حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
اقتصادالرئيسيةسياسية

مكتب الفوسفاط في مواجهة صدمة الإمدادات

مرونة استراتيجية وسط اضطرابات جيوسياسية حادة

إغلاق مضيق “هرمز” ونقص الكبريت والأمونياك يضغطان على الإنتاج وخفض طوعي للطاقة بـ30 في المائة

مقالات ذات صلة

في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، يواجه مجمع المكتب الشريف للفوسفاط تحديات متزايدة على مستوى إمدادات الأسمدة، غير أنه يؤكد امتلاكه من المقومات ما يسمح له بتجاوز تداعيات الصراع الدائر في إيران. فبالرغم من الضغوط التي يعرفها جانب العرض، والتي فرضت على المجموعة إجراء بعض التعديلات، يظل الفاعل المغربي واثقًا من قدرته على التكيف مع الظرفية الحالية.

 

خفض الطاقة الإنتاجية بـ30 في المائة

وباعتباره أول منتج عالمي للأسمدة الفوسفاطية، لم يكن المكتب الشريف للفوسفاط بمنأى عن انعكاسات الحرب في إيران، خاصة في ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. وقد سارعت المجموعة إلى اتخاذ إجراءات استعجالية، من بينها تقديم موعد أشغال الصيانة في عدد من وحداتها الصناعية ابتداءً من هذا الأسبوع، وهي خطوة من المرتقب أن تؤثر على ما يصل إلى 30 في المائة من طاقتها الإنتاجية خلال الربع الثاني من السنة، وفق ما أكدته لمجلة Argus المتخصصة.

ورغم أن المجموعة لم تكشف رسميًا عن أسباب هذا القرار، إلا أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن النقص الحاد في مادتي الكبريت والأمونياك، وهما عنصران أساسيان في صناعة الأسمدة الفوسفاطية، يعد العامل الرئيسي وراء هذه الإجراءات.

ويأتي هذا النقص في سياق تعطل الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز، علمًا أن منطقة الشرق الأوسط كانت توفر أكثر من نصف واردات المغرب من الكبريت خلال سنة 2025.

 

اختناقات على مستوى الإنتاج

تعكس التطورات الجديدة هشاشة سلاسل الإمداد العالمية في قطاع الأسمدة، حيث أضحى ارتباط وحدات الإنتاج، المتباعدة جغرافيًا، بمواد أولية مصدرها مناطق غير مستقرة سياسيًا، يمثل عامل خطر حقيقي.

وقد أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز إلى اضطراب حاد في شبكات التوريد العالمية، خاصة وأن هذا الممر البحري يمر عبره ما يقارب نصف التجارة العالمية من الكبريت، وهو ما تسبب في ارتفاع الأسعار الدولية بنحو 30 في المائة في فترة وجيزة.

وتزداد حدة الأزمة بالنظر إلى طبيعة العمليات الصناعية المرتبطة بإنتاج الأسمدة، والتي تعتمد على تفاعلات كيميائية دقيقة لا يمكن فيها تعويض المدخلات بسهولة. فالأسمدة المركبة، مثل الفوسفاط ثنائي الأمونيوم (DAP) والفوسفات أحادي الأمونيوم (MAP)، تستلزم معالجة الصخور الفوسفاطية باستخدام حمض الكبريتيك لتحويلها إلى عناصر غذائية قابلة للامتصاص من طرف النباتات. وفي ظل غياب إمدادات منتظمة من الكبريت، تواجه المصانع اختناقات حقيقية على مستوى الإنتاج.

 

الوفرة لا تكفي لضمان استمرارية الإنتاج

رغم أن المكتب الشريف للفوسفاط يتحكم في حوالي 70 في المائة من الاحتياطي العالمي من صخور الفوسفاط، إلا أن هذه الوفرة لا تكفي لضمان استمرارية الإنتاج في حال تعطل إمدادات المواد الأساسية.

صحيح أن تموقع موانئه على الواجهة الأطلسية يمنحه نظريًا أفضلية مقارنة بمنافسيه في منطقة الخليج، وعلى رأسهم الشركة السعودية “معادن”، غير أن هذه الأفضلية تتلاشى أمام القيود المشتركة المرتبطة بالتزود بالكبريت، والتي تطول مختلف الفاعلين في السوق.

ومع ذلك، تظل البنية اللوجستية للمجموعة قادرة على الصمود، إذ تمكنت من تزويد أسواق أمريكا اللاتينية بنحو 90 ألف طن من الأسمدة مع نهاية شهر مارس، ما يؤكد استمرار نشاطها التشغيلي.

غير أن التحدي يبرز في محدودية القدرة على رفع وتيرة الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد، خاصة من طرف السوق الهندية التي تبحث عن إمدادات إضافية. وفي المقابل، يسعى الفلاحون إلى التكيف مع هذه الظروف عبر اعتماد حلول بديلة، من قبيل اللجوء إلى أسمدة أحادية المكون عند الإمكان، أو تعديل جداول التسميد بما يتلاءم مع توفر المنتجات، رغم أن هذه العمليات تظل محدودة زمنيًا. كما قد يتجه بعضهم إلى اختيار محاصيل أقل استهلاكًا للأسمدة المتخصصة، في محاولة لتقليص التكاليف ومواجهة تقلبات السوق.

وعلى المدى المتوسط، يرجح أن تُسرّع هذه الأزمة من وتيرة التحولات الهيكلية التي يعرفها قطاع التجارة الدولية، خاصة في اتجاه تعزيز الطابع الجهوي لسلاسل التوريد، وتقوية الإنتاج المحلي، إلى جانب إيلاء أهمية متزايدة لأمن الإمدادات الاستراتيجية. أحدث هذا الجمود في الأسعار وضعًا اقتصاديًا غير منطقي: إذ يجبر المكتب الشريف للفوسفاط على العمل بكامل طاقته الإنتاجية مع استهلاك مدخلات ارتفعت كلفتها بشكل حاد لا سيما الكبريت الذي بلغ مستويات تاريخية، والأمونياك الذي أصبح أكثر ندرة وذلك للوفاء بعقود لا تعكس صيغ تسعيرها إطلاقًا المعطيات الجديدة.

وبعبارة أخرى، ترتفع كلفة الإنتاج دون أن يقابلها ارتفاع في العائدات. هذا التفاوت الزمني بين واقع التكاليف وتعديل الأسعار التعاقدية يدفع منطقيًا أي منتج عقلاني إلى تقليص وتيرة الإنتاج.

وفي السياق ذاته، يشير محللون إلى أن أسعار ثنائي فوسفاط الأمونيوم (DAP) شهدت ارتفاعًا ملحوظًا عالميًا منذ بداية النزاع. ففي الولايات المتحدة، يتداول هذا المنتج في حدود 851 دولارا للطن، بزيادة تبلغ 11 في المائة على أساس سنوي، وفق بيانات DTN للأسبوع الثالث من مارس 2026.

أما في جنوب شرق آسيا، فقد قفزت الأسعار إلى ما بين 800 و850 دولارًا للطن (CFR) بتاريخ 19 مارس، مقابل 730 إلى 750 دولارًا قبل ثلاثة أسابيع فقط، أي قبل اندلاع النزاع.

غير أن هذه الزيادات في أسعار المنتجات النهائية لم تنتقل بعد إلى حمض الفوسفوريك، الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج، وهو ما يفاقم استياء المنتجين المندمجين مثل مكتب الفوسفاط.

 

الموقع الجغرافي لمكتب الفوسفاط ميزة تنافسية حاسمة

إن تلاقي عوامل تراجع مخزونات المدخلات، تأخر أسعار البيع عن مواكبة التكاليف، وتحييد المنافسين يفتح أمام المكتب نافذة استراتيجية نادرة. فمن خلال خفض إنتاجه بشكل طوعي، يسهم المجمع ميكانيكيا في تقليص العرض العالمي من الأسمدة الفوسفاطية في وقت يُتوقع فيه أن تتصاعد فيه وتيرة الطلب.

ويخدمه في ذلك أيضًا التقويم الزراعي العالمي. فالهند، التي تستهلك نحو 10 ملايين طن سنويًا من DAP، والتي كانت تعتمد بأكثر من 40 في المائة من وارداتها على الشرق الأوسط العام الماضي، تستعد لموسم “الخريف” المرتبط بالأمطار الموسمية. وقد أبرمت نيودلهي بالفعل في مطلع 2025 عقدًا مع مكتب الفوسفاط لتوريد 2.5 مليون طن من الأسمدة، ما يغطي حوالي 22 في المائة من احتياجاتها من الاستيراد.

ومن جهته، يدخل البرازيل، أكبر مستورد عالمي للأسمدة الفوسفاطية بحجم 6.55 ملايين طن في 2025، أيضًا مرحلة التزود بأسمدة MAP والمنتجات الفوسفاطية لموسم 2026-2027، حيث تتركز الطلبات عادة بين شهري ماي ويونيو.

غير أن هذين السوقين الرئيسيين لم يعودا قادرين على الاعتماد على مورديهما التقليديين في الخليج. فالمملكة العربية السعودية، التي يُعد منتجها “معادن” ثاني أكبر مصدر عالمي للفوسفاط، تعتمد في صادراتها على ميناء رأس الخير الواقع على الساحل الشرقي قبل مضيق هرمز وهو ما أدى إلى تعطل شحناتها.

