حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

موسم الهجرة بين الأحزاب

نعيمة لحروري

هناك فصول أربعة معروفة، إلا أن للسياسة عندنا فصلا خامسا لا تعترف به الأرصاد الجوية، ولا يظهر في التقويم، لكنه يحل بانتظام كلما اقتربت الانتخابات: موسم الهجرة بين الأحزاب.

وفي هذا الموسم تحديدا، لا تحتاج الطيور السياسية إلى بوصلة. فهي تعرف بالفطرة أين توجد التزكيات، وأين المقاعد الأكثر دفئا، وأي الأشجار أوفر ظلا، وأي الأغصان أقرب إلى قبة البرلمان.

فجأة، يستيقظ بعض السياسيين وقد اكتشفوا، بعد سنوات طويلة من النضال والتصفيق وحضور المؤتمرات والتقاط الصور خلف الزعماء، أنهم كانوا في الحزب الخطأ!

سنوات وهم يرددون شعاراته، ويدافعون عن قراراته، ويهاجمون خصومه، ويقسمون أن مشروعه هو طوق النجاة الوحيد للوطن… ثم تكفي تزكية ضائعة حتى تنزل عليهم لحظة التنوير الكبرى، فيكتشف الواحد منهم أن الحزب الذي أفنى شبابه في خدمته لم يعد «ينسجم مع قناعاته».

والأجمل أن القناعات الجديدة تكون، بقدرة قادر، متطابقة تماما مع لون الحزب الذي ضمن له التزكية!

بالأمس كان الحزب الجديد عنوانا للفشل، واليوم صار مشروعا وطنيا واعدا.

بالأمس كان زعيمه سبب كل المصائب، واليوم أصبح رجل دولة استثنائيا.

بالأمس كان مناضلوه خصوما ينبغي إسقاطهم، واليوم صاروا «إخوتي وأخواتي».

ولا تسألوا صاحبنا عما حدث بين الأمس واليوم. لقد حدثت «التزكية».

لكن، للإنصاف، لا ينبغي أن نحمّل الطيور المهاجرة وحدها وزر هذا العبث. فهناك أحزاب تستقبل المهاجر السياسي استقبال الفاتحين، تفرش له السجاد، وتمنحه المقعد الأمامي، ثم تطلب من مناضليها القدامى أن يصفقوا للقادم الجديد.

مناضل قضى سنوات يطرق الأبواب، وينظم اللقاءات، ويجمع الناس، ويتحمل الهزائم ويظل وفيا لحزبه، قد يجد نفسه ذات صباح مطالبا بحمل مكبر الصوت خلف وافد كان إلى حدود الأسبوع الماضي يهاجم الحزب نفسه.

ولماذا؟ لأن الوافد «عنده الأصوات».

وهنا تصبح السياسة شبيهة بسوق انتقالات لاعبي كرة القدم، مع فارق بسيط: لاعب الكرة، حين يغير فريقه، لا يعقد ندوة صحفية ليخبرنا أنه اكتشف فجأة أن فلسفة النادي الجديد تطابق قناعاته الوجودية.

يقول ببساطة إنه انتقل.

أما عندنا، فلا بد للرحلة من بيان فلسفي.

يحدثونك عن «التحولات السياسية»، و«الانسجام مع المشروع المجتمعي»، و«المرحلة التي تقتضي إعادة التموضع»، و«نداء الوطن»… وكل ذلك لأن الحزب السابق قال له جملة واحدة قصيرة: التزكية ليست لك.

لا أحد يعترض على أن يغير الإنسان حزبه. فالقناعات ليست عقود زواج أبدي، وقد يختلف المرء فعلا مع حزبه، أو يكتشف انحرافا عن مبادئ آمن بها، فيغادر حفاظا على كرامته ومواقفه.

لكن المثير للفضول أن صحوة الضمير السياسي عند البعض لا تأتي في يناير أو فبراير، ولا بعد موقف سياسي كبير، ولا إثر خلاف فكري عميق.

إنها، سبحان الله، تحب موسم الانتخابات، وتحديدا الأيام التي توزع فيها التزكيات.

والأطرف أن بعض هؤلاء يستطيعون المرور عبر أحزاب متناقضة فكريا دون أن يصابوا حتى بدوار سياسي بسيط. من اليمين إلى اليسار، ومن المعارضة إلى الأغلبية، ومن الاشتراكية إلى الليبرالية… رحلة مريحة، والقناعة بخير ما دام المقعد بخير.

إن السياسي الذي يحمل حقيبته من باب إلى باب بحثا عمن يمنحه التزكية، لا ينبغي أن يغضب حين يسأله المواطن: أنت مرشح لماذا تحديدا؟ لخدمة فكرة، أم فقط لكي تصبح نائبا؟

لقد انطلق موسم الهجرة إذن، وستستمر الرحلات، وستتغير الألوان، وستُكتشف قناعات جديدة بالجملة، وسنسمع خطبا مؤثرة عن «اختيارات فرضتها المرحلة».

فقط نتمنى من هؤلاء، رأفة بعقولنا، أن يختصروا علينا كل هذا الكلام.

فليقل الراحل: لم يمنحوني التزكية فرحلت.

وليقل الحزب المستقبل: عنده أصوات فاستقبلناه.

وسنفهم جميعا.

أما المبادئ…

فاتركوها في مكان آمن حتى تنتهي الانتخابات.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى