هكذا وُلدت النقابة المغربية….نقابيونا المنسيون وكواليس احتفالات فاتح ماي قبل الاستقلال

يونس جنوحي
«رغم أن النقابة المغربية وُلدت في مارس 1955، إلا أن النضال النقابي انتشر في صفوف العمال المغاربة منذ أن نشأ أول حي عمالي في المغرب، «الكاريان سنطرال» في الدار البيضاء. انضمام المغاربة إلى العمل النقابي، شابته تهمة «اعتناقهم» الشيوعية، وهي تهمة ثقيلة في خمسينيات القرن الماضي.
من العلاقة المتشنجة بين المحجوب بن الصديق والمهدي بن بركة، بدأ صراع النقابة المغربية فور تأسيسها. وهو التأسيس الذي شابته الكثير من الاتهامات بالانقلاب على الرئيس الشرعي الطيب بن بوعزة، وتزوير أول انتخابات نقابية لصالح بن الصديق.. لكن بغض النظر عن هذه الحقائق النقابية المزعجة، فإن روح النضال العمالي وإحياء احتفالات فاتح ماي، كانت وراء تشكل ملامح الخريطة النقابية المغربية.. وبفضلها شن العمال المغاربة إضرابات شلت اقتصاد الشركات الفرنسية في المغرب، سنوات قبل تأسيس النقابة المغربية».
كيف اتحد العُمال المغاربة وناضلوا ضد فرنسا منذ 1945
من الصفحات الأليمة في تاريخ النضال النقابي المغربي، تلك التي تتعلق بأوضاع العمال المغاربة الأوائل الذين هاجروا إلى فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية. ففي سنة 1945، فتح الفرنسيون فرصة أمام العمال المغاربة لإعادة بناء فرنسا، بعد خراب القصف الألماني على المدن الفرنسية خلال الحرب. كما أن حاجة فرنسا إلى العمال المغاربة، جاءت نتيجة مقتل ملايين العمال الأوروبيين، بسبب الحرب، وفقدان ملايين آخرين قدرتهم على العمل.
اختيار الفرنسيين للعمال المغاربة جاء بعد تجربة استغلال عمال مغاربة عقب الحرب العالمية الأولى، إذ اتضح للفرنسيين أن هؤلاء العمال الذين يتم جلبهم من المغرب، يمكن فعلا الاعتماد عليهم في أشغال تعبيد الطرق وبناء القناطر، وانتشال الأنقاض.
لكن ظروف سنة 1945 كانت تختلف تماما عن ظروف الحرب العالمية الأولى. العمال المغاربة كانوا قد انفتحوا على الحياة العصرية، جراء احتكاكهم بالنقابيين الفرنسيين في المغرب، خصوصا في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء التي تحولت منذ أربعينيات القرن الماضي إلى قطب صناعي.
هؤلاء العمال المغاربة الذين انتقلوا إلى فرنسا للعمل سنة 1945، اشتغلوا في شركات تعبيد الطرق والسكك الحديدية وبناء القناطر، ومعامل السيارات الفرنسية، وأيضا شركات التنقيب المنجمي، لسد خصاص شح اليد العاملة الفرنسية. وجرى استقطابهم نقابيا من طرف النقابة الشيوعية الفرنسية.. وبدأ هؤلاء العمال يتعلمون أخلاقيات النضال النقابي، وعلى رأسها خوض الإضرابات.
إلا أن هؤلاء العمال المغاربة لم يتحمسوا للإضرابات على الطريقة الفرنسية، وفضلوا التكتل في ما بينهم، سيما سنة 1953، لجمع تبرعات لتمويل المقاومة المغربية. فقد كان مغاربة فرنسا يستغلون تجمعاتهم – سمحت لهم فرنسا بالإقامة في تجمعات سكنية، أو مخيمات قريبة من المعامل- لتنظيم حملة جمع تبرعات للمقاومة المغربية بعد 20 غشت، بل ووصل الأمر حد تمويل شراء سيارة وأسلحة كانت النواة الأولى لانطلاق الكفاح المسلح، وميلاد الخلايا السرية للمقاومة. إذ لولا هؤلاء العمال المغاربة، لما جُمعت الأموال الضرورية لإنشاء خلايا المقاومة السرية. كان بعض الوطنيين وراء تجييش هؤلاء العمال المغاربة لجمع التبرعات في أكثر من مناسبة. ولم يكن هؤلاء العمال ليتحمسوا لإحياء احتفالات فاتح ماي في فرنسا، خلال منتصف أربعينيات القرن الماضي، لكنهم بكل تأكيد كانوا متحمسين لجمع تبرعات للمقاومة المغربية، وعندما عاد أغلبهم إلى المغرب بعد الاستقلال، وجدوا أنفسهم أمام واقع نقابي مغربي مغاير تماما للأوساط النقابية التي تربوا نقابيا داخلها.
