
لا بد من قدر من الموهبة في البداية، ثم يأتي بعد ذلك صقل الأسلوب وتطويره. فالأسلوب ليس أداة، ولا منهجا ولا مجرد اختيار للألفاظ. إنه أوسع وأعمق من ذلك بكثير، إذ يشكل صفة أو عنصرا جوهريا من شخصية الكاتب نفسها. وحين نتحدث عن الأسلوب، فإنما نعني الطبيعة الخاصة للفنان، والطريقة التي تتجلى بها هذه الطبيعة في نتاجه الإبداعي. يمكن للكاتب أن يتقن طرائق التعبير، ومن الطبيعي أن يزداد أسلوبه دقة وقوة على امتداد مسيرته الأدبية، كما حدث فعلا مع جين أوستن. ولكن الكاتب الذي يفتقر إلى الموهبة لا يستطيع أن يطور أسلوبا أدبيا ذا قيمة؛ فكل ما قد يبلغه هو بناء مصطنع، وآلي الصنع، يخلو من تلك الشرارة الإلهية.

ولهذا لا أعتقد أن من الممكن تعليم أحد كتابة الروايات ما لم يكن يمتلك أصلا موهبة أدبية. ففي هذه الحالة وحدها تمكن مساعدة الكاتب الشاب على اكتشاف ذاته، وتحرير لغته من الكليشيهات، والتخلص من الركاكة واكتساب عادة البحث الدؤوب، بلا كلل، عن الكلمة الصحيحة الوحيدة التي ستكشف بدقة متناهية درجة قوة الفكرة وفي مثل هذه الأمور، لا يوجد معلمون أفضل من جين أوستن.
في نهاية المطاف، الأسلوب والبناء هما جوهر الكتاب؛ أما الأفكار العظيمة فمحض هراء. فما يصنع الفارق هو الأشياء الصغيرة. داعبوا التفاصيل، التفاصيل الإلهية!
لا تشعر بأنك مضطر إلى البدء من البداية..
كل ما أعرفه هو أنه في مرحلة مبكرة من تطور الرواية تنتابني رغبة في جمع فتات القش والزغب، وفي ابتلاع الحصى. لن يعرف أحد أبدا مدى وضوح الصورة التي يتخيلها الطائر لعشه المقبل والبيض الذي سيحويه، أو إن كان يتخيلها أصلا. وحين أستعيد لاحقا تلك القوة التي دفعتني إلى تدوين الأسماء الصحيحة للأشياء، أو مقاساتها الدقيقة وتدرجات ألوانها، حتى قبل أن أحتاج هذه المعلومات فعليا، أميل إلى الاعتقاد بأن ما أسميه، لعدم وجود مصطلح أدق، ”الإلهام” كان قد بدأ عمله منذ ذلك الحين، بصمت، ويشير إلي هنا وهناك، ويجعلني أراكم مواد معروفة لبناء ما زال مجهولا.
بعد الصدمة الأولى من إدراك ذلك الإحساس المفاجئ: ”هذا ما سأكتبه”، تبدأ الرواية في التوالد من تلقاء نفسها؛ وتستمر العملية كلها في الذهن لا على الورق. ولكي أعرف المرحلة التي بلغتها في أي لحظة، لست بحاجة إلى أن أكون واعيا بكل عبارة على وجه الدقة. أشعر بنوع من النمو الهادئ، وانفراج داخلي، وأدرك حينها أن التفاصيل موجودة سلفا، وأنني في الحقيقة أستطيع رؤيتها بوضوح لو دققت النظر أكثر، ولو أوقفت الآلة وفتحت حجرتها الداخلية؛ لكنني أفضل الانتظار حتى ينجز ما يسمى على نحو كبير ”الإلهام” مهمته كاملة.
تأتي لحظة يعلمني فيها الصوت الداخلي بأن البنية بأسرها اكتملت. ولا يبقى علي سوى تدوينها بالقلم الرصاص أو الحبر. وبما أن هذه البنية الكاملة، والمضيئة على نحو خافت في الذهن، يمكن تشبيهها بلوحة، وبما أنك لا تحتاج إلى العمل تدريجيا من اليسار إلى اليمين لفهم اللوحة، أستطيع أن أوجه مصباحي إلى أي جزء أو تفصيلة من الصورة حين أشرع في كتابتها.
كيف يكتب نابوكوف؟
أحب كتابة قصصي ورواياتي على بطاقات الفهرسة، ثم أرقمها بعد ذلك حين تكتمل المجموعة بأسرها. تعاد كتابة كل بطاقة مرات عديدة. وكل ثلاث بطاقات تقريبا تكون صفحة مطبوعة واحدة. وحين أشعر أخيرا بأن الصورة المتخيلة نقلتها إلى الورق بأكبر قدر ممكن من الأمانة، تبقى بعض الفراغات غير مملوءة للأسف. وبعد ذلك أملي الرواية على زوجتي فتقوم بكتابتها على الآلة الكاتبة في ثلاث نسخ. فأنا لا أكتب على نحو متسلسل من البداية إلى الفصل التالي ثم إلى النهاية. بل أملأ الفراغات في الصورة، في هذا اللغز المركب الذي يتضح كاملا في ذهني، فألتقط قطعة من هنا وأخرى من هناك، وأملأ جزءا من السماء وجزءا من المشهد الطبيعي وجزءا من، لا أدري، الصيادين الماجنين.
نمط العمل، بالنسبة إلي، يسبق العمل نفسه. أملأ فراغات الكلمات المتقاطعة من أي موضع أشاء.. برنامجي مرن، غير أنني شديد التدقيق في أدواتي.. أستخدم بطاقات بريستول مسطرة، وأقلام رصاص جيدة الشحذ، غير حادة أكثر من اللازم، ومزودة بممحاة.
أشعر بمتعة وعذاب في آن حين أصوغ الكتاب في ذهني، ثم ضيق مرهق عندما أتصارع مع أدواتي وأحشائي، قلم رصاص يحتاج إلى إعادة بري، وبطاقة يجب أن تعاد كتابتها، ومثانة ينبغي إفراغها، وكلمة أخطئ في تهجئتها دائما وأضطر في كل مرة إلى مراجعتها. ثم يأتي عناء قراءة النص المطبوع الذي أعدته السكرتيرة، وتصحيح أخطائي الجسيمة وأخطائها الصغيرة، ونقل التصحيحات إلى نسخ أخرى، وإضاعة الصفحات، ومحاولة تذكر ما كان ينبغي شطبه أو إضافته. ويتكرر كل ذلك عند مراجعة البروفات. ثم أفك غلاف النسخة الأولى، المشرقة والجميلة والممتلئة، أفتحها، فأكتشف هفوة غبية ارتكبتها أنا وسمحت لها أن تمر. بعد شهر تقريبا أعتاد المرحلة النهائية للكتاب، على كونه قد فطم من عقلي. عندئذ أنظر إليه بشيء من المودة المرحة، كما ينظر رجل لا إلى ابنه، بل إلى زوجة ابنه الشابة.
وحين يكتمل الكتاب تماما، وتكون نسخته النهائية لا تزال دافئة ورطبة، تمر زوجتي عليه بعناية. وغالبا ما تكون ملاحظاتها قليلة، لكنها دائما في صميم الموضوع.
أنا لا أرد أبدا على ما يقوله النقاد حين يتعلق الأمر بأعمالي الفنية. فسهام النقد السلبي هناك لا تستطيع حتى خدش، فضلا عن اختراق، الدرع الذي يسميه الرماة الخائبون ”ثقتي بنفسي” لكنني أمد يدي إلى أثقل معاجمي حين يشكك في علمي ومعرفتي، كما حدث مع صديقي القديم إدموند ويلسون. كما أنني أنزعج فعلا حين يتطفل أناس لم ألتق بهم قط على خصوصيتي بافتراضات زائفة وفجة، مثلا السيد أبدايك، الذي يقترح في مقال ذكي في مجمله، اقتراحا عبثيا، أن شخصيتي الروائية، آدا السليطة والفاجرة، هي، على حد تعبيره، في بعد أو بعدين، ”زوجة نابوكوف”. وقد أضيف أنني أجمع القصاصات الصحفية لجمع المعلومات والتسلية.
