
ولد مصطفى شكري سنة 1945 بالدار البيضاء وتحديدا في حي كرلوطي بدرب السلطان، ظهرت موهبته الكروية بشكل سريع حين كان يخوض مباريات الأحياء في ملاعب المنطقة، من بينها ملعب «الشيلي».
عاش مصطفى طفولته في حي يعج بالمواهب، وكان اسمه انتشر في درب السلطان وأصبح حديث الرياضيين، قبل أن يلتحق بالفئات العمرية للرجاء الرياضي، حيث تدرج بسرعة نظرا للياقته البدنية العالية وقامته التي كانت تسمح له بالتدرج السريع في سلم النادي.
نال شكري حظه من الرسمية مبكرا داخل الرجاء الرياضي، إلى جانب لاعبين من أمثال حميد وابهيجة واعليوات وموسى وبنيني، وبتي عمر وميلازو، وأصبح في ظرف وجيز من صناع الفرجة داخل الفريق الأخضر، بعد أن اعتمد عليه المدرب الأب جيكو في مركز صانع ألعاب.
بفضل موهبته وقوة شخصيته أصبح «بيتشو» قائدا للفريق منذ أن حمل قميص الرجاء، وستفتح له هذه الميزة أيضا باب المنتخب الوطني للفتيان وعمره لا يتجاوز 17 سنة.
اشتهر شكري أكثر بلقب «بيتشو» حيث تم إطلاقه عليه، وفق روايات مقربين، بسبب تشابه أسلوب لعبه مع لاعب الراسينغ البيضاوي سابقا بيتشو.. لكن العديد من مشجعي الرجاء كانوا يفضلون لقب «العود» (الحصان) نظرا لطريقته في الركض.
كان مصطفى شكري لاعبا طويل القامة ويتمتع بمهارات تقنية عالية. يجيد استخدام قدميه ويتوفر على رؤية ثاقبة لكل أركان الملعب، فضلا عن حسه القيادي داخل الفريق وهذا مهم جدا بالنسبة للاعب ناشئ في زمن كانت المهارات الفردية تغلب الخطط التكتيكية.
كان شكري من العناصر التي صنعت فرجة الرجاء وصنعت مجد فريق كانت الفرجة أولى له من الكؤوس، لكن «بيتشو» سيساهم في أول لقب للرجاء على مستوى كأس العرش سنة 1974، وإن كانت الإصابة حالت دون وجوده في المباراة النهائية.
كان «بيتشو» حاضرا أيضا على مستوى أول مشاركة مونديالية للمنتخب المغربي بمكسيكو 1970 وخاض بعض الدقائق، وكان قريبا من قيادة المنتخب المغربي للتأهل إلى مونديال ألمانيا 1974 بعد تسجيله مجموعة من الأهداف الحاسمة في التصفيات، إلا أن المذبحة التحكيمية التي شهدتها مباراة الزائير حالت دون تسجيله لمشاركته المونديالية الثانية.
أعجب المدرب الإسباني باريناغا باللاعب الرجاوي، واعتمد عليه في مركز صانع ألعاب في المنتخب المغربي خلال التصفيات المؤهلة لكأس إفريقيا 1972، على الرغم من عدم الاعتماد عليه بالكامل خلال النهائيات التي انتهت بالخروج من الدور الأول بقرعة جائرة.
كانت نقطة التحول في حياة اللاعب مصطفى شكري انتقاله المفاجئ من الرجاء البيضاوي إلى جاره الوداد، إذ تحولت الصفقة إلى مادة تناقلتها الألسن البيضاوية، إلا أن البيضاويين، بمختلف ألوانهم الرياضية، كانوا يكنون الحب للاعب ويتقاسمون الاعتراف بموهبته التي ظلت راسخة في أذهان البيضاويين.
طرق مصطفى شكري باب مكتب رئيس الرجاء السابق عبد الواحد معاش، وهو في حالة غضب وقال له بالحرف «عطيوني وراقي باغي نمشي فحالي». حاول معاش أن ينصت إليه لكنه كان مصرا على قراره، قال له: «لا مانع عندي والرجاء لها خزان من اللاعبين، بعد أن تبين لي أنه غاضب من بعض الشتائم التي صدرت من فئة من الجماهير، وفي نهاية حوارنا سلمت له الترخيص وانتقل إلى الوداد».
ما أن علم المعطي بوعبيد بقرار تسريح نجم الفريق، حتى انتابته نوبة غضب، فاتصل بالرئيس، وقال له بنبرة ثائرة وغير لبقة، «من هو «البشر» الذي رخص لبيتشو بمغادرة الرجاء صوب الوداد؟»، فرد عليه معاش ببرودة أعصاب: «أنا صاحب القرار»، وأكد له ولكثير من الرجاويين أن الرجاء تملك الخلف، وأن الفريق الذي صنع «بيتشو» قادر على صنع مواهب أخرى.
يقول سعد بوعبيد، نجل الراحل المعطي، إن والده غضب لتسريح اللاعب «بيتشو»، خاصة وأن مضاعفاته على الفريق تجاوزت حدود انتقال لاعب إلى فريق آخر، «قبل مواجهة الوداد البيضاوي في إطار أول ديربي يخوضه شكري ضد زملائه الرجاويين، قال لي والدي ما أخشاه هو أن يهزمنا بيتشو وليس الوداد، حاول المدرب أن يقلل من حجم وجود بيتشو في تشكيلة الخصم لكنه ظل مصرا على الخطر القادم من هذا اللاعب، الذي كان رجل الديربي، فغضب غضبا شديدا وظل يوجه اللوم لمن ساهم في تسريح لاعب مؤثر».
حقق «بيتشو» مع الوداد العديد من الألقاب، وأصبح نجم وسط الميدان، بل إنه أصر على تسديد ضربة جزاء في مرمى فريقه الأم في ديربي لم يكتمل، فتحول إلى مادة خبرية في معارك الوداديين والرجاويين.
اضطر «بيتشو» لقبول عرض من السعودية وانضم لفريق الوحدة، رغم أن عرضا من نادي موناكو الفرنسي طرق بابه دون أن يتحمس له، لكن مجموعة من المسيرين، وعلى رأسهم عبد الرزاق مكوار، شجعوه على قبول عرض الوحدة.
شكل شهر يناير من سنة 1980 لحظة فاصلة في حياة الرياضة المغربية، بعدما أعلن عن وفاة اللاعب الدولي المغربي مصطفى شكري، الذي لم يكن عمره يتجاوز 32 سنة، وهو حينها يلعب في صفوف نادي الوحدة السعودي بمدينة مكة.
شاءت الأقدار أن يسلم اللاعب الودادي-الرجاوي الروح إلى بارئها بمستشفى بخش في جدة، بعد أن انتقل إلى الديار السعودية من أجل طي صفحة الهواية وإنهاء مشواره في عالم الاحتراف، إلى جانب لاعب الرجاء، عبد اللطيف بكار، الذي خاض التجربة إلى جانب «بيتشو» في النادي نفسه، وبإشراف من المدرب المغربي أحمد صبري الذي انتهى به المطاف صحفيا في جريدة «الاتحاد الاشتراكي».
كان الصحافي المغربي محمد الزوين آخر من أجرى حوارا في السعودية مع اللاعب مصطفى شكري، قبل أن يحكم عليهما القدر بالموت سويا في البقاع الطاهرة.
قال شقيق «بيتشو»، كمال شكري، إن مصطفى قرر الانتقال إلى السعودية، بعد أن ضاق ذرعا بملاحظات أفراد الأسرة، الذين طالما عاتبوه لرفضه أكثر من عرض، وعدم جمع المال الكافي حتى يؤمن العيش في رفاه، على غرار لاعبين أقل منه مستوى: «حين توصل بالدفعة الأولى من منحة التوقيع، سلمها لجدته التي كان يعيش معها في درب كارلوطي، وسافر دون أن يعود أبدا من ذلك السفر».
حين انضم مصطفى إلى نادي الوحدة، خاض أول مباراة ودية ضد نادي الهلال السعودي وأبان عن مستوى جيد، بل إنه سرق الأنظار والشهرة من اللاعب البرازيلي الشهير ريفيلينو، الذي كان يخوض أولى مبارياته بقميص فريق العاصمة الأول وبعد مباراتين، غاب مصطفى فجأة عن صفوف الوحدة.
قبل وفاته في 22 يناير 1980، اشتكى «بيتشو» لشقيقه رشيد من موقف إدارة نادي الوحدة التي سحبت منه جواز سفره، لأنه قال لطبيب الفريق «أنا مريض وهواء المغرب قد يساعدني على استرجاع أنفاسي».
تتعدد الاحتمالات والأسئلة حول هذا الرحيل المفجع للاعب دولي من العيار الثقيل، وشهدت مراسيم دفنه بمقبرة «الشهداء» بالدار البيضاء حضور جماهير غفيرة فاقت كل التوقعات، وهي الجنازة التي جمعت الرجاويين والوداديين وحبست أنفاس الدار البيضاء.





