قوانين وإصلاحات تشعل الاحتجاجات
بعد المحامين إضرابات تصعيدية للعدول والصيادلة والأساتذة الجامعيين

شهد المغرب، خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، موجة احتجاجات وإضرابات في عدد من المهن المنظمة، من بينها تلك التي قام بها المحامون والعدول والأساتذة الجامعيون والصيادلة. وتختلف أسباب هذه الاحتجاجات حسب كل قطاع، لكنها تتقاطع في رفض بعض مشاريع القوانين أو الإصلاحات الحكومية. وتعكس هذه الاحتجاجات حالة توتر مهني في عدد من القطاعات الحيوية بالمغرب، حيث تطالب الهيئات المهنية بإشراكها بشكل أكبر في صياغة القوانين المنظمة لقطاعاتها، وبضمان استقلالية المهن وحماية مصالح المهنيين.
وتبرز هذه الاحتجاجات أهمية الحوار المؤسساتي بين الحكومة والهيئات المهنية لتفادي تعطيل الخدمات المرتبطة بالقضاء والتعليم والصحة، ولا شك أن إصلاح المهن المنظمة يظل ضرورة ملحة لمواكبة التحولات الاقتصادية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب. غير أن نجاح أي إصلاح يظل رهيناً بنهج المقاربة التشاركية وفتح قنوات الحوار مع الفاعلين المعنيين به، لأن الإصلاح الذي لا يحظى بثقة المهنيين قد يتحول إلى بؤرة توتر بدل أن يكون رافعة للتطوير.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
احتجاجات المحامين تنجح في «تجميد» مشروع قانون تنظيم المهنة
يشهد قطاع المحاماة خلال الآونة الأخيرة موجة من الاحتجاجات المتصاعدة، عقب الجدل الذي أثاره مشروع تعديل قانون مهنة المحاماة، وهو المشروع الذي فتح نقاشا واسعا داخل الأوساط المهنية والقانونية حول مستقبل المهنة، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيمها.
فقد اعتبر عدد من المحامين والهيئات المهنية أن بعض المقتضيات المقترحة تمس باستقلالية الدفاع، بينما ترى الجهات الرسمية أن الإصلاح أصبح ضروريا لمواكبة التحولات التي يعرفها قطاع العدالة.
وتحول مشروع القانون في ظرف وجيز إلى محور توتر بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بعدما أعلنت هذه الأخيرة سلسلة من الخطوات الاحتجاجية التي شملت تنظيم وقفات ومسيرات، إضافة إلى تعليق العمل في بعض المحاكم، تعبيرا عن رفضها لما وصفته بـ«تمرير إصلاحات دون إشراك حقيقي للمهنيين».
خلفيات مشروع تعديل قانون المهنة
يأتي مشروع تعديل قانون مهنة المحاماة في سياق ورش إصلاح العدالة الذي أطلقته الدولة منذ سنوات، والذي يهدف إلى تحديث المنظومة القضائية، وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات المرتبطة بها. ويشمل المشروع مجموعة من التعديلات التي تهم شروط الولوج إلى المهنة، وتنظيم التدريب، وتأطير العلاقة بين المحامي ومحيطه المهني، إضافة إلى عدد من الجوانب المرتبطة بالمسؤولية المهنية وآليات التأديب.
غير أن عددا من المحامين يرون أن بعض هذه المقتضيات تتجاوز مجرد التنظيم التقني للمهنة، وتمتد إلى ما يعتبرونه تدخلا في استقلالية هيئات الدفاع، خصوصا في ما يتعلق بطريقة تدبير بعض الجوانب التنظيمية، أو منح صلاحيات إضافية لجهات خارج الإطار المهني.
ويؤكد عدد من النقباء السابقين أن المحاماة ليست مجرد مهنة عادية، بل تشكل أحد أعمدة العدالة، إلى جانب القضاء والنيابة العامة، وهو ما يفرض – بحسبهم- التعامل مع أي إصلاح يهمها بمنطق التوافق والحوار الواسع مع الهيئات المهنية.
موجة احتجاجات داخل المحاكم
مع تزايد الجدل حول مشروع القانون، أعلنت هيئات المحامين في عدد من المدن عن تنظيم وقفات احتجاجية داخل مقرات المحاكم، إلى جانب مقاطعة بعض الجلسات، أو تعليق العمل لفترات محددة. وقد شهدت بعض المحاكم وقفات رمزية شارك فيها عشرات المحامين وهم يرتدون البذلة السوداء، في رسالة تعبيرية عن رفضهم لما يعتبرونه «إصلاحا مفروضا من فوق».
وترى الهيئات المهنية أن هذه الاحتجاجات ليست موجهة ضد مؤسسات الدولة، بل تهدف إلى الدفاع عن استقلالية المهنة وضمان احترام خصوصيتها، باعتبارها جزءا أساسيا من منظومة العدالة.
ويؤكد العديد من المحامين أن دورهم لا يقتصر على تمثيل المتقاضين أمام المحاكم، بل يشمل أيضا الدفاع عن الحقوق والحريات، وهو ما يجعل استقلالية المهنة شرطا أساسيا لضمان عدالة حقيقية ومتوازنة.
من بين أبرز النقاط التي أثارت جدلا داخل الأوساط المهنية، تلك المتعلقة بطريقة تدبير بعض الجوانب التنظيمية للمهنة، إضافة إلى شروط الولوج إليها وآليات التأديب. ويخشى بعض المحامين من أن تؤدي التعديلات المقترحة إلى تقليص هامش استقلالية الهيئات المهنية، أو إلى فتح الباب أمام تدخلات خارجية في تدبير شؤون المهنة.
ويشير مهنيون إلى أن استقلالية المحاماة ليست مطلبا فئويا، بل تمثل ضمانة أساسية لحماية حقوق المتقاضين، لأن المحامي المستقل – بحسبهم- يكون أكثر قدرة على الدفاع عن موكله دون ضغوط أو تأثيرات.
كما يطرح بعض المحامين تساؤلات حول التوازن المطلوب بين تحديث الإطار القانوني للمهنة، والحفاظ على تقاليدها المهنية التي تراكمت عبر عقود من الممارسة.
وجهة نظر وزارة العدل
في المقابل، تؤكد وزارة العدل أن مشروع القانون يهدف أساسا إلى تحديث المهنة وتطوير آليات اشتغالها بما يتماشى مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل تزايد الطلب على الخدمات القانونية، وتعقد القضايا المعروضة على القضاء.
وترى الوزارة أن الإصلاح المقترح يسعى إلى تحسين جودة التكوين والتأهيل، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وضمان حماية أفضل للمتقاضين، إضافة إلى تنظيم بعض الجوانب التي ظلت – حسب وجهة نظرها- تحتاج إلى تأطير قانوني أكثر وضوحا.
كما تشدد الجهات الرسمية على أن باب الحوار يظل مفتوحا مع مختلف الفاعلين المهنيين، من أجل الوصول إلى صيغة توافقية تأخذ بعين الاعتبار ملاحظات الهيئات المهنية وتطلعاتها.
ويعكس الجدل الدائر حول مشروع قانون المهنة إشكالية أعمق تتعلق بكيفية التوفيق بين ضرورة تحديث المنظومة القانونية للمحاماة، وبين الحفاظ على خصوصيتها التاريخية والمهنية. فالمحاماة في المغرب لها تقاليد راسخة تعود إلى عقود طويلة، وشكلت على الدوام فضاء للدفاع عن الحقوق والحريات.
وفي المقابل، يفرض التطور الذي يعرفه المجتمع والقانون نفسه الحاجة إلى مراجعة بعض القواعد التنظيمية للمهنة، سواء على مستوى التكوين أو الممارسة أو العلاقة مع باقي مكونات منظومة العدالة.
ويرى بعض الخبراء القانونيين أن الإصلاح الحقيقي للمهنة يجب أن يقوم على مقاربة تشاركية تجمع بين الدولة والهيئات المهنية والجامعات والمعاهد القانونية، بما يسمح بصياغة قانون متوازن يستجيب لمتطلبات المرحلة.
تأثير الاحتجاجات على سير العدالة
أثارت الاحتجاجات التي يخوضها المحامون تساؤلات حول تأثيرها على سير العدالة داخل المحاكم، خاصة عندما يتعلق الأمر بتعليق العمل، أو مقاطعة الجلسات. فبينما يرى المحامون أن الاحتجاج حق مشروع للدفاع عن مهنتهم، يخشى بعض المتقاضين من أن يؤدي استمرار هذه الخطوات إلى تأخير البت في القضايا.
غير أن العديد من الهيئات المهنية تحرص على التأكيد أن الاحتجاجات تتم بطريقة رمزية ومدروسة، مع الحرص على عدم الإضرار بمصالح المتقاضين، خصوصا في القضايا المستعجلة.
ويؤكد بعض المحامين أن الهدف من هذه التحركات ليس تعطيل العدالة، بل التنبيه إلى أهمية إشراك المهنيين في أي إصلاح يهم المهنة.
في ظل هذا التوتر، استجابت الحكومة للدعوات داخل الأوساط القانونية إلى فتح حوار جدي بين وزارة العدل وهيئات المحامين، بهدف تجاوز حالة الاحتقان والوصول إلى صيغة توافقية بشأن مشروع القانون، حيث أعادت المشروع إلى طاولة الحوار.
ويرى عدد من النقباء أن الحوار يبقى السبيل الأمثل لتجنب أي تصعيد، قد يؤثر على صورة منظومة العدالة أو على ثقة المواطنين فيها، كما يؤكد هؤلاء أن المحاماة المغربية لعبت عبر تاريخها أدوارا مهمة في الدفاع عن الحقوق والحريات، وهو ما يجعل الحفاظ على مكانتها واستقلاليتها مسألة تتجاوز الإطار المهني الضيق لتلامس جوهر دولة القانون.
مستقبل قانون المهنة
يبقى مستقبل مشروع قانون مهنة المحاماة مفتوحا على عدة سيناريوهات، في ظل استمرار النقاش بين مختلف الأطراف المعنية. فقد يؤدي الحوار إلى إدخال تعديلات على بعض المقتضيات المثيرة للجدل، بما يسمح بإخراج نص قانوني يحظى بقبول واسع داخل الوسط المهني.
وفي المقابل، قد يستمر الجدل إذا لم يتم التوصل إلى أرضية مشتركة بين الوزارة والهيئات المهنية، وهو ما قد يطيل أمد الاحتجاجات ويزيد من حدة النقاش داخل الساحة القانونية.
وفي جميع الأحوال، فإن النقاش الدائر اليوم حول قانون مهنة المحاماة يعكس أهمية هذه المهنة داخل منظومة العدالة، والدور الذي يلعبه المحامون في حماية الحقوق وضمان المحاكمة العادلة.
في نهاية المطاف، يتجاوز الجدل حول قانون المهنة حدود الخلاف المهني، ليطرح سؤالا أوسع حول مستقبل العدالة في المغرب. فالإصلاحات القانونية، مهما كانت أهميتها، تبقى بحاجة إلى توافق واسع بين مختلف الفاعلين لضمان نجاحها واستدامتها.
وإذا كان تحديث القوانين ضرورة تفرضها التحولات الاجتماعية والقانونية، فإن الحفاظ على استقلالية المهن القضائية يظل بدوره شرطا أساسيا لبناء منظومة عدالة قوية وموثوقة.
وبين هذين المطلبين -التحديث والاستقلالية- يستمر النقاش داخل الأوساط القانونية، في انتظار ما ستسفر عنه جولات الحوار القادمة بين وزارة العدل وهيئات المحامين، والتي قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة لمهنة ظلت على الدوام في قلب معركة الدفاع عن الحقوق والحريات.
الصيادلة ينتفضون ضد توصيات مجلس المنافسة حول توزيع وبيع الأدوية
قررت المركزيات النقابية للصيادلة خوض إضرابات وطنية متتالية مع زيادة مدة الإضراب بشكل تصعيدي، وذلك تعبيرا منها عن رفضها للتوصيات الصادرة عن مجلس المنافسة، والتي دعا، من خلالها، المجلس إلى تمكين المستثمرين الخواص من المساهمة في رأسمال الصيدليات والسماح بإحداث شبكات أو سلاسل صيدلية.
رفض توصيات مجلس المنافسة
عقدت المركزيات النقابية لصيادلة الصيدليات، وهي الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب، والاتحاد الوطني لصيادلة المغرب والنقابة الوطنية لصيادلة المغرب، اجتماعا أعلنت من خلاله عن رفضها المطلق للتوصية الصادرة عن مجلس المنافسة بخصوص تحرير رأسمال الصيدليات. وأوضحت المركزيات النقابية لصيادلة الصيدليات أن هذه التوصية تستند إلى مقارنة سطحية مع دول أجنبية، تعاني الآن الويلات نتيجة تحرير رأسمال الصيدليات، معتبرة أن هذه التوصية، حول فتح رأسمال الصيدليات في وجه المستثمرين الخواص، جاءت لتضرب الواقع بعرض الحائط ومن شأنها زعزعة استقرار منظومة الدواء.
وعبرت المركزيات النقابية لصيادلة الصيدليات، في بلاغ صادر عقب اجتماعها، عن رفضها جملة وتفصيلاً التوجه الرامي إلى ما أسمته «تسليع» الدواء عبر فتح رأسمال الصيدليات أمام الرساميل والشركات الكبرى، مؤكدة أن الصيدلية مرفق صحي بامتياز، وسيادة الصيدلي على مؤسسته هي الضامن الوحيد لحياد الاستشارة بعيداً عن منطق الربح المتوحش الذي تسعى إليه «لوبيات المال»، واعتبرت توصية فتح رأسمال الصيدليات للشركات الرأسمالية محاولة لبيع صحة المغاربة لمن يدفع أكثر.
وعبرت النقابات ذاتها عن رفضها تحويل الدواء إلى سلعة خاضعة لقانون العرض والطلب، ورفضها أن يصبح المريض رقم معاملات في سجلات شركات لا ترى في الصحة إلا أرقاماً وأرباحاً، وأكدت على أن خصوصية مهنة الصيدلة تفرض وجود صيدلي مواطن مرابط حتى في عمق الجبال والمناطق النائية، موضحة أن «التحرير» سيؤدي إلى زحف الرساميل نحو المدن الكبرى، تاركاً إنسان الجوار في عزلة صحية قاتلة. وقالت النقابات، في بلاغها، إنها لا تدافع فقط عن الصيدلية بوصفها «مرفقا صحيا»، بل تدافع أيضا عن حق المواطن في إيجاد دوائه واستشارته في أقرب نقطة من مسكنه، دون الحديث عن المناطق التي مازالت تعاني من التهميش وهشاشة العدالة المجالية الصحية.
وزير الصحة يتدخل
تدخل وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، لعقد اجتماع عمل مع ممثلي النقابات المهنية للصيادلة، تم التطرق خلاله إلى عدد من القضايا المرتبطة بتطور قطاع الصيدلة، وفي مقدمتها ما جرى تداوله أخيراً بشأن فتح رأسمال الصيدليات. وفي هذا السياق أوضح الوزير أن موضوع فتح رأسمال الصيدليات لا يندرج ضمن التوجهات المعتمدة حالياً على مستوى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية. وأشار التهراوي إلى أن الحوار الجاري مع ممثلي المهنة يتركز أساساً على تنزيل المحاور المتفق عليها ضمن إطار الاتفاق الموقع بتاريخ 6 أبريل 2023.
وشدد وزير الصحة والحماية الاجتماعية على أن أي تطور محتمل في هذا المجال، في حال طرحه مستقبلاً، سيتم في إطار مقاربة تشاركية تقوم على التشاور والتنسيق المسبق مع التمثيليات المهنية المعنية، بما يضمن الحفاظ على توازن القطاع وصون مصالح المهنيين وخدمة المنظومة الصحية الوطنية.
تجدر الإشارة إلى أن الآراء الصادرة عن مجلس المنافسة، باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة، تندرج ضمن مهامه الاستشارية الرامية إلى إغناء النقاش العمومي حول تطوير القطاع. وتظل هذه الآراء بطبيعتها غير ملزمة، وتشكل عنصراً من عناصر النقاش التي تؤخذ بعين الاعتبار في بلورة التوجهات المعتمدة في إطار السياسات الحكومية.
ومن جهتها، تعتمد الوزارة، في مختلف اختياراتها، على رؤية إصلاحية شاملة وعلى التشاور مع مختلف المهنيين، مع الحرص على الحفاظ على التوازن بين مختلف الأطراف المعنية. وتهدف هذه المقاربة، على وجه الخصوص، إلى حماية مكتسبات الصيادلة باعتبارهم الحلقة الأكثر هشاشة في سلسلة الدواء، وضمان استقرار القطاع في إطار احترام المصلحة العامة.
وخلال الاجتماع تم، أيضاً، استعراض تقدم عدد من الأوراش التنظيمية المرتبطة بالقطاع، وأكد الوزير أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ستواصل اعتماد مقاربة الحوار المسؤول والانفتاح على مهنيي القطاع، بما يساهم في تطوير مهنة الصيدلة وتعزيز مكانة الصيدلي داخل المنظومة الصحية الوطنية، وترسيخ مناخ مهني هادئ يضمن جودة الخدمات الصحية وأمن الدواء لفائدة المواطنات والمواطنين.
رأي مجلس المنافسة
أصدر مجلس المنافسة رأيا حول وضعية المنافسة في سوق الدواء، أكد، من خلاله، أن سوق توزيع الأدوية بالمغرب، رغم خصوصيته، يعتبر قطاعا اقتصاديا يخضع، كغيره من القطاعات، لقواعد العرض والطلب ومبادئ المنافسة الحرة والعادلة، ولا يخرج عن نطاق اختصاص المجلس كما هو محدد في النصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، مشيرا إلى أن وجود تنظيم قانوني أو تقنين لأسعار الأدوية لا يحول دون تقييم السير التنافسي لهذه السوق وتنظيم المنافسة فيها.
وخلص المجلس، في رأيه، إلى أن حلقة التوزيع بالتقسيط بالصيدليات، والتي تمثل نقطة الاتصال الأولى بين المواطنين والمنظومة الصحية وتلعب دورا محوريا في الولوج للدواء، تعرف، كما اتفقت على ذلك مختلف الهيئات المهنية المستمع إليها، اختلالات بنيوية أثرت سلبا على توازنها الاقتصادي، وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا على استمراريتها على المدى المتوسط والبعيد، ما يستوجب التفكير في حلول إصلاحية شاملة ومبتكرة تعيد تقييم النموذج الاقتصادي للصيدليات وتعتمد على مقاربة متكاملة تهدف إلى تعزيز نجاعة هذه الحلقة الأساسية في المنظومة الصحية وضمان استدامتها الاقتصادية بعيدا عن آليات الدعم العمومي التي أثبتت عدم نجاعتها في قطاعات أخرى.
وتضمن رأي المجلس توصية أثارت الكثير من الجدل، حيث دعا إلى الفتح المؤطر لاحتكار ملكية الصيدليات بشكل تدريجي وتحت شروط قانونية وتنظيمية واضحة، بما ييسر إحداث صيدليات جديدة ويدعم تحديث وهيكلة الشبكة الصيدلية الحالية، مع تمكين المستثمرين الخواص من المساهمة في رأسمال الصيدليات والسماح بإحداث شبكات أو سلاسل صيدلية في إطار منظم مقترن بقواعد صارمة تضمن الاستقلالية المهنية للصيدلي، وتصون البعد الصحي المهام الصيدلي.
وفي هذا الإطار، يشترط مجلس المنافسة منع إمكانية المساهمة في رأسمال الصيدليات من طرف المؤسسات الصيدلية الصناعية، أو الواصفين، أو المصحات الخاصة ومجموعات الصحة، أو هيئات التأمين أو أي فاعل اقتصادي ذي قوة سوقية مؤثرة، بما في ذلك سلاسل التوزيع الكبرى.
وبخصوص هذه التوصية الأخيرة، يعتبر مجلس المنافسة أن فتح رأسمال الصيدليات بشكل مؤطر يشكل رافعة هيكلية المواكبة تحول القطاع وتعزيز استدامته، مشيرا إلى أن دراسة التجارب المقارنة أبانت عن إمكانية اعتماد فتح مؤطر لرأسمال الصيدليات ضمن ضوابط محددة، وتبرز هذه التجارب أن هذا النموذج يتيح إدماج موارد مالية جديدة، وتحديث البنيات وتعزيز هيكلة الشبكة الصيدلية، دون المساس بالبعد الصحي أو استقلالية القرار المهني للصيدلي.
وأوضح المجلس أن الانفتاح المقترن بقواعد تنظيمية صارمة تحافظ على مسؤولية الصيدلي المهنية والقانونية، من شأنه أن يوسع الولوج إلى التمويل، ويمكن من تعبئة موارد إضافية لتحديث التجهيزات والبنيات التحتية والرقمنة، وتعزيز قدرات الاستثمار وتحسين الاستدامة الاقتصادية للعرض الصيدلي في سياق يتسم بالضغط على الهوامش، وتنظيم الأسعار وارتفاع التكاليف، كما يساهم هذا التوجه في إرساء تسيير أكثر مهنية وفعالية، وتعزيز التمييز بين المسؤوليات الاقتصادية والمهنية، وبروز هياكل أكثر تنظيما وقدرة على التكيف مع تحولات السوق. علاوة على ذلك، ستسهم هذه الدينامية في فتح آفاق جديدة أمام الخريجين الجدد، من خلال مسارات مهنية متنوعة تشمل الأجراء المؤهلين والولوج التدريجي إلى الحكامة ورأس المال، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات الصيدلانية، وتعزيز توفر الأدوية وكذا تحسين شروط الولوج إليها.
قانون التعليم العالي يشعل احتجاجات تصعيدية بالمؤسسات الجامعية
خاض الأساتذة الباحثون، خلال الأسبوع الماضي، إضرابا وطنيا لمدة يومين، ويعتزمون تصعيد أشكالهم الاحتجاجية وشل مؤسسات التعليم العالي، من خلال خوض إضرابات والانسحاب من الهياكل الجامعية، وتنظيم وقفة وطنية أمام مقر البرلمان بالرباط.
تصعيد الأشكال الاحتجاجية
تأتي هذه الاحتجاجات بعد نشر القانون 59.24 المنظم للتعليم العالي بالجريدة الرسمية، ودخوله حيّز التنفيذ، وأكدت النقابة الوطنية للتعليم العالي أن هذا القانون تمت المصادقة عليه من طرف مجلس الحكومة والبرلمان، دون إشراك الأطراف المعنية بمستقبل الجامعة ومؤسسات التعليم العالي وعلى رأسها النقابة الوطنية للتعليم العالي، ما اعتبرته هذه الأخيرة “مقاربة إقصائية لوزير التعليم العالي، الذي لم يف بالتعهدات التي قطعها على نفسه في الاجتماع الأخير مع النقابة يوم 24 يوليوز الماضي”، وكشفت النقابة أن الوزير تعهد بحل ملف الدكتوراه الفرنسية، و الترقية بالأقدمية العامة، ورفع الضريبة عن تعويضات البحث العلمي.
وأكدت اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي في بيان أصدرته عقب اجتماعها المنعقد، يوم 15 فبراير الماضي، عزمها مواصلة المسار النضالي دفاعاً عن الجامعة العمومية ومنظومة تكوين الأطر ومكتسبات الأستاذات والأساتذة الباحثين، وأعلنت اللجنة تنفيذ خطة احتجاجية تصعيدية، من خلال خوض إضرابات ووقفات احتجاجية محلية وجهوية، وتجميد الهياكل الجامعية بالانسحاب منها.
وجددت النقابة تأكيد رفضها القاطع للقانون 59.24 المتعلق بالتعليم العالي، الذي “تم تمريره في ظل إقصاء ممنهج للشريك الاجتماعي الأساسي، وضرب صريح للمقاربة التشاركية المؤطرة بالتصريح المشترك الموقع بتاريخ 20 أكتوبر 2022 بين الحكومة والنقابة الوطنية للتعليم العالي”، ووجهت النقابة اتهامات لوزير التعليم العالي، عد الدين الميداوي بالتنصل من مخرجات اللقاء المنعقد بتاريخ 24 يوليوز 2025 مع الوزارة الوصية، الذي تم خلاله التأكيد على اعتماد منهجية التصحيح المشترك في معالجة الملفات الكبرى للقطاع.
واعتبرت النقابة أن هذا القانون يشكل مساساً خطيراً باستقلالية الجامعة العمومية، وتقييداً لحريتها الأكاديمية، وفرضاً لأشكال جديدة من الوصاية على مؤسساتها، وفتحاً لباب تسليع التعليم العالي العمومي وتقويض دوره كمرفق عمومي استراتيجي، وأكدت أنها لن تقبل بأي محاولة لفرض الأمر الواقع عبر تنزيل هذا القانون، ولن تتعامل معه كامر نهائي، وتطالب النقابة بإعمال كافة الآليات المؤسسانية والقانونية المتاحة من أجل إعادته إلى طاولة الحوار، عملاً بمقتضيات التصريح المشترك ليوم 20 أكتوبر 2022 واحتراماً للالتزامات المعبر عنها خلال لقاء 24 يوليوز 2025.
قانون جديد للتعليم العالي
يهدف القانون الجديد الذي صادق عليه مجلسا البرلمان، إلى تحديد توجهات السياسة العمومية المتعلقة بالتعليم العالي والبحث العلمي، وكذا تنظيمه العام، ولاسيما القواعد المتعلقة بهيكلته، ونظام حكامته، والقواعد العامة لهندسته البيداغوجية واللغوية، وآليات مواكبته وتتبعه وتقييمه.
ومن أبرز المقتضيات الواردة في القانون، إقرار وحدة المرفق العمومي للتعليم العالي والبحث العلمي بمختلف مؤسساته، وإحداث أصناف جديدة من مؤسسات التعليم العالي، من بينها المؤسسات الرقمية ومؤسسات التعليم العالي غير الربحية ذات النفع العام، بالإضافة إلى تعزيز استقلالية الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى، من خلال تطوير حكامتها المؤسساتية والرفع من أدائها، وتكريس التدبير الشفاف والمسؤول لمختلف مؤسسات وأجهزة وهياكل وبنيات ومراكز التعليم العالي والبحث العلمي، مع إعمال مهام الإشراف والمواكبة المسندة إلى الدولة.
ومن أبرز المستجدات كذلك، ترسيخ دور مؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع الخاص من خلال النهوض بوظائفها التكوينية والبحثية والمجتمعية، وذلك في تكامل وتعاون مع مثيلاتها التابعة للقطاع العام، ووضع السند التشريعي للترخيص لمؤسسات التعليم العالي الأجنبية قصد فتح فروع تابعة لها بالتراب الوطني، وتحديث النموذج البيداغوجي عبر اعتماد أنظمة متجددة ومتنوعة لأنماط التكوين، من بينها التكوين عن بعد والتكوين بالتناوب.
ويهدف القانون إلى وضع الطالب في صلب التعليم العالي والبحث العلمي وتحديد حقوقه وواجباته، مع إرساء آليات تنظيمية تضمن مواكبته وولوحه إلى الخدمات الموجهة إليه، وفق معايير الاستحقاق وتكافؤ الفرص والإنصاف، بالإضافة إلى الارتقاء بمكانة الموارد البشرية العاملة بمؤسسات التعليم العالي عن طريق تكريس مكتسباتها وتمكينها من الوسائل الكفيلة بتطوير مهاراتها والتحسين المستمر لأدائها.
ويتضمن القانون مستجدات تتعلق بتنظيم البحث العلمي، وملاءمته مع المعايير والممارسات الفضلي المتعارف عليها عالميا، وذلك عن طريق إقرار مقتضيات تشريعية خاصة بمؤسسات البحث العلمي وبنيات وهياكل ومراكز البحث، والتنصيص على آليات للرفع من جودتها، وإرساء تدابير عملية لتنمية الابتكار، ترتكز على مبدأ الشراكة مع القطاع الخاص ومختلف الفاعلين المؤسساتيين، وتستند إلى تنظيم مرن.
كما يتضمن القانون مقتضيات تتعلق بتنويع مصادر تمويل مكون التعليم العالي والبحث العلمي عن طريق تعزيز المداخيل الذاتية للجامعات العمومية، وتشجيع الاستثمار في مجالات التكوين والبحث من خلال تفعيل فرص الشراكة بين القطاعبن العام والقطاع الخاص.
تعزيز وضمان استقلالية الجامعات
حسب القانون، تراعي السياسات العمومية المتبعة في مجال التعليم العالي والبحث العلمي مجموعة من التوجهات، تهدف إلى تعزيز وضمان استقلالية الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى في إطار تعاقدي مع الدولة، واعتبار الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار استثمارا منتجا في الرأسمال البشري الوطني وإسهاما في تحقيق أهداف التنمية الوطنية المستدامة، بالإضافة إلى الملاءمة المستمرة للنموذج البيداغوجي قصد تنمية القدرات الشخصية للطالب وتمكينه من اكتساب المهارات العلمية والمعرفية والسلوكية اللازمة.
وينص القانون على وضع إطار تعاقدي استراتيجي بين الدولة والقطاع الخاص في مجال تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار واعتباره إطارا وطنيا مرجعيا لتطوير دور هذا القطاع والرفع من أدائه وضمان إسهامه في تنمية المرفق العمومي للتعليم العالي وتحسين مردوديته، فضلا عن تعزيز دور المؤسسات الخاصة للتعليم العالي من خلال النهوض بوظائفها والرفع من إسهامها في المنظومة في إطار التكامل والتعاون والشراكة بينها وبين مؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع العام.
كما ينص على إرساء منظومة وطنية مندمجة لتنمية البحث العلمي والابتكار وروح التميز وإشاعة ثقافة الاجتهاد والنبوغ والإبداع على صعيد المؤسسات والمجالات والأنشطة طبقا للاستراتيجية الوطنية للنهوض بالبحث العلمي، وتعزيز وتنويع آليات ومصادر تمويل مشاريع البحث العلمي والابتكار، وتطوير نظام معلوماتي مندمج لتدبير المعطيات واستغلالها وتطوير المنظومة ومختلف مكوناتها، وتطوير آليات تقييم وضمان جودة التعليم العالي والبحث العلمي وفق مرجعيات ومؤشرات أداء متعاقد بشأنها.