المرة الوحيدة التي تعاونت فيها مع أي كاتب كانت حين ترجمت، مع إدموند ويلسون، مسرحية بوشكين ”موزارت وسالييري” لصالح مجلة ”ذا نيو ريبابليك” قبل خمسة وعشرين عاما، وهي ذكرى مفارقة إلى حد ما إذا ما نظر إليها في ضوء ما أقدم عليه العام الماضي، حين جعل من نفسه أضحوكة بتجرئه على التشكيك في فهمي لـ”يفجيني أونيجين”. ومن ناحية أخرى، كانت ”ماري مكارثي” شديدة اللطف معي مؤخرا في المجلة نفسها، ”ذا نيو ريبابليك” وإن كنت أرى أنها أضافت قدرا غير قليل من لمستها الملائكية الخاصة إلى النار الشاحبة لبودينج البرقوق الخاص بكينبوت. وأفضل ألا أتطرق هنا إلى علاقتي بجيروديا، لكنني رددت عليه في مجلة ”إيفرجرين” ردا على مقاله اللئيم المنشور في أنطولوجيا ”أوليمبيا”. وبخلاف ذلك، فأنا على أفضل علاقة بجميع ناشري. أما صداقتي الدافئة مع كاثرين وايت وبيل ماكسويل من مجلة ”ذا نيويوركر”، لا يستطيع أكثر المؤلفين غرورا أن يذكرها من دون امتنان وبهجة.
كاتبي المفضل في طفولتي
هناك عدة كتاب معاصرين أتابعهم بمتعة كبيرة، لكنني لن أذكر أسماءهم، فالمتعة المجهولة لا تؤذي أحدا.
كثير من الكتاب المقبولين ببساطة، غير موجودين بالنسبة لي. أسماؤهم منقوشة على قبور فارغة، وكتبهم مزيفة، فهم عدم كامل بميزان ذائقتي القرائية. بريشت، وليام فوكنر، ألبير كامو، وغيرهم كثيرون، لا يعنون لي شيئا على الإطلاق، وأكافح شعورا بوجود مؤامرة على دماغي حين أرى ما يقبل بسلاسة على أنه أدب عظيم لدى النقاد والكتاب الزملاء.. مضاجعات ”عشيق الليدي تشاترلي”، أو الهراء المتصنع للسيد باوند، المزيف. وألاحظ أنه حل محل الدكتور شفايتزر في بعض البيوت.
لا أذكر أنني صادفت تلاعبات لفظية عند خورخي لويس بورخيس، لكنني قرأته مترجما فقط. على أية حال، فإن حكاياته الرقيقة الصغيرة وكائناته المينوتورية المصغرة لا تمت بصلة إلى آلات جيمس جويس الجبارة. كما أنني لا أجد كثيرا من الألغاز في تلك الرواية الأشد وضوحا، ”عوليس”. في المقابل، أكره ”يقظة بنبنجان” كراهية شديدة؛ ففيها نمو سرطاني من نسيج لغوي متخيل لا يكاد يعوض البهجة الفولكلورية البغيضة والاستعارة السهلة، أكثر مما ينبغي.
لم يؤثر جيمس جويس في بأي صورة من الصور. كان أول احتكاك عابر لي بـ”عوليس” نحو عام 1920 في جامعة كامبردج، حين صادف أن جلب صديق لي، بيتر مروزوفسكي، نسخة من باريس، وقرأ لي مقطعا أو اثنين لافتين من مونولوغ مولي، ولكن دعنا نبقي الأمر بيننا، كانا من أضعف فصول الكتاب. وبعد خمسة عشر عاما، حين كنت قد تشكلت ككاتب ولم أعد راغبا في التعلم أو نسيان ما تعلمته، قرأت ”عوليس” وأعجبت به إعجابا بالغا. أما ”يقظة فينيجان” فأنا لا أبالي بها، كما لا أبالي بكل أدب إقليمي مكتوب بلهجة، حتى لو كانت لهجة عبقرية.
أثر بوشكين علي بطريقة ما، لكن ليس أكثر من تأثر تولستوي أو تورجينيف بكبرياء فن بوشكين ونقائه.
كان إتش چي ويلز، ذلك الفنان العظيم، كاتبي المفضل في طفولتي. ”الأصدقاء العاشقون”، ”آن فيرونيكا”، و”آلة الزمن” و”بلاد العميان”، كل هذه الأعمال أفضل بكثير من أي شيء استطاع بينيت، أو كونراد، أو في الحقيقة أي من معاصري ويلز أن ينجزوه. يمكن تجاهل تأملاته الاجتماعية بأمان، بالطبع، لكن رواياته الرومانسية وتخييلاته رائعة بحق.
لست معنيا بالجماعات أو الحركات أو المدارس الأدبية وما شابهها. ما يهمني هو الفنان نفسه فقط. فهناك عدد قليل من الكتاب العظام، وتقلد أعمالهم تقليدا مشوها من قبل حشد من الكتاب السطحيين، تساعدهم تسميات زائفة على تحقيق رواج تجاري.
لا أعتقد أن على الفنان أن ينشغل بجمهوره. فجمهوره الأفضل هو الشخص الذي يراه في مرآة الحلاقة كل صباح. أما الجمهور الذي يتخيله الفنان حين يفكر في هذا الأمر، فليس سوى غرفة مليئة بأشخاص يرتدون قناعه هو.
كان بوشكين، الشاعر المحترف والنبيل الروسي، يصدم مجتمع الصفوة حين يعلن أنه يكتب لمتعته الخاصة لكنه ينشر من أجل المال. أفعل الشيء نفسه، غير أنني لم أصدم أحدا قط، إلا ربما ناشرا سابقا لي، كان يرد على مطالبي الغاضبة بالقول إنني كاتب أفضل بكثير من أن أحتاج إلى سلف مالية مبالغ فيها.
في طفولتي كنت قارئا نهما على نحو استثنائي. فبحلول الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمري، كنت قد قرأت أو أعدت قراءة جميع أعمال تولستوي بالروسية، وكل مسرحيات شكسبير بالإنجليزية، وأعمال فلوبير كاملة بالفرنسية، فضلا عن مئات الكتب الأخرى. واليوم أستطيع دائما أن ألحظ متى تشبه جملة أكتبها، في بنيتها ونبرتها، جملة لأحد الكتاب الذين أحببتهم أو مقتهم قبل نصف قرن؛ ومع ذلك لا أعتقد أن كاتبا بعينه كان له تأثير محدد أو مباشر علي. أما تأثير الأماكن والأشخاص، فأنا مدين للمناظر الطبيعية في شمال روسيا، حيث قضيت صباي، بالكثير من استعاراتي وإيحاءاتي الحسية، كما أدرك أن والدي كان السبب في أن أتذوق، في سن مبكرة، الرعشة الخاصة التي تحدثها قصيدة عظيمة.
لم أنظر إلى الأدب يوما بوصفه مهنة. فالكتابة كانت بالنسبة إلي دائما مزيجا من الكآبة والنشوة، ومن العذاب والمتعة؛ ولم أتوقع قط أن تكون مصدرا للرزق.
ولدت رساما
يمكنني القول إن ”لوليتا”، من بين جميع كتبي، هي التي تركت لدي أمتع أثر، ربما لأنها الأكثر صفاء، والأشد تجريدا والأدق إحكاما في بنائها. ولعلني أنا المسؤول عن الظاهرة الغريبة المتمثلة في أن الناس لم يعودوا يسمون بناتهم ”لوليتا”. لقد سمعت عن إطلاق ذلك الاسم على إناث كلاب البودل الصغيرة منذ عام 1956، لكنني لم أسمع عن أي إنسانة سميت به. وقد حاول بعض المتحمسين ترجمة ”لوليتا” إلى الروسية، إلا أن النتائج كانت رديئة إلى حد جعلني أشرع في إنجاز ترجمة بنفسي. فكلمة مثل «jeans»، على سبيل المثال، تترجم في القواميس الروسية إلى ”سراويل واسعة قصيرة”، وهو تعريف غير مرض على الإطلاق.
