
كانت إرهاصات العلاقات المغربية الإيرانية محتشمة في عهد الملك محمد الخامس، مباشرة بعد حصول المغرب على الاستقلال. وحين تم تعيين أول سفير مغربي في إيران، لم تكن العلاقات بين البلدين تتجاوز لقاءات متباعدة في المؤتمرات الإسلامية.
وكانت علاقة البلدين خلال ستينات القرن الماضي قد طبعتها جملة اتفاقيات وزيارات هامة، فقد زار شاه إيران محمد رضا بهلوي المغرب صيف 1966، وزار الملك الحسن الثاني إيران بعد سنتين عن زيارة الشاه. وعندما قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حافظ المغرب على ما كان يربطه بإيران من قديم الصلات، إذ عمل على تقوية العلاقات الدبلوماسية مع طهران قبل الثورة الإسلامية سنة 1979، إذ كانت العلاقات المغربية الإيرانية، تعيش على إيقاع حالة من المد والجزر.
قرر المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، سنة 1981 بعد إعلان إيران دعمها للبوليساريو، ردا على قرار المغرب استقبال رضى بهلوي شاه إيران المخلوع.
وبعد عشر سنوات، عادت المياه إلى مجاريها بين الرباط وطهران، عبر افتتاح السفارة الإيرانية بالرباط، بشكل رسمي، وذلك بعد تراجع طهران عن مواقفها الداعمة لخصوم وحدتنا الترابية. لكن المغرب سيقرر مرة أخرى قطع العلاقات مع إيران سنة 2009، ليعيدها سنة 2015، ويقطعها بعد ثلاث سنوات بعد واقعة إمداد حزب الله للبوليساريو بالسلاح.
لقد ظلت إيران تتحين كل فرصة لترد للمغرب الصاع صاعين، إنها تدرك أن الفوارق الدينية بين مغرب سني، وإيران الأكثر تشددا في مذهبها الشيعي، هي مجرد صيغة من صيغ الخلاف السياسي.
ولأن لهذا الصراع والخلاف المذهبي تاريخ طويل، انطلق منذ جاءت ثورة الخميني التي أسقطت نظام شاه إيران، الذي كان من المقربين من الملك الحسن الثاني، فإنه يتجدد كلما حركته رياح السياسة هنا وهناك.
حسن البصري
حين عين الحسن الثاني سفيرا في إيران يتقن اللغة الفارسية
يعد أحمد بن المليح من أوائل أقطاب العمل الدبلوماسي في المغرب، إذ حمل صفة وزير مفوض للمملكة المغربية في كل من مصر وسوريا مباشرة بعد حصول المغرب على استقلاله، وكان الملك محمد الخامس يعول عليه في تدبير ملفات كبرى، إذ ساهم برفقة أعضاء مكتب المغرب العربي، في الإفراج عن عبد الكريم الخطابي عام 1957 في بورسعيد بمصر، حسب الكاتب عبد الحق حسني.
“بعد استقلال المغرب سنة 1956 تحول من العمل الوطني إلى العمل الدبلوماسي، حيث شغل خلال هذه المرحلة منصب سفير المملكة المغربية في غالبية الدول العربية والشرق الأوسط، مما مكنه من إقامة علاقات وثيقة، ولا سيما على المستويين الاقتصادي والدبلوماسي بين الأنظمة الحديثة في هذه المناطق والمغرب. وكان آنذاك أحد ممثلي المغرب لدى مكتب المغرب العربي الساعي إلى استقلال بلدان المغرب الكبير، حيث ظل يجالس علال الفاسي، وحبيب بورقيبة، ومحمد خضر حتى استقلال المغرب”.
في عهد الملك الحسن الثاني ترسخت مكانة بن لمليح في الجسم الدبلوماسي، فعين سفيرا للمغرب في العراق ومصر، وفي الفترة ما بين 1965 و1968، سيعين سفيرا للمغرب في دولتين وهما إيران وتركيا، وكان مهندس الزيارة التي قام بها شاه إيران إلى المغرب سنة 1966، وفي عهده ألغيت التأشيرات بين البلدين.
جاء تعيينه في إيران على خلفية شهادته في تخصص اللغات الشرقية من جامعة القاهرة، اعترف أقران أحمد بن المليح بإتقانه للغة العربية وكذلك الفارسية، كما تدل على ذلك بعض الكتابات الأدبية التي تركها.
قبل أن ينتقل إلى ليبيا في عهد الملك السنوسي ليتقلد منصب سفير للمملكة المغربية في ليبيا، إلا أن مهمته ستتوقف بعد انقطاع العلاقات بين الرباط وطرابلس.
بعد توقف اضطراري، عاد بن المليح إلى نشاطه الدبلوماسي حين عين سفيرا للمغرب في الكويت في أغلب دول الخليج العربي كالكويت والبحرين وعمان وقطر والإمارات العربية المتحدة، و”لعب دورا هاما في إقامة علاقات اقتصادية جيدة معها وخاصة جلب التمويل للمشاريع الكبرى في المغرب. كما حصل على دعم هذه الدول في ما يتعلق بإنماء الصحراء المغربية”.
ولد أحمد بن المليح سنة 1916 في مدينة فاس، انضم مبكرا للحزب الوطني ثم حزب الاستقلال في بداياته، حيث أصبح عنصرا فاعلا في مكتب المغرب العربي الكبير بالقاهرة، منذ التحاقه بمصر لاستكمال دراساته العليا علما أنه من خريجي جامعة القرويين.
بدر الدين السنوسي.. سفير بشحنة روحانية في بلاط إمبراطور إيران
ولد بدر الدين السنوسي في مارس 1933 بمدينة فاس، قضى الجزء الأكبر من حياته متنقلا بين الدول في أحضان الدبلوماسية المغربية وفي أقطار عالية التوتر.
ساعدته أصوله السنوسية، الممتدة إلى مصر وليبيا والجزائر، على التأقلم مع مهامه الدبلوماسية في تقاطعها مع الجانب الروحي.
ولعل انتماءه للطريقة السنوسية كان وراء ربطه علاقات عائلية بادريس بلمامون السنوسي، وهو ابن عم بعيد لملك ليبيا إدريس السنوسي، الذي أقام في فاس قبل انتقاله إلى طرابلس وتوليه عرش ليبيا.
بعد تخرج بدر الدين من الجامعة الفرنسية في تخصص العلاقات الدولية، اختار بدء مسيرته المهنية كمحام متدرب، عندما أصدرت وزارة العدل قرارا يستدعي جميع خريجي الحقوق، الذين دعوا شخصيا من قبل الوزير عبد الكريم بنجلون للانضمام إلى السلك القضائي. سيعين قاضيا مستشارا في المحكمة العليا بالرباط، التي كانت نواة المحكمة العليا.
بعد حصول المغرب على استقلاله شغل السنوسي عدة مناصب في عهد الملك الحسن الثاني، أبرزها منصب مستشار في الديوان الملكي، سنة 1963، وكان أصغر وزير في الحكومة سنة 1965 ككاتب للدولة في الشؤون الإدارية، قبل أن يصبح وزيرا للبريد والمواصلات.
ابتداء من سنة 1972، سيعينه الحسن الثاني سفيرا للمغرب في الولايات المتحدة، وهو منصب حساس. وبعد عامين، سيعين سفيرا في إيران، في فترة زمنية كان الحسن الثاني صديقا للشاه حيث ظلت علاقة النظام الإمبراطوري الإيراني جد وطيدة بالنظام الملكي المغربي. فكلاهما كانا حليفين للعالم الرأسمالي، خاصة أمريكا، ولهما موقف معتدل من القضية الفلسطينية. وبموازاة مع ذلك أبرم المغرب مع إيران في عهد السنوسي عدة اتفاقيات الشراكة أبرزها بروتوكول تعاون بين البلدين في مجال التنمية القروية.
في كتاب بعنوان “بدر الدين السنوسي: حياة استثنائية 1933-2019″، بإشراف ابنه عثمان، حكايات كتبها بدر الدين السنوسي بنفسه خلال حياته، ويروي لحظات مفصلية في تاريخ العلاقات بين الحسن الثاني ورضى بهلوي.
توفي السنوسي في العاصمة الرباط يوم 6 دجنبر 2019، وبعد وفاته، قال الملك محمد السادس في رسالة إلى العائلة: “أتذكر صفات الفقيد، الذي كان من أكفأ رجال الدولة، والخدمات الجليلة التي قدمها لبلاده من خلال مختلف المناصب الوزارية والدبلوماسية التي شغلها، مضيفًا أن الراحل السنوسي كان مثالا للولاء والإخلاص لعرش العلويين المجيد، وللتفاني والإيثار في أداء المهام السامية الموكلة إليه”.
محمد الوفا.. سفير مرح في بلاد الاختناق العقائدي
يستمد محمد الوفا الجرأة السياسية من تاريخه الطويل في النضال الطلابي، فقد “كان جريئا منذ صغره، في ثانوية محمد الخامس بباب أغمات، مقلقا في نادي الشبيبة الاستقلالية، التي كانت بساحة مقرها خشبة تداولت فوقها جل الفرق المسرحية المراكشية، كما يحكي الأنثروبولوجي عبد الصمد محيي الدين.
وقد استمد السياسي والدبلوماسي المراكشي الوفا السخرية التي تميز خطابه، أيضا، من علاقته برجالات الكوميديا المراكشية، خاصة أعضاء فرقة كوميديا وفرقة الوفاء المراكشية، وكان عاشقا أيضا لأغاني جيل جيلالة مراكشية الجذور.
لا يوجد تاريخ تفصيلي لولادة محمد الوفا إلا أنه لا أحد يجادل في ولادته عام 1948 في مراكش، أثناء فترة الاحتقان الشعبي بسبب القحط والوباء والسلطات الواسعة لحاكم المدينة التهامي لكلاوي. في هذه السنة ولد “سي محمد”، الذي عاش حياة اليتم فتكلف خاله باحتضانه في بداية طفولته، وحين اشتد عوده تبناه خاله الذي تكلف بتعليمه، بالرغم من ضيق ذات اليد، وسعى جاهدا إلى انتشاله من وسط الخصاص، مصرا على أن يدخله للمسيد ومنه إلى المدرسة.
غادر محمد الوفا مراكش ابتداء من سنة 1968، بعدما اختار التسجيل في شعبة العلوم الاقتصادية بجامعة محمد الخامس، لكنه سرعان ما انخرط في النضال الطلابي، معتبرا الفضاء الجامعي مجالا للزعامة مستندا إلى مرجعيته الحزبية في حزب الاستقلال وشبيبته وقبلها في كشفية الحزب.
وقد اجتمع في محمد الوفا ما تفرق في غيره، فهو الرجل الذي جمع بين السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والتعليم، وفي جميع المواقع كان يعلن التمرد، بل إنه رفض الخضوع لقرار حزب الاستقلال القاضي بالانسحاب من الحكومة وأصر على البقاء في تشكيلتها.
ولأنه تشبع في دراساته العليا بالعلوم الاقتصادية، حين نال دبلوم السلك الثالث بمعهد التنمية الاقتصادية بباريس، ما مكنه من الإلمام بتدبير الأزمات الاقتصادية التي كانت تخنق المغرب في تلك الفترة.
وحتى بعد تعيينه سفيرا للمغرب في الهند وإيران، فقد تسلح بما يكفي من جرأة، حتى في عالم الدبلوماسية المحكوم ببروتوكولات صارمة.
وسبق لمحمد الوفا، ابن مدينة مراكش، أن شغل منصب سفير للمملكة المغربية ما بين 2000 و2004 في الهند، قبل أن يعين سفيرا في إيران سنة 2006، ثم سفيرا في البرازيل، وهي محطات كبرى في حياته.
علق الوفا على تعييناته الدبلوماسية في الهند وإيران والبرازيل فقال:
“قبلت التحدي في ثلاثة بلدان مختلفة، في الهند متعددة الاعتقادات وفي إيران التي كانت تعيش صرامة المعتقدات، وفي البرازيل التي كانت عقيدتها هي كرة القدم”.
وقال رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، في حفل تأبين محمد الوفا: “لم يكن بيني وبينه اتصال مباشر في السابق، وبعد أن عينني الملك رئيسا للحكومة، واختلفنا في حقيبة التعليم واقترحوا علي الوفا فرحت. هذا الرجل اسمه يتطابق مع حقيقته”.
التازي: إيران كانت تحترم الحسن الثاني لنسبه الشريف
لم يكن الخلاف بين الراحل الحسن الثاني والزعيم الإيراني آية الله الخميني، دينيا محضا، ولكنه كان بخلفية سياسية أيضا، لم يكن المغاربة يخفونها بعد أن انتشر المد الشيعي في البلاد بكل تلاوينه، وأصبحوا يتحدثون عن المهدي المنتظر، الذي سيخلص البشرية من الظلم الذي هي فيه.