وسيتم بموجب هذا القانون إدخال تعديلات على هياكل الجامعات، من خلال إحداث مجلس للأمناء سينضاف إلى مجلس الجامعة المنتخب من طرف مكونات المؤسسات الجامعية، ويتألف مجلس الأمناء علاوة على رئيسه من السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية، وأمين سر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية أو من يمثله، وأمين السر الدائم لأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات أو ممثله، ووالي الجهة أو ممثله، ورئيس مجلس الجهة، وشخصيتين تمثلان المحيط الاقتصادي والاجتماعي يتم تعيينهما من لدن السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي باقتراح من رئيس مجلس الأمناء، وشخصيتين مشهود لهما بالكفاءة والخبرة في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي من داخل أو خارج المملكة، وأستاذ للتعليم العالي منتخب من قبل الأساتذة الباحثين الأعضاء بمجلس الجامعة، وممثل عن الأُطر الإدارية والتقنية ينتخب من طرف ممثلي هذه الفئة بمجلس الجامعة، حسب المشروع، يعين رئيس مجلس الأمناء بمرسوم، باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، وذلك لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرتين، ويكون من الشخصيات المشهود لها بالكفاءة العلمية وبخبرتها في التدبير العمومي.
احتجاجات العدول ضد مشروع قانون المهنة
يشهد قطاع العدول بالمغرب، خلال الفترة الأخيرة، موجة من الاحتجاجات العارمة، على خلفية مشروع تعديل قانون المهنة. وهو المشروع الذي أثار جدلا واسعا داخل الأوساط المهنية والقانونية. واعتبر عدد من العدول أن بعض المقتضيات المقترحة تمس باستقلالية المهنة، وتهدد قدرتهم على مزاولة مهامهم بحرية وموضوعية، بينما ترى الجهات الرسمية أن الإصلاح أصبح ضروريا لتحديث المهنة وضمان تنظيم أفضل لخدمات التوثيق والضمان القانوني للمعاملات.
وتحول مشروع القانون إلى محور توتر بين وزارة العدل وهيئات العدول، بعدما أعلنت الأخيرة سلسلة من الخطوات الاحتجاجية، شملت تنظيم وقفات ومسيرات، إضافة إلى تعليق بعض الأعمال التوثيقية، تعبيرا عن رفضها لما وصفته بـ«إصلاحات مفروضة دون تشاور حقيقي مع المهنيين».
يأتي مشروع تعديل قانون المهنة في إطار ورش إصلاح العدالة الذي أطلقته الدولة، بهدف تحديث المنظومة القانونية للمهن القضائية والمساعدة في تعزيز الحكامة والشفافية داخل القطاع. ويشمل المشروع تعديلات على شروط الولوج إلى المهنة، وآليات المراقبة والتأطير، وتحديد المسؤوليات التأديبية للعدول، إضافة إلى تنظيم العلاقة بين العدول والموكلين والهيئات الرقابية.
غير أن العديد من العدول يرون أن بعض المقتضيات المقترحة تتجاوز مجرد التنظيم التقني للمهنة وتمس باستقلالية الهيئات المهنية، وهو ما يثير تخوفات من تأثير ذلك على حرية ممارسة المهنة وحياد العدول في حماية الحقوق القانونية للمتعاملين.
احتجاجات متصاعدة داخل المدن
شهدت مختلف المدن المغربية، بما فيها الرباط، وقفات احتجاجية ووقفات رمزية أمام مكاتب العدول، شارك فيها العشرات من المهنيين وهم يرتدون أزياءهم الرسمية، في رسالة رمزية تؤكد رفضهم للتعديلات التي يعتبرونها مساسا باستقلالية المهنة. وترافق ذلك مع تنظيم لقاءات تنسيقية بين الهيئات المهنية لمتابعة الإجراءات الحكومية وإعداد مذكرات احتجاجية رسمية.
ويرى العدول أن دورهم لا يقتصر على توثيق المعاملات القانونية، بل يشمل ضمان حقوق المتعاملين وتقديم خدمات قانونية مستقلة، وهو ما يجعل أي مساس باستقلالية المهنة تهديدا للثقة في القطاع بأسره.
وجددت الهيئة الوطنية للعدول رفضها المطلق لإقرار مشروع القانون رقم 16.22 دون الأخذ بملاحظاتها ومقترحاتها، إلى جانب التعديلات التي تقدمت بها الفرق البرلمانية من الأغلبية والمعارضة، معتبرة أن تجاهل هذه المقترحات يطرح، وفق البلاغ، إشكالات مرتبطة بمنهجية التشاور والحوار المؤسساتي حول إصلاح المهنة.
ودعت الهيئة رئيس الحكومة إلى فتح حوار جاد ومسؤول مع الهيئة الوطنية للعدول، قصد مراجعة المقتضيات المثيرة للجدل داخل المشروع، بما يضمن، حسب تعبيرهم، حماية الأمن التوثيقي وصيانة مكانة مؤسسة العدالة داخل المنظومة القانونية الوطنية. وطالبت الهيئة رؤساء المجالس الجهوية بعقد لقاءات صحفية وتواصلية لتنوير الرأي العام بخلفيات القرار الاحتجاجي وأبعاده المهنية.
وسجلت الهيئة أن الاستمرار في تجاهل مطالب العدول من شأنه أن يضعف مصداقية المؤسسة التشريعية، مشيرة إلى ما اعتبرته وجود مؤشرات على تضارب في المصالح أثّر على استقلالية القرار التشريعي خلال مناقشة النص، وهو ما يستوجب، بحسب المصدر ذاته، إعادة فتح النقاش حول المشروع في إطار تشاركي أوسع.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يعبر عدد من المهنيين عن تخوفهم من انعكاسات المشروع الجديد على مستقبل المهنة وعلى توازن منظومة التوثيق العدلي، خاصة في ظل التحولات الرقمية والتنظيمية التي يعرفها قطاع العدالة بالمغرب. ويرى متابعون أن استمرار الاحتقان قد يؤثر مؤقتا على سير عدد من المعاملات التوثيقية، خصوصا إذا اتسعت دائرة الانخراط في الإضراب على المستوى الوطني.