أما عن اللغات التي أتقنها وأراها الأجمل، عقلي يقول الإنجليزية، وقلبي الروسية، وأذني الفرنسية. فأنا أكتب بثلاث لغات، لكنني أفكر بالصور. ومن ثم فإن مسألة التفضيل لا تطرح نفسها حقا. فالصور صامتة، غير أن السينما الصامتة سرعان ما تبدأ بالكلام، وحينها أتعرف إلى لغتها. وفي النصف الثاني من حياتي، كانت اللغة الغالبة هي الإنجليزية، إنجليزيتي الخاصة، لا تلك التي تنسب إلى كامبردج، لكنها تظل إنجليزية.
إن مأساتي الخاصة، التي لا يمكن، بل لا ينبغي، أن تكون موضع اهتمام أحد، هي أنني اضطررت إلى هجر لغتي الطبيعية، لساني الفطري، الروسية الغنية الطيعة، إلى حد لا يتصور، لأستبدل بها صيغة من الإنجليزية من الدرجة الثانية.
أعتقد أنني ولدت رساما حقا! وحتى سن الرابعة عشرة تقريبا، كنت أقضي معظم يومي في الرسم والتلوين، وكان يفترض أن أصبح رساما في الوقت المناسب. غير أنني لا أظن أنني امتلكت موهبة حقيقية في ذلك المجال. ومع ذلك، فإن الإحساس باللون وحب اللون رافقاني طوال حياتي. وإلى جانب هذا، لدي موهبة غريبة إلى حد ما، وهي أنني أرى الحروف ملونة. ويطلق على ذلك ”السمع اللوني”. وربما يمتلكه شخص واحد من كل ألف. لكن علماء النفس يقولون لي إن معظم الأطفال يمتلكونه، ثم يفقدونه لاحقا حين يخبرهم آباء أغبياء بأن الأمر محض هراء.. فحرف A ليس أسود، وحرف B ليس بنيا، لا تكن سخيفا.
أما عن رأيي في الأدب الأمريكي منذ عام 1945، فنادرا ما يوجد في أي جيل واحد أكثر من كاتبين أو ثلاثة من الطراز الأول حقا. وأرى أن سالينجر وأبدايك هما، بفارق واضح، أفضل الفنانين في السنوات الأخيرة. أما ذلك النوع المثير والزائف من الروايات الأكثر مبيعا، والرواية العنيفة الفجة، والمعالجة الروائية للمشكلات الاجتماعية أو السياسية، وبوجه عام تلك الروايات التي تتكون في معظمها من حوار أو تعليق اجتماعي، فكل ذلك محظور تماما على منضدتي بجوار السرير. وأما ذلك المزيج الشعبي من الإباحية والعناق العاطفي المثالي الزائف، فهو يثير في نفسي شعورا بالغثيان الصريح.
أما عن رأيي في الكتابة الروسية منذ عام 1945، ففي السنوات الأولى التي تلت الثورة البلشفية، في العشرينيات وبدايات الثلاثينيات، كان لا يزال بالإمكان تمييز بعض الأصوات الحقيقية وسط ذلك الركام من التفاهات المروعة.
+++
مؤطر
نصائح فلاديمير نابوكوف للكتاب
ادرس أعمال الكتاب الآخرين
على الكاتب الخلاق أن يتأمل بعناية ما يقدمه منافسوه، بما في ذلك ما يبدعه الخالق نفسه. ويجب أن يمتلك القدرة الفطرية لا على إعادة تركيب العالم فحسب، بل على إعادة خلقه. ولتحقيق ذلك من دون تكرار ما سبق، ينبغي للفنان أن يعرف العالم الماثل أمامه. فخيال بلا معرفة لا يقود أبعد من فناء الفن البدائي، ولا يتجاوز خربشات طفل على سياج أو رسالة دجال في السوق. فالفن ليس أمرا بسيطا قط.
لا تهدر وقتك في التقليد
يبدو الكتاب المقلدون متعددي المواهب لأنهم يحاكون كثيرين من الماضي والحاضر. أما الأصالة الفنية فلا تقلد إلا ذاتها.