ويتذكر المغاربة وصف الحسن الثاني في إحدى خطبه في أواسط الثمانينات، حينما اندلعت الأحداث الاجتماعية التي هزت المغرب، حيث سيعرج في الخطبة عن أية الله الخميني، زعيم الثورة الإيرانية التي أسقطت الشاه، ليصفه بالزنديق الذي حرف مبادئ الإسلام.
لقد ظلت بين مملكة الحسن الثاني وجمهورية الخميني الكثير من نقط الخلاف، على الرغم من أن كلا الطرفين يعتبر نفسه ممثلا للإسلام بالنظر إلى أن سلالة العلويين تنحدر من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ظلت دساتير البلاد تؤكد على أن الملك هو أمير المؤمنين. في حين يعتبر أتباع الخميني في إيران وغيرها من البلاد التي تعتنق الشيعة مذهبا، أنهم أولى بهذه التمثيلية الإسلامية، لذلك كثيرا ما اختلط الدين بالسياسة كلما تواجه الطرفان.
ويحكي عبد الهادي التازي، أول سفير للمغرب على عهد الثورة الإسلامية للخميني كيف أن الإيرانيين كانوا يكنون حبا خاصا للحسن الثاني، لأنه من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويضيف أنه لما زار الملك الراحل إيران خلال حكم الإمبراطور الشاه، ظل يتجول بسيارة مكشوفة. وقد أخبره الإمبراطور “أن الإيرانيين كانوا يحترمون الحسن الثاني بسبب نسبه”.
ستترك الثورة الإيرانية، التي أسقطت النظام الإمبراطوري عام 1979 أثرا كبيرا على نفسية الحسن الثاني، على الرغم من أنه أعلن في كتاب “ذاكرة ملك” أن “الشاه ارتكب خطيئة التكبر، وأنه بدأ ينحرف”. كما تحدث عن “تربيته خارج إطار الحضارة الإسلامية، في مدرسة سويسرية”. كما تحدث عن “استفزازات دينية” أقدم عليها الشاه كإظهار “الإمبراطورة فرح في مسجد أصفهان وهي ترتدي تنورة تكشف ساقيها”.
الحسن الثاني يقطع علاقاته مع إيران ويؤكد أن الخميني ليس مسلما
في فبراير من سنة 1984 سيخص الحسن الثاني صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية باستجواب مطول قال فيه قولته الشهيرة: “إذا كان الخميني مسلما فأنا لا أدين بالإسلام”. وهو النعت الذي أضيف لما سبق أن قاله الملك الراحل حينما وصف الخميني بـ”المنحرف المارق”، لأنه ظل يهدف إلى الحكم بسلطة دينية، هي ما أصبحت تعرف في ما بعد بنظرية ولاية الفقيه، التي لم يعرفها الإسلام أبدا. وهو الرأي الذي تسبب في قطع العلاقات الدبلوماسية المغربية الإيرانية سنة 1979.
وقبل ذلك، كان الخميني قد أدلى بتصريحات في سنة 1980 أثارت غضبا واسعا في العالم العربي والإسلامي، إذ قال في كلمة ألقاها أمام جماعة من مؤيديه “إن الأنبياء جميعا جاؤوا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم، لكنهم لم ينجحوا، وحتى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية وتنفيذ العدالة لم ينجح في ذلك، وإن الشخص الذي سينجح في ذلك ويرسي قواعد العدالة في جميع أنحاء العالم ويقوم الانحرافات هو الإمام المهدي المنتظر”.
كان لا بد أن تفجر تلك التصريحات الكثير من الغضب في عموم الدول العربية والإسلامية، حيث أصدرت المجاميع العلمية والهيئات الشرعية في العالم الإسلامي فتاوى تكفر الخميني صراحة، وتدعوه إلى التوبة. وكان أول من بادر إلى تكفير الخميني هو مفتي العربية السعودية عبد العزيز بن باز، فتبعه علماء الدول الإسلامية.
وسيجد الحسن الثاني الفرصة الذهبية للرد على خصمه السياسي والديني. وسيتولى علماء المغرب مهمة الرد والتكفير.
ونزل البيان بردا وسلاما على الحسن الثاني الذي اعتبر أن هذا المد الشيعي القادم من الشرق، سيكون وبالا على مملكته، خصوصا وأنه رأى كيف أن ثورة الخميني غيرت الكثير من ملامح الشرق الأوسط.
وكان لا بد أن تتأثر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بسبب ما قاله الخميني لدرجة أن جل الدول الإسلامية، بما فيها المغرب، استدعت سفراءها واعتبرت نظام الحكم في إيران غير إسلامي.
عبد الهادي بوطالب في مهمة سرية مع الخميني
ظلت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإيران على عهد دولة الملالي متذبذبة بل ومتوترة. لقد انقطعت في 1979، وعادت لبعض الدفء في 1991، قبل أن تنقطع بعد ذلك في 2009، على الرغم من أن المغرب حاول، قبل الثورة، التدخل لصالح أتباع الخميني، استجابة لطلب صديق الملك الشاهنشاه “ملك الملوك الإيراني”، الذي طلب منه، حسب عبد الهادي بوطالب المستشار الملكي في مذكراته، القيام بـ”الوساطة بينه وبين الخميني وقيادة الثورة”. وقد أرسل الملك لهذه الغاية بوطالب، مستشاره آنذاك، مبعوثا خاصا إلى الخميني الذي كان موجودا بالعراق.
ويحكي عبد الهادي بوطالب أن المهمة كانت سرية، وأنه توجه إلى الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل لقائه بالخميني. لكن اللقاء لم يتم لأن الرئيس العراقي أخبره أن “لا فائدة من الاتصال بالخميني لأنه سيغادر العراق بطلب منا. وسيذهب عما قريب إلى حيث يشاء. لم يبق على موعد مغادرته سوى أيام معدودات”.
ولم يتمكن مبعوث الملك من لقاء الخميني. كما بعث الملك الراحل الحسن الثاني مبعوثا آخر، يتعلق الأمر بالوزير الأول الأسبق مولاي أحمد العراقي، الذي اختاره الملك الراحل لأنه من آل البيت كذلك، فهو عراقي حسيني، له حظوة كبيرة عند الشيعة. لكن اللقاء لم يسفر عن شيء يذكر، لتفشل وساطة الحسن الثاني بين آية الله الخميني، المنفي آنذاك في العراق، وبين الشاه، إمبراطور إيران وقتها، وهو الفشل الذي يبدو أنه انعكس سلبا على علاقة البلدين بعد الثورة الخمينية.
وسيزيد أول سفير مغربي لدى الدولة الإسلامية الجديدة في إيران عبد الهادي التازي في رسم صورة أخرى عن علاقات الود التي كانت سائدة بين البلدين، حيث يحكي كيف أنه في أول رمضان من سنة 1979 وجه دعوة إلى رئيس الوزراء الإيراني آنذاك “مهدي بازركان” لحضور حفل إفطار بمقر إقامته بطهران، فلبى المسؤول الإيراني ووزراؤه في الحكومة الدعوة، تلبية لا يمكن أن تتم دون ضوء أخضر من مرشد الثورة آية الله الخميني. ويتذكر التازي أن ذلك الإفطار كان حدثا إعلاميا، إذ تحدثت عنه وسائل الإعلام، وحاول سفراء مسلمون أن يفعلوا الأمر نفسه لكن رئيس الحكومة الإيراني آنذاك قال في خطاب بالمناسبة “إن هذا الإفطار المغربي ينوب عن كل دعوات الدبلوماسيين المسلمين”.
ويذهب عبد اللطيف السعداني، وهو مغربي تابع دراسته في إيران، إلى أبعد من ذلك، حيث ألف كتابا عن “حركات التشيع في المغرب” يخلص فيه إلى أن استهداف المد الشيعي للمغرب سابق عن الثورة الإيرانية بقرابة خمسة عشرة سنة. سياسيا، كان الخلاف على أشده بين الملك الراحل وزعيم الثورة الإيرانية.
محمد السادس يعين روائيا في منصب سفير بإيران
عادت الروح إلى العلاقات المغربية الإيرانية، بتعيين سفير مغربي في إيران مع توصية بإعادة العلاقات بين الرباط وطهران إلى سكتها الصحيحة، بعد أن شهدت الكثير من المحطات المتوترة، بلغت أوجها في مارس 2009 بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، قبل أن يعود الدفء إلى أوصال علاقاتهما الثنائية سنة 2015.
راهن الكثيرون على مسح خدوش الماضي، وقال المحللون إن الروائي والقاص حسن حامي يعيد كتابة سطور التقارب بين المغرب وإيران، باعتباره شغل من قبل منصب سفير سنة 2008 في أذربيجان، وسفيرا غير مقيم لدى جمهورية قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان، ما يجعله قريبا من الفهم الجيوسياسي للمنطقة التي تتواجد فيها إيران.