وأكدت الهيئة على ضرورة ملاءمة مقتضيات القانون الجديد مع دستور 2011 وتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، مشددة على أن إصلاح المهنة يجب أن يتم في إطار مقاربة تشاركية تضمن التوازن بين متطلبات التحديث والحفاظ على خصوصية التوثيق العدلي، وختمت بالتأكيد على أن «كرامة المهنة ليست للمساومة»، في رسالة واضحة تعكس تمسك العدول بمواصلة خطواتهم الاحتجاجية إلى حين الاستجابة لمطالبهم.
وجهة نظر وزارة العدل
من جانبها، تؤكد وزارة العدل أن المشروع يهدف إلى تحديث المهنة، وتطوير آليات الرقابة والتأطير وتعزيز الحماية القانونية للمواطنين، مشيرة إلى أن الإصلاح يهدف إلى تنظيم العلاقة بين العدول والهيئات الرقابية وتحسين جودة الخدمات القانونية. وتؤكد الوزارة أن الحوار مع المهنيين مفتوح وأن أي تعديل سيتم بعد أخذ ملاحظاتهم بعين الاعتبار.
ويعكس الجدل حول مشروع القانون إشكالية أعمق تتعلق بكيفية التوفيق بين تحديث المهنة وضمان استقلالية العدول في حماية الحقوق القانونية للمواطنين. فالمهنة طالما شكلت جزءا أساسيا من منظومة العدالة، ومنح العدول الحرية في ممارسة مهامهم اعتُبر شرطا لضمان نزاهة المعاملات والوثائق القانونية.
وتشير مصادر مهنية إلى أن أي إصلاح يجب أن يقوم على مقاربة تشاركية تشمل الدولة والهيئات المهنية، بما يسمح بصياغة قانون متوازن يحفظ استقلالية العدول ويواكب التطورات القانونية والاجتماعية.
تأثير الاحتجاجات على سير المعاملات
رغم أن الاحتجاجات تتم غالبا بطريقة رمزية، يخشى بعض المواطنين من تأثيرها على استمرارية خدمات التوثيق، خاصة بالنسبة للمعاملات الملحة. غير أن العدول يؤكدون أن هدفهم هو حماية المهنة وضمان استقلاليتها، وليس تعطيل مصالح المتعاملين، مع الحرص على عدم الإضرار بالمصلحة العامة.
وتتزايد الدعوات لفتح حوار جاد بين وزارة العدل وهيئات العدول للوصول إلى صيغة توافقية حول مشروع القانون، توازن بين تحديث القواعد القانونية وحماية استقلالية المهنة. ويؤكد الفاعلون المهنيون أن الحفاظ على استقلالية العدول ضرورة أساسية لضمان نزاهة المعاملات وحماية الحقوق القانونية.
ويبقى مستقبل مشروع قانون العدول مفتوحا، في ظل استمرار النقاش بين مختلف الأطراف. فقد يؤدي الحوار إلى إدخال تعديلات تضمن قبول الهيئات المهنية، وفي المقابل قد يستمر الجدل إذا لم يتم التوصل إلى أرضية مشتركة، ما قد يطيل أمد الاحتجاجات.
وفي جميع الأحوال، يعكس النقاش الدائر اليوم أهمية العدول في منظومة العدالة المغربية، والدور الذي يلعبه المستقلون في حماية الحقوق القانونية وضمان الثقة في المعاملات الرسمية. وبين التحديث والاستقلالية، يبقى مستقبل المهنة رهين التوافق بين الهيئات المهنية والجهات الرسمية لضمان استمرارية العدالة وفعالية القانون.
ثلاثة أسئلة لسعيد الخمري*: “أهمية التشريع تصبح مضاعفة في قوانين تهم فئات واسعة”
- ما أهمية التشريع في القوانين التي تهم فئات اجتماعية ومهنية واسعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمهن مرتبطة بمنظومة العدالة؟
التشريع، في أي نظام قانوني حديث، لا يقتصر فقط على إصدار قواعد قانونية مجردة، بل يشكل أداة أساسية لتنظيم العلاقات داخل المجتمع وضمان التوازن بين مختلف المصالح والحقوق. وعندما يتعلق الأمر بقوانين تؤطر مهنًا لها ارتباط مباشر بمنظومة العدالة، مثل المحاماة أو العدول أو غيرها من المهن القانونية، فإن أهمية التشريع تصبح مضاعفة، لأن هذه المهن لا تمارس نشاطا اقتصاديا عاديا، بل تضطلع بأدوار حيوية في حماية الحقوق وضمان الأمن القانوني للمواطنين.
فالمهن القانونية تعتبر، في جوهرها، جزءا من البنية المؤسسية لدولة القانون. لذلك فإن أي تعديل تشريعي يهم هذه المهن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الدور الذي تقوم به، وكذلك حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه على شريحة واسعة من المواطنين الذين يتعاملون يوميا مع هذه المهن في مختلف المعاملات القانونية والقضائية.
ومن هنا، فإن التشريع في هذا المجال ينبغي أن يقوم على رؤية متكاملة تتجاوز المقاربة التقنية الضيقة، لتشمل أبعادا اجتماعية ومؤسساتية. فالقانون لا ينظم فقط علاقة المهني بالدولة أو بالإدارة، بل يؤطر أيضا علاقة المهني بالمجتمع وبالمتعاقدين معه، وهو ما يجعل أي إصلاح تشريعي في هذا المجال مسألة تتعلق بالمصلحة العامة قبل أن تكون مسألة مهنية صرفة.
كما يجب الانتباه إلى أن القوانين المنظمة للمهن القانونية غالبا ما تكون لها انعكاسات مباشرة على مستوى الثقة في العدالة. فحين يشعر المهنيون بأن القوانين التي تؤطر عملهم وضعت بطريقة تراعي خصوصيات المهنة وتضمن استقلاليتها، فإن ذلك ينعكس إيجابا على جودة الخدمات القانونية وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية.
لكن، في المقابل، إذا تم إعداد هذه القوانين دون إشراك فعلي للمهنيين أو دون مراعاة خصوصيات الممارسة المهنية، فقد يؤدي ذلك إلى توترات داخل هذه القطاعات، وربما إلى احتجاجات تعكس شعورا لدى المهنيين بأن الإصلاح لا يعبر عن انتظاراتهم أو لا يراعي طبيعة مهنتهم.
ولهذا السبب، فإن التشريع الذي يهم فئات اجتماعية ومهنية واسعة يجب أن يقوم على مقاربة تشاركية وعلى نقاش عمومي واسع يسمح بتبادل وجهات النظر بين مختلف الأطراف المعنية، بما يضمن في النهاية إصدار نصوص قانونية متوازنة وقابلة للتطبيق وتحظى بقدر من القبول داخل المجتمع.
2- يثار نقاش واسع حول المنهجية التي اعتمدتها الحكومة في إعداد بعض مشاريع القوانين المتعلقة بالمهن القانونية. كيف تقيمون هذه المنهجية ؟
من حيث المبدأ، يمنح الدستور للحكومة صلاحية إعداد مشاريع القوانين وتقديمها إلى البرلمان، وهو أمر طبيعي في إطار توزيع الاختصاصات بين السلط. غير أن الممارسة الدستورية الحديثة، خصوصا في الأنظمة التي تسعى إلى تعزيز الديمقراطية التشاركية، تتجه نحو اعتماد منهجية أكثر انفتاحا في إعداد النصوص القانونية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقوانين ذات حساسية مهنية أو اجتماعية.
الإشكال الذي يطرح في كثير من الحالات لا يتعلق فقط بمضمون النصوص، بل أيضا بالمسار الذي تمر منه هذه النصوص قبل أن تصل إلى البرلمان. فحين يشعر الفاعلون المعنيون بأنهم لم يشاركوا بشكل كاف في صياغة المشاريع أو أن ملاحظاتهم لم تؤخذ بعين الاعتبار، فإن ذلك قد يؤدي إلى نوع من التوتر بين الحكومة وهذه الفئات.
وفي تقديري، فإن التشريع الحديث لم يعد يعتمد فقط على المقاربة العمودية التي تقوم على إعداد النصوص داخل الإدارة ثم عرضها على البرلمان، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على التشاور المسبق مع الفاعلين المهنيين والمؤسسات المعنية. وهذا ما يعرف اليوم بما يسمى “الديمقراطية التشاركية” في صناعة القرار العمومي.
ومن هنا، فإن إعداد مشاريع القوانين المنظمة للمهن القانونية كان يستحسن أن يتم في إطار حوار مؤسساتي موسع يشمل الهيئات المهنية والخبراء القانونيين والجامعات، لأن هذه الأطراف تمتلك خبرة ميدانية ومعرفية يمكن أن تسهم في تحسين جودة النصوص القانونية.
ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن الحكومة ملزمة بتبني كل مقترحات المهنيين، لأن التشريع في النهاية يعبر عن المصلحة العامة، وليس عن مصالح فئوية ضيقة. لكن إشراك هذه الفئات في مرحلة الإعداد يظل ضروريا، لأنه يسمح بتجنب كثير من الإشكالات التي قد تظهر لاحقا عند محاولة تنزيل النصوص على أرض الواقع.
كما أن الحوار المسبق يسهم في خلق نوع من التوافق حول الإصلاحات الكبرى، وهو أمر مهم في القطاعات الحساسة مثل قطاع العدالة، حيث تكون الثقة بين المؤسسات والمهنيين عنصرا أساسيا في ضمان حسن سير المرافق المرتبطة بالقضاء.
3- يطرح البعض تساؤلات حول توقيت طرح هذه المشاريع القانونية في سياق سياسي يتسم بالاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
توقيت إصدار القوانين أو طرح مشاريعها للنقاش العمومي مسألة تكتسي دائما بعدا سياسيا، لأن التشريع لا يتم في فراغ، بل يرتبط بالسياق السياسي والاجتماعي الذي يتم فيه. وعندما نكون أمام سنة انتخابية أو مرحلة تسبق الانتخابات، فإن النقاش حول القوانين الكبرى يصبح أكثر حساسية، لأن مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين ينظرون إلى هذه المبادرات التشريعية من زاوية تأثيرها المحتمل على المشهد السياسي.
من الناحية الدستورية، لا يوجد ما يمنع الحكومة من تقديم مشاريع قوانين في أي وقت خلال ولايتها، بما في ذلك السنوات التي تسبق الانتخابات. فالحكومة تظل مسؤولة عن تدبير الشأن العام إلى غاية نهاية ولايتها، ومن حقها أن تواصل العمل التشريعي والإصلاحي.
غير أن الحكمة السياسية تقتضي في بعض الأحيان مراعاة السياق العام، خصوصا عندما يتعلق الأمر بإصلاحات تمس قطاعات مهنية واسعة أو تثير نقاشا مجتمعيا كبيرا. ففي مثل هذه الحالات، قد يكون من الأفضل اعتماد مقاربة تقوم على التدرج والحوار الواسع، حتى لا تتحول الإصلاحات القانونية إلى موضوع توتر سياسي أو مهني.
كما أن طرح إصلاحات كبرى في فترة قريبة من الاستحقاقات الانتخابية قد يجعل بعض الفاعلين ينظرون إليها من زاوية الحسابات السياسية، حتى وإن كانت في الأصل تهدف إلى تحديث الإطار القانوني. وهذا ما يجعل النقاش حولها أحيانا يتجاوز مضمون النصوص ليشمل أيضا دلالات توقيتها.
لكن في النهاية، أعتقد أن المعيار الأساسي في تقييم أي إصلاح تشريعي يجب أن يكون هو مدى استجابته لمتطلبات المصلحة العامة ومدى قدرته على تحسين الإطار القانوني والمؤسساتي. فإذا كان القانون متوازنا وتم إعداده في إطار حوار حقيقي مع الفاعلين المعنيين، فإن توقيته لن يكون عاملا حاسما في قبوله داخل المجتمع.
أما إذا تم إعداد النصوص دون توافق كاف أو دون إشراك فعلي للمهنيين، فإن الجدل حولها سيبقى قائما، بغض النظر عن توقيت إصدارها. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في بناء توافقات حولها تضمن تنزيلها بشكل سلس وتحقق الأهداف التي وضعت من أجلها.
*أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بالمحمدية