الطيب بن بوعزة.. أول رئيس غُيب اسمه من تاريخ النقابة
قليلون فقط من عاشوا أزمة تأسيس أول نقابة مغربية، والتي حملت اسم «الاتحاد المغربي للشغل»، وكتبوا عنها. فحتى أغلب من عاشوا تلك الكواليس، أخذوا معهم أسرارها إلى قبورهم، ومنهم من فضل عدم الخوض فيها حتى في المجالس الخاصة. كيف تأسست أول نقابة مغربية؟ وكيف دبر المنخرطون فيها مسألة الولاء الحزبي، إما لحزب الاستقلال، أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بعد انشقاق 1959.
أحد الذين امتلكوا شجاعة الكتابة عن كواليس تأسيس المنظمة النقابية الأولى في المغرب، هو السياسي والدبلوماسي السابق مولاي المهدي العلوي، عندما أصدر مذكراته «أحداث ومواقف»، وتناول فيها كواليس علاقته مع المحجوب بن الصديق، ولقاءه به في باريس، أياما قليلة قبل تأسيس «الاتحاد المغربي للشغل»، وروى الكواليس التي عاشها عن قرب، والتي شكلت دائما -ولا تزال- موضوع إحراج كلما تعلق الأمر بكواليس تأسيس النقابة المغربية الأولى في تاريخ البلاد. يقول:
«فترة وجيزة من انعقاد لقاء باريس، تم عقد المؤتمر التأسيسي للمنظمة النقابية في الدار البيضاء يوم 20 مارس 1955، في منزل رئيس اللجنة التحضيرية الطيب بن بوعزة، بمشاركة 57 مناضلا نقابيا مغربيا من الذين سبق لهم أن نشطوا في فروع المركزيات النقابية الفرنسية، التي كانت موجودة في المغرب. وقد صوت المؤتمرون على أعضاء اللجنة الإدارية، ثم أعضاء المكتب الوطني. فانتخب الطيب بن بوعزة أمينا عاما والمحجوب بن الصديق نائبا له، وقد اعتبر الأمين العام هذا اليوم صفحة مجيدة في تاريخ الحركة النقابية. غير أن الواقع لم يكن كذلك، فقد انتقد بن الصديق قرار اللجنة الإدارية، مؤكدا أحقيته بمنصب الأمين العام، بدعوى علاقاته الخارجية، فاضطرت اللجنة الإدارية إلى عرض الأمر على المؤتمرين، الذين زكوا الطيب بن بوعزة من جديد في منصب الأمين العام بأغلبية ساحقة.
عمد المحجوب بن الصديق إلى تغيير النتيجة، بعد تكليفه بإرسال التقرير إلى وكالة الأخبار الدولية، التي نشرت في اليوم الموالي أن المحجوب بن الصديق هو الأمين العام عوض الطيب بن بوعزة، وهو ما أدى إلى اندلاع موجة غضب في أوساط النقابيين، الذين انتخبوا أمينهم العام في جو حر وديمقراطي.
بعد الضجة القوية التي نتجت عن تزوير إرادة المؤتمرين، لجأ المحجوب إلى أسلوب الابتزاز، فهدد بفضح المؤتمرين لدى سلطات الحماية إن لم يغلقوا ملف الأمانة العامة، حسب ما رواه محمد الصديق، وهو من مؤسسي الاتحاد المغربي للشغل وعضو في أول مكتب وطني له، وأيضا بحسب ما أفادني به بن بوعزة شخصيا حين زيارته لي في باريس بعد المؤتمر، وأطلعني على طبيعة التهديدات التي تلقاها لإجهاض مشروع النقابة، وتأسيس نقابة موازية يكون «بن الصديق» أمينا عاما لها».
