حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

موقف الأحذية في دلهي

وصلت إلى مطار دلهي الدولي ليلا لقضاء تسعة أيام. كانت تلك زيارتي الأولى. أخذت سيارة أجرة نحو الفندق الكائن في المدينة العتيقة، التي تشبه حواضرنا التاريخية بأزقتها الضيقة وأسواقها الصاخبة، حيث تتعانق الأصوات وتفوح روائح التوابل من الدكاكين الصغيرة وتمتزج برائحة الشاي والقهوة المتصاعدة من المقاهي الشعبية، فيما تتراص البيوت القديمة بشرفاتها الخشبية ونوافذها المزخرفة.

بدا الطريق طويلا وكنت منهكا، غير أن السائق كان ثرثارا على خلاف الصورة الشائعة عن هدوء الهنود وتحفظهم. انتهزت الفرصة وسألته «لو كان عليك أن تقترح علي معلما واحدا لا ينبغي تفويته في دلهي، فماذا تختار؟» فأجاب من دون تردد جامع مسجد. لم أدخل معه في تفاصيل هذا الاختيار في دولة يعتبر فيها المسلمون أقلية لا تتجاوز خمسة عشر في المائة من السكان.

خلال هذا السفر لم يكن لدي وقت كاف مقارنة باتساع الهند الجغرافي وتنوعها السكاني والثقافي واللغوي والديني. غير أن برنامج الرحلة كان واضحا؛ زيارة مدن مسار «المثلث الذهبي» في شمال الهند الذي يضم دلهي العاصمة وأغرا حيث يوجد تاج محل ضريح الإمبراطورة ممتاز محل وزوجها شاه جهان، ثم جايبور في راجستان المشهورة بروعة عمرانها وقصورها العريقة وثقافة الراجبوت وصناعة المجوهرات والأحجار الكريمة والسجاد والخزف الأزرق ومهرجان جايبور الأدبي العالمي. وكان ختام الرحلة في غورغاون ذات الأبراج الزجاجية وإيقاع الحياة المتسارع إحدى أكثر المدن حداثة وديناميكية في شمال الهند. كانت وقفة مهمة لاكتشاف الوجه الآخر للهند وربط الماضي بالمستقبل.

في صباح اليوم الثاني من وصولي تناولت فطوري ثم بحثت عن أقصر مسار لبلوغ جامع مسجد الذي أوصى به السائق بإلحاح. استعنت بالخريطة الرقمية فأتاحت لي التجوال في أحياء دلهي القديمة المكتظة. هناك فقط تدرك معنى أن تكون في إحدى أكبر دول العالم من حيث عدد السكان.

سحر دلهي التاريخية يجعلك تشعر كأنك داخل مشهد من فيلم بوليوودي ينبض بالحياة. سرت قرابة نصف ساعة تحت شمس حارقة حتى وجدت نفسي في شارع تجاري يعج بألوان التوابل والعطور وشالات الباشمينا، تتشابك فوقه أسلاك كهرباء غليظة متدلية. وعندما تفقدت هاتفي اكتشفت أنني في «تشاندني تشوك»، أشهر أسواق العاصمة. تمهلت في المسير فعلى الرغم من الزحام كان للمكان حضور جميل وممتع، إذ يروي كل محل فيه قصة وتحمل زواياه آثار قرون من التجارة والمقايضة.

واصلت المشي وأنا أراقب تفاصيل السوق وطريقة تعامل الناس وصراخ الباعة، أجواء أظنها لم تتغير منذ تأسيسه في منتصف القرن السابع عشر في عهد الإمبراطور المغولي شاه جهان حتى بلغت جامع مسجد.

وقبيل الولوج إلى الصرح المبني بالحجر الرملي الأحمر والقادر على استيعاب أكثر من عشرين ألف مصل، لفت انتباهي تنظيم الأحذية عند المدخل؛ كانت مصطفة يمينا ويسارا. ظننت في البداية أن الأمر يخص النساء في جهة والرجال في جهة أخرى، لكن أحد الأطفال أوضح لي النظام، على اليسار تحفظ الأحذية مقابل بقشيش وعلى اليمين متاحة للجميع بلا مقابل. ابتسمت وقلت في نفسي لم أر يوما موقفا للأحذية بهذه الطريقة الذكية.

دخلت إلى المسجد المكون من مئذنتين وثلاث قباب، تتوسطها قبة أكبر من غيرها مشيدة من الرخام الأبيض ومزدانة بزخارف هندسية وآيات قرآنية في تجل بديع للفن المغولي. ويحيط بالمكان عدد من الأسواق الشعبية والمباني التاريخية والمعابد الهندوسية ما يجعله قلبا نابضا بالذاكرة والتاريخ.

لم أعهد من قبل نظاما لحراسة الأحذية بهذا الشكل، لكن هذه المعلمة الدينية قدمت لي صورة مختلفة حيث يتجلى التكرار في التفاصيل، صفان للأحذية، مئذنتان شامختان، قبتان صغيرتان تعانقان الكبرى، وحتى التسمية مزدوجة، جامع ومسجد، وكأن المشهد يستحضر عادة مغربية قديمة حين كانت العروس تقتني حاجاتها «جوج جوج من الحاجة».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى