2023 بثمن بلغ 14 مليون درهم، أي ما يعادل ستة أضعاف ثمن التفويت الأول، ثم حصلت في ظرف قياسي على رخصة بناء مركز تجاري ضخم يضم عمارات بتاريخ 29 دجنبر 2023، لتكتمل فصول سيناريو كان محبوكا منذ البداية، يتجلى في إفراغ العقار من وظيفته العمومية، ثم إعادة ضخه في السوق كوعاء تجاري مربح، دون أن ينجز فوقه أي مشروع للتكوين المهني.

وبمدينة آيت ملول، تم السطو على مرافق عمومية وتحويلها إلى غابة إسمنتية، وتعود فصول الفضيحة إلى سنة 1992، مع إنشاء تجزئة المغرب العربي التي ضمت أزيد من 500 قطعة أرضية مخصصة للفيلات السكنية، إلى جانب ارتفاقات عمومية واسعة تجاوزت 20 ألف متر مربع، تضمنت مسجدا كبيرا بمحلاته التجارية (1534 مترا مربعا)، مستوصفا صحيا (700 متر مربع)، مقاطعة إدارية (1216 مترا مربعا)، مكتب بريد (1216 مترا مربعا)، فضلا عن مساحات خضراء متفرقة و21 فيلا سكنية بمساحة تقارب 8.000 متر مربع.

كان هذا التصور يشكل عقدا اجتماعيا متوازنا بين السكن وتوفير التجهيزات العمومية، غير أن المشروع تعثر مبكرا بسبب نزاع عقاري عطل تجهيز جزء حيوي منه تبلغ مساحته حوالي 30.000 متر مربع (ما يعادل ثلاثة هكتارات).

ولتفادي تجميد المشروع ككل، لجأت شركة العمران إلى حل تقني عبر إعداد تصميم تعديلي مكن من تسليم الشطر الأول، فيما ظل الشطر الثاني، الذي يضم المرافق الأساسية، معلقا إلى حين البت القضائي. غير أن هذا الشطر الثاني سيتحول لاحقا إلى محور صفقة مشبوهة، ففي 13 دجنبر 2021، أي أسبوعين فقط قبل انعقاد اللجنة التقنية المحلية لتصاميم التهيئة بإنزكان وأيت ملول، جرى تفويت عقار مساحته 28.262 مترا مربعا لشركة عقارية بمبلغ 8.244.000 درهم، أي بثمن بخس لا يتعدى 300 درهم للمتر المربع، رغم أنه مثقل بمرافق عمومية مذكورة في دفتر التحملات وتصميم التجزئة.

والأخطر في ذلك أن عملية التفويت تمت في إطار تواطؤ واضح مع المدير السابق لشركة العمران، حيث جرى توقيع العقد بأثر رجعي، اعتمادا على شهادة بيع محررة بتاريخ 09 يناير 2019. هذه الوثيقة، التي استعملت كغطاء مسطري، لم تكن سوى ورقة باطلة من أساسها، إذ تفتقر إلى أبسط الشروط الشكلية والإدارية، حيث لا تتضمن أي رقم تسلسلي صادر عن الإدارة المختصة، ولا تسجيل صحيح في السجلات الرسمية المعتمدة، وتتعاظم خطورة الأمر بمسؤولية الموثق، الذي أغفل التنصيص في العقد على المراجع التعريفية للشركة وهويتها، ما يشكل إخلالا جوهريا بواجباته المهنية ويفتح الباب أمام مساءلة قانونية مباشرة حول سلامة العقد ومصداقيته.

وفي اجتماع اللجنة التقنية يوم 29 دجنبر 2021، تقرر تغيير تخصيص العقار من تجهيزات عمومية إلى عمارات من أربعة طوابق (R+4)، دون انتظار مسطرة البحث العلني أو المصادقة الرسمية على تصميم التهيئة المعدل، بل إن أشغال التنفيذ انطلقت لاحقا قبل أن يصير التصميم ساري المفعول، ما يجعل كل الإجراءات اللاحقة باطلة شكلا وجوهرا، وتبرز هنا مسؤولية رئيس المجلس الجماعي، باعتباره الجهة المانحة للترخيص والمسؤول قانونا عن مراقبة احترام دفاتر التحملات وتصاميم التهيئة، فقد وقع على الترخيص بتاريخ 23 نونبر 2022 رغم وضوح الخروقات، وذلك بالاعتماد على استثناء قديم صادر سنة 2014 لفائدة العمران وحدها، وغياب شهادة الملكية عند الإيداع، وتجاهل المقتضيات الصريحة للتصميم الأصلي.

وكانت نتيجة هذه التلاعبات كارثية، بعدما اندثرت تقريبا كل المرافق العموميـة المنصوص عليها في المشروع الأصلي، فالمسجد تقلصت مساحته من حوالي 3500 متر مربع (باحتساب محلاته التجارية) إلى 539 مترا مربعا فقط، والمستوصف والمقاطعة ومكتب البريد اختفت من الخريطة، والمساحات الخضراء ذابت وسط الإسمنت داخل إقامات مغلقة، وبهذا تحولت ارتفاقات عمومية أساسية كان يفترض أن تضمن التوازن العمراني والخدماتي للسكان إلى عمارات متراصة خدمة لمصالح لوبيات عقارية نافذة.

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى