
يونس جنوحي
سفير آخر اعتمده السلطان المولى إسماعيل في واحدة من أهم المحطات التاريخية التي عرفتها فترة حكمه الممتدة ما بين سنتي 1672 و1727.. يتعلق الأمر بمحمد بن حدو أعطار.
ورغم أن الإنجليز أطلقوا عليه اسم «السفير العطار»، إلا أن الأرشيف المغربي يوثق له بلقبه الأمازيغي «أعطّار».
ينحدر أعطار من منطقة آسفي.. ما الذي أوصله إلى بلاط المولى إسماعيل في مكناس؟ الجواب كله يكمن في اسمه العائلي. فالاسم لا يحيل بالضرورة على حرفة أو تجارة عائلية.. فأسرة «أعطار» في آسفي كانت معروفة باحتكار عدد من المناصب المخزنية في الدولة منذ عهد السعديين، خصوصا وأن الجد كان مجرد خادم في البلاط، لكن ابنه توظف في سلك المخزن، بينما استطاع الحفيد -السفير- أن يترقى من المنصب المخزني، باعتباره «قايد»، ليصل إلى مرتبة سفير ورئيس الوفد الرسمي للسلطان المولى إسماعيل إلى إنجلترا.
شغل أعطّار، في بداية عهد المولى إسماعيل، منصب حاكم لتطوان، وهو أرقى منصب مخزني وصل إليه، ثم استدعاه المولى إسماعيل ليتقرر رسميا إرساله على رأس سفارة إلى بريطانيا في أبريل 1681، لكنه لم ينطلق من القصر الملكي في مكناس، ليبدأ سفره إلا في نونبر من السنة نفسها.
كان الإنجليز متوجسين من هوية هذا السفير، سيما وأن برنامج رحلته كان حافلا. وطلب الإنجليز رسميا من قنصلهم في طنجة، السيد «كيرك»، معلومات عن هذا السفير.
كتب القنصل البريطاني متحدثا عن أعطّار، في رسالة لا يزال أصلها محفوظا في خزانة الأرشيف البريطاني، ويعود تاريخها إلى يوم 8 أبريل 1681، جاء فيها:
«يبدو لي السفير شخصا حُسن المعشر ومتفهما، وهو ينتمي من جهة أبيه إلى أسرة من أعرق الأسر. أما من جهة أمه فيبدو أنها كانت امرأة إنجليزية».
لا يوجد دليل تاريخي على أن والدة السفير أعطّار كانت إنجليزية، لكن المؤرخين المغاربة رجحوا أن تكون والدته من الأسرى الذين تم جلبهم إلى المغرب في أيام الدولة السعدية من العلوج.
وما جعل الإنجليز يعتقدون أن والدته إنجليزية يعود إلى علاقة والده وجده بالتجار الإنجليز في آسفي. بينما يرى المؤرخ عبد الهادي التازي أن «أعطّار» ينحدر من منطقة سوس، واحتفظ باللقب الأمازيغي، ولا يحتمل أبدا أن تكون والدته بريطانية الجنسية.
لم تكن مهمة أعطار سهلة. فقد اختاره المولى إسماعيل لإدراكه أنه يعرف الكثير عن طباع الإنجليز وثقافتهم، في وقت كان السلطان يحتاج إلى من يدبر التفاوض مع لندن لطي صفحة الأسرى، وجبل طارق واحتلال طنجة.
الملك تشارلز الثاني لم يكن مستعدا للتنازل عنها بسهولة لصالح المولى إسماعيل، ولذلك توجب تعيين سفير في مهمة مطولة، للبت في كل هذه الملفات.
يوم 28 نونبر 1681، كان السفير أعطار يترقب السفينة التي كان منتظرا أن تقله إلى بريطانيا. لكن مشكلا وقع في طنجة، التي يحتلها الإنجليز، أخّر انطلاق الرحلة. وهو ما جعل أعطار يقرر الكتابة إلى المولى إسماعيل، ليخبره بالعراقيل التي وضعها الإنجليز أمامه قبل السفر، وكأنهم يُعدونه نفسيا لتلقي خيبات دبلوماسية تتعلق بالمهمة الرسمية التي أوكلت إليه.
من يوم 28 نونبر وأعطّار ينتظر انطلاق رحلته، إلا أنه لم يمخر عباب البحر فعليا إلا في يوم 11 يناير 1682. وسبب التأخر أن سلطات بريطانيا القنصلية في طنجة اعترضت على مترجم اصطحبه أعطار معه ولم يأذنوا له بالسفر مع الوفد المغربي. ويتعلق الأمر بمترجم اسمه «جوناس».. وهو أسير بريطاني وقع في أسر البحارة المغاربة في بحر سلا، واصطُحب إلى مكناس وهناك اعتنق الإسلام مقابل إطلاق سراحه، وتقرر أن يشتغل مترجما في البلاط.
بدا واضحا أن بريطانيا كانت معترضة بشدة على حضور هذا المترجم مع الوفد المغربي. فقد كانوا يعتبرونه خائنا لبلاده، خصوصا وأنه أظهر ولاء كبيرا للمغرب بعد اعتناقه الإسلام. وكتب القنصل البريطاني، السيد «كيرك»، إلى وزارة الخارجية في لندن، أياما قبل انطلاق الرحلة، يصف المُترجم بأقبح النعوت. وهي الرسالة التي نقلها المؤرخ البريطاني د. روجرز، أشهر من وثّق للعلاقات المغربية- الإنجليزية لأكثر من أربعة قرون.
وجاء في رسالة القنصل، التي هاجم فيها مُترجم السفير أعطّار، ودافع فيها عن قرار منع «جوناس» من مرافقة الوفد المغربي:
«لما علمت بأن مرتدا إنجليزيا يدعى جوناس هرب من هنا (طنجة) مرتين، وهو خبيث ونذل صفيق كان يصحبه السفير وكان مطلوبا أن يصحبه إلى إنجلترا كمترجم، رأيتُ أن أمنع ذلك. خاصة لما يسببه ظهور رجل ناقص الدين والولاء في حضرة مولاي الملك من قلة احترام.
أضف إلى ذلك أنه سيكون من أسباب انزعاج الحكومة وجود رجل مثل هذا إلى جانب السفير ليقدم له الرأي في شؤوننا في إنجلترا والتي ينبغي إخفاؤها عن هؤلاء كما يعملون هم على إبقائنا في جهل بشؤونهم.
وحتَّى أخيفهم قلت لهم إنه إذا اختار العودة إلى المسيحية في إنجلترا فلن يمكن إجباره على البقاء في خدمة الإمبراطور أو العودة إلى المغرب».
أبان السفير أعطار عن دهاء دبلوماسي وسياسي ليطوي الخلاف، وتنطلق رحلته.