وحسب بعض التحليلات الصحفية لخبراء الشأن الدبلوماسي، فإنه من الصعب ترميم التصدع الذي طال علاقات البلدين، وقلل آخرون مما يمكن أن يقدمه حامي إلى العلاقات بين الرباط وطهران، بالنظر إلى أن تعيينه من طرف الملك محمد السادس قبل أيام خلت جاء أشهرا قليلة فقط بعد أن أبدى المغرب تضامنه المطلق مع السعودية والبحرين ضد إيران، وأيضا إلى غياب إرادة سياسية تروم تطوير علاقات البلدين، خاصة في ظل مناخ يختلط فيه السياسي بالديني:
يقول عبد الله العروي في “خواطر الصباح” معلقا على الوضع في إيران: “إن السياسة في إيران تقهر الاقتصاد”.
وسينهى الملك محمد السادس مهام سفير بلاده في إيران، حسن حامي ابتداء من 14 دجنبر 2021.
السفارة المغربية في طهران تنفذ تعليمات الشاه بحسن استقبال لاعب مغربي
في سنة 1966 شهد الملعب الشرفي بالدار البيضاء نهاية كأس العرش على شكل كلاسيكو حارق بين المغرب الفاسي والنادي المكناسي، الذي نزل إلى القسم الثاني، لكنه عوض جماهيره بالظفر بلقب الكأس الغالية بعد الفوز على “الماص” بهدفين لصفر، في مباراة شهدت تألق المهاجم حميدوش عميد “الكوديم” الذي تسلم الكأس الفضية من يد شاه إيران محمد رضا بهلوي، وكان ذلك في 12 يونيو من سنة 1966.
عبر ضيف الحسن الثاني عن إعجابه بأداء النادي المكناسي، وحين صعد عميد الفريق حمادي حمدوش إلى المنصة الرسمية لتسلم الكأس، قال له شاه إيران: “هنيئا لكم على الأداء البطولي، إنني أوجه دعوة لفريقكم من أجل زيارة طهران، وقضاء أسبوع كامل على نفقة الإمبراطورية، سيتكلف سفير إيران في الرباط بجميع الإجراءات الإدارية لتسهيل سفركم”. شكر حمادي الشاه على المبادرة واعتبرها فرصة لا تعوض لزيارة أرض فارس. إلا أن عناصر الفريق المكناسي رفضوا بدعوى انشغالهم بقضية النزول إلى القسم الثاني، وحالة الإحباط التي سادت المدينة، بينما قرر حمادي السفر إلى طهران وقضى فترة في ضيافة الشاه.
بعد أيام تلقيت الدعوة الكريمة وسافرت إلى طهران، هناك استقبلت استقبال الأبطال في المطار وعشت أياما لا تنسى في بلد كان يعيش تطورا كبيرا على كافة الواجهات.
نظم اتحاد كرة القدم الإيراني على شرفي مجموعة من الزيارات للمرافق الرياضية وتعرفت على الكرة هناك، لأنني كنت ضيف الشاه كما كانوا يرددون. شعرت بعد انتهاء الرحلة أن الاستضافة هي أكبر منحة نلتها بعد الفوز بلقب كأس العرش، لاسيما وأن الشاه أثنى علي كثيرا ووصف أدائي في تلك المباراة التاريخية بالمذهل لأنه كان عارفا بالكرة”. يضيف حميدوش.
عرض الشاه على حمادي فكرة الاحتراف في إيران لكنه رفض لارتباطه بالمغرب، خاصة أنه رفض الاستمرار في حضن فريق “ريد سطار” الفرنسي، الذي عزز به هجومه إلى جانب العربي شيشا.
حين عاد حميدوش من إيران محملا بالهدايا والذكريات، وجد عرضا من الجيش الملكي الذي جاوره كلاعب وفاز معه بلقبين للدوري المغربي.
كان الشاه هو الأكثر عشقا للكرة من بين عدد من القادة الأجانب الذين تابعوا معه نهائيات كأس العرش، بل إنه كان يشارك الحسن الثاني لعبة الغولف أيضا، بل إنه وجه دعوة للمنتخب المغربي بزيارة إيران وإجراء مباراة في كرة القدم ضد الفريق الإيراني، وكان ذلك في عام 1970، رغم ذلك لم يتمكن أي لاعب أو مدرب مغربي من الاحتراف في إيران.