استخرج الحكاية من العالم من حولك
يصبح فن الكتابة عملا واهيا إن لم يبدأ أولا بفن رؤية العالم بوصفه إمكانية كامنة للتخييل. فمادة هذا العالم قد تكون واقعية بما يكفي (بقدر ما تبلغه الواقعية)، لكنها لا توجد أصلا ككل متفق عليه؛ إنها فوضى، ولتلك الفوضى يقول الكاتب: اذهبي! فيترك العالم يومض ويتماهى.
تقبل دورك كمخادع
الأدب اختراع. والخيال القصصي خيال محض. لذلك، تسمية حكاية ما ”حكاية حقيقية” إهانة مزدوجة، للفن والحقيقة معا. فكل كاتب عظيم مضلل عظيم، وكذلك هي الطبيعة، تلك المحتالة الكبرى، التي لا تكف عن الخداع. من أبسط ضروب الخداع في عملية التكاثر، إلى أكثر الحيل إعجازا وإتقانا كتغير الألوان عند الفراشات أو الطيور للحماية. توجد في الطبيعة منظومة مدهشة من السحر والحيل. وكاتب الأدب التخييلي لا يفعل أكثر من أن يسير على خطى الطبيعة.
الأصالة هي كل شيء
مقدار القوة والأصالة الكامنتين في الاندفاعة الأولى للإلهام يتناسب طرديا مع قيمة الكتاب الذي سيبدعه المؤلف.
في أدنى درجات هذا السلم، قد يتعرض الكاتب المبتدئ إلى نوع خفيف من الإثارة، على سبيل المثال، حين يلاحظ ترابطا داخليا بين مدخنة مصنع تدخين، وشجيرة أرجوان قزمة في الفناء، وطفل شاحب الوجه. لكن لأن هذا التركيب شديد البساطة، والرمز الثلاثي فيه مكشوف إلى حد الابتذال، والجسر الواصل بين الصور قد داسه مرارا حجاج الأدب وعبرت فوقه عربات الأفكار الجاهزة. ولأن العالم المستنتج منه مشابه تماما للعالم المألوف، فإن العمل التخييلي الذي ينطلق من هذا كله لا بد أن يكون متواضع القيمة. ومع ناحية أخرى، لا أود أن أوحي بأن الدافع الأول في الكتابة العظيمة يكون دائما ثمرة شيء مرئي أو مسموع أو مشموم أو متذوق أو ملموس، التقط خلال تجوالات بلا هدف لفنان طويل الشعر يمارس فنا من أجل الفن.
كن راويا ومعلما.. والأهم كن ساحرا
يمكن النظر إلى الكاتب من ثلاث زوايا: بوصفه راويا للحكاية، وبوصفه معلما وساحرا. والكاتب المحترف هو من يجمع هذه الصفات الثلاث معا، الراوي، والمعلم والساحر، لكن صفة السحر هي التي تطغى فيه وتمنحه مكانته ككاتب كبير.
نلجأ إلى الراوي بحثا عن المتعة، وعن قدر بسيط من الإثارة الذهنية وعن المشاركة الوجدانية، ولذة الارتحال إلى عوالم بعيدة في المكان أو الزمان. أما العقل الذي يختلف قليلا عن غيره، وليس بالضرورة أن يكون أسمى، فيبحث عن المعلم في الكاتب. ومن هنا يتدرج الدور تدرجا تصاعديا، من المروج للفكرة، إلى الواعظ، ثم إلى النبي. وقد نقصد المعلم لا طلبا للتربية الأخلاقية وحدها، بل طلبا للمعرفة المباشرة، والحقائق البسيطة أيضا.
وأخيرا، وقبل أي اعتبار آخر، الكاتب العظيم دائما ساحر عظيم. وهنا نبلغ الجزء الأكثر إثارة حقا، حين ندرك السحر الفردي لعبقريته، ونتأمل أسلوبه، وصوره، وبنية رواياته أو قصائده.
+++
فلاديمير نابوكوف (1899-1977)
روائي ومترجم روسي- أمريكي