وفي المقابل، خفضت الصين، التي كانت لسنوات ثاني أكبر مصدر عالمي للفوسفاط بحجم يصل إلى 11 مليون طن سنويًا منتصف العقد الماضي، صادراتها بشكل حاد إلى 4.5 ملايين طن فقط في 2025، كما أعلنت تعليق صادرات الفوسفاط حتى غشت 2026 على الأقل، في إطار سياسة لتعزيز أمنها الغذائي الداخلي.

وفي مارس 2026، فُرضت قيود إضافية على صادرات خلطات الآزوت والبوتاس وبعض أنواع الفوسفاط، ما ضيّق الخناق أكثر، بحيث تشير تقديرات وكالة “رويترز” إلى أن ما بين نصف وثلاثة أرباع صادرات الأسمدة الصينية باتت خاضعة لقيود، أي ما قد يصل إلى 40 مليون طن أصبحت خارج السوق.

في ظل هذا السياق العالمي المتسم بندرة العرض، تتحول الموقعية الجغرافية لمكتب الفوسفاط إلى ميزة تنافسية حاسمة. فالمجمع، الذي ينطلق من الواجهة الأطلسية للمغرب، يُعد المنتج الرئيسي الوحيد للفوسفاط الذي لا تعتمد شحناته على مضيق هرمز أو البحر الأحمر — الذي عاد بدوره إلى الاضطراب بفعل استئناف الهجمات الحوثية على حركة الملاحة التجارية منذ 28 فبراير. وبذلك، يستطيع المكتب تزويد أوروبا وإفريقيا والأمريكتين، بل وحتى آسيا عبر رأس الرجاء الصالح، دون المرور عبر مناطق النزاع.

 

نتائج مالية قوية للمكتب

تبدو النتائج المالية القوية التي حققها المكتب الشريف للفوسفاط سنة 2025 أقل تأثيرًا في قراءة المشهد العام. فقد سجلت المجموعة رقم معاملات بلغ 113.943 مليار درهم، بزيادة قدرها 17.4 في المائة، فيما بلغت الأرباح الإجمالية 72.147 مليار درهم، بارتفاع نسبته 15.1 في المائة. كما وصلت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك إلى 43.2 مليار درهم، بزيادة 11 في المائة، مع هامش بلغ 38 في المائة مقابل 40 في المائة في السنة السابقة.

في المقابل، تراجعت نفقات الاستثمار بنسبة 22 في المائة لتستقر عند 34.1 مليار درهم، بعد مستويات مرتفعة خلال السنوات الماضية. ورغم هذه المؤشرات، تؤكد المجموعة أنها واصلت تنفيذ أولوياتها الاستراتيجية، محققة تقدمًا ملحوظًا في تعزيز استقلاليتها التشغيلية وتوسيع قدراتها الإنتاجية.

وشددت المجموعة على أن تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالي الماء والطاقة يشكل ركيزة أساسية في تعزيز مرونتها ودعم استراتيجيتها لإزالة الكربون، بما يقلص من تعرضها للقيود الهيكلية ويدعم نموًا مستدامًا على المدى الطويل.

 

توقعات إيجابية لمكتب الفوسفاط

يشير المكتب الشريف للفوسفاط، بخصوص آفاق السوق، إلى أن أسواق الأسمدة العالمية أصبحت أكثر تعقيدًا وغموضًا، بفعل ضغوط العرض وضعف الرؤية في عدد من المناطق الرئيسية. كما أن التوترات الجيوسياسية والقيود التجارية تسهم في تقليص حجم الإمدادات وتعميق تشتت سلاسل التوريد، ما يجعل الطلب يرتبط بشكل متزايد بمدى توفر العرض بدلًا من العوامل التقليدية للاستهلاك. وفي هذا السياق، تتوقع المجموعة أن يتكيف الطلب مع الكميات المتاحة، مما يعزز هيمنة العرض على ديناميات السوق، خاصة مع احتمال تراجع واردات الهند على المدى القصير بسبب ارتفاع مستويات المخزون لديها. وفي المقابل، يرجح أن يحافظ سوق الأمونياك على نوع من التوازن، مدعومًا بدخول قدرات إنتاجية جديدة في الولايات المتحدة وتراجع الطلب الصيني.

ويرى المكتب الشريف للفوسفاط أنه في موقع مريح نسبيا للتعامل مع هذه التحولات، بفضل تنويع مصادر التزود بمدخلاتها الأساسية، ومرونة محفظة منتجاتها، خصوصًا مع تعزيز حضور سماد TSP، الذي يحد من الاعتماد على الأمونياك، ويعزز قدرتها على التكيف مع بيئة دولية تتسم بتقلبات مستمرة، مع الاستفادة من الفرص التي تتيحها.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى