
نعيمة لحروري
لم تحدث اللوائح الجهوية للنساء لتكون «احتياطيا عائليا» للأحزاب، ولا لتتحول إلى وسيلة التفاف رخيصة على منطق المنافسة.
هذه الآلية لم تأت من فراغ، بل وضعت لتصحيح اختلال عميق طال تمثيلية النساء لعقود، ولفتح المجال أمام كفاءات ظلت مقصاة، بفعل بنية سياسية غير متوازنة.
لكن ما يجري اليوم يشي بشيء آخر تماما: نحن أمام عبث سياسي مكتمل الأركان.
في الكواليس، لا يدور النقاش حول الكفاءة، ولا حول البرامج، ولا حتى حول الحضور الميداني.
السؤال الحقيقي الذي يطرح بلا خجل هو: «من سندفع به هذه المرة؟».
والأجوبة جاهزة: ابنة فلان، أخت علان، قريبة ذاك النافذ.
أما باقي النساء، فليكتفين بدور المتفرجات.
بل إن الأمر لم يعد حالات معزولة، بل أصبح نمطا متكررا عبر العديد من الأقاليم، حيث يمارس بعض «الأعيان» نوعا من الابتزاز السياسي: إما فرض قريباتهم ضمن اللوائح، أو الانسحاب وتغيير الانتماء الحزبي.
هذا ليس تمكينا.
هذا تحايل فج على فكرة التمكين.
أن تتحول آلية وضعت لإنصاف النساء إلى قناة لتوريث المواقع، فذلك ليس فقط انحرافا، بل استهتار صريح بفكرة الإصلاح نفسها.
وكأننا أمام مسرحية رديئة: نفس الأسماء، نفس العائلات، فقط مع تغيير الواجهة.
الأخطر أن هذه الممارسات لا تمر في صمت، بل تقدم أحيانا بكل وقاحة على أنها «اختيارات طبيعية»، وكأن المغرب لم يعد يزخر بكفاءات نسائية قادرة، وكأن السياسة حكر على عائلات بعينها.
أي رسالة نبعثها اليوم؟
أن الطريق إلى البرلمان لا يحتاج اجتهادا، بل يحتاج لقبا عائليا؟
أن الانتماء إلى دائرة النفوذ أهم من أي مسار أو تجربة؟
بهذا المنطق، لا يتم فقط إقصاء الكفاءات، بل يتم تشويه صورة المرأة في السياسة،
وتقديمها كواجهة، لا كفاعل حقيقي.
وهذا، في حد ذاته، إهانة لا تحتاج إلى تفسير.
الأحزاب التي تتغنى بتجديد النخب، تمارس في الواقع أقدم أشكال إعادة إنتاجها.
تغير الأسماء، لكنها لا تخرج عن نفس الدوائر المغلقة.
تتحدث عن الحداثة، لكنها تمارس توريثا سياسيا مكشوفا.
ثم نتساءل بعد ذلك عن ضعف الثقة في العمل السياسي.
أي ثقة يمكن أن تبنى، حين يرى المواطن أن نفس العائلات تقتسم المقاعد، وأن الآليات الإصلاحية يتم تفريغها من مضمونها بهذه السهولة؟
المشكلة لم تعد في النصوص، بل في من يتلاعب بها.
وفي غياب أي حرج، أو حتى محاولة لإخفاء هذا السلوك، نجد أنفسنا أمام مشهد يختزل السياسة في منطق الغنيمة.
اللوائح الجهوية للنساء ليست إرثا عائليا، ولا امتيازا يوزع داخل البيوت السياسية.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض ترشح قريبات السياسيين من حيث المبدأ، بل برفض تحويل هذا الحق إلى قاعدة غير معلنة، تقصي في صمت عشرات الكفاءات النسائية التي لا تملك «واسطة عائلية».
فالسياسة ليست إرثا ينقل، ولا امتيازا يورث، بل مسؤولية تكتسب.
المطلوب اليوم ليس فقط نصوصا قانونية، بل إرادة سياسية حقيقية تضع حدا لهذه الممارسات، وتعيد الاعتبار لفكرة أن التمثيلية النسائية يجب أن تبنى على الجدارة، لا على شجرة النسب.
لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في من يترشح،
بل في الرسالة التي تبعث للمجتمع:
أن الطريق إلى البرلمان قد لا يمر عبر الكفاءة، بل عبر العائلة.
وهكذا، بدل أن تفتح هذه اللوائح بابا للنساء،
تحولت إلى باب خلفي للعائلات..
يدخل منه النفوذ، وتبقى الكفاءة في الخارج.