بعد الانشقاق التاريخي وانسحاب المهدي بن بركة من حزب الاستقلال، ومعه قياديون أمثال عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي والفقيه البصري، وعبد الله إبراهيم وقيادات شابة، مثل مولاي المهدي العلوي وآخرين.. أصبح الصراع حول النقابة مصيريا. من جهة كان المحجوب بن الصديق يعارض توجه المهدي بن بركة، في حين أن قيادات حزب الاستقلال التي لم تنشق عن الحزب، كانت تصارع لكي يبقى الاتحاد المغربي للشغل قلعة استقلالية، حتى لو تطلب الأمر أن يؤسس بن بركة نقابة جديدة، وهو ما حدث لاحقا. في شهادة مولاي المهدي العلوي عن الصراع النقابي، يقول: «.. ومن المفارقات الدالة على تعاظم الأزمة النقابية استوزار محمد الدويري، مؤسس نقابة الاتحاد العام للشغالين، في الحكومة الجديدة، مقابل الاعتراف بالنقابة الجديدة، حيث سيجالس وفد من الاتحاد المغربي للشغل، برئاسة نائب الكاتب العام محمد عبد الرزاق، المستشار الملكي أحمد رضا اكديرة، لإلغاء الإضراب الذي كان من المزمع تنظيمه في 20 دجنبر 1961، وذلك رغم التحضير والتنسيق الكبيرين، اللذين جريا بين الحزب والنقابة. غير أن تنفيذ الإضراب كان هو الضربة القاصمة لتلك الصفقة التي تمت بين النقابة والمستشار الملكي، بعد أن رفضت جامعة موظفي وعمال البريد الامتثال لقرار قيادة الاتحاد العام المنادية بإيقاف الإضراب، ليُخْتَطَفَ عمر بن جلون من طرف الجهاز النقابي، ويَتَعَرَضَ للتعذيب بسبب موقفه، وهو الحدث الذي سيخيم على أجواء المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وقد انتهى ذلك الإضراب أيضا بطرد مجموعة من الموظفين بوزارة الخارجية، وعلى رأسهم صديقي أحمد الشرقاوي، محمد الصويري، حسن إسماعيل، مصطفى اعمارة، محمد الذهبي، عمر بلكورة، أحمد الشاوي، عبد الصمد الكنفاوي إلخ».
أجواء «فاتح ماي» قبل الاستقلال
«أيتها العاملات.. أيها العمال، كل فاتح ماي وأنتم بخير». هكذا كانت النقابات الفرنسية في المدن المغربية تخاطب الفرنسيين المقيمين في المغرب، أثناء إحياء احتفالات فاتح ماي، خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.
عندما جاء المعمرون الفرنسيون الأوائل إلى المغرب، نقلوا معهم الاحتفالات العمالية، وفروع النقابات الفرنسية، إلى المغرب.
هؤلاء العمال الفرنسيون، كان من بينهم مهندسون وتقنيون اشتغلوا في إعادة بناء الدار البيضاء ما بين 1907 و1912، وعمال وتقنيون فرنسيون آخرون اشتغلوا في القطاع المنجمي – يعتبره مؤرخون فرنسيون نواة العمل النقابي في المغرب- في مدن مثل ميدلت وصفرو وغيرهما من المناطق التي انتشر فيها النشاط المنجمي الفرنسي خلال الحماية الفرنسية، وجميعهم حرصوا على إحياء احتفالات فاتح ماي.
في الدار البيضاء، كان يوم 1 ماي من كل سنة عطلة رسمية. وفي أربعينيات القرن الماضي، عندما ارتفعت نسبة نزوح المغاربة من القرى، خصوصا في عام البون، 1944 و1945، بعد تأزم الأوضاع في المغرب وفرنسا، بسبب تداعيات الحرب العالمية الثانية، بدأ المغاربة في الانخراط في الحركة العمالية الفرنسية ولو بشكل غير مباشر.
لا توجد معطيات كافية بخصوص إحياء العمال المغاربة لاحتفالات فاتح ماي قبل 1956، باستثناء تعاطف التجمعات العمالية المغربية – في الكاريان سنطرال على وجه الخصوص- مع النقابيين الفرنسيين الذين كانوا يخوضون إضرابات ضد المشغل الفرنسي، لتحسين ظروف العمل.
لكن الأكيد أن الاحتفالات المغربية بفاتح ماي لم تبدأ بشكل مستقل إلا في منتصف الخمسينيات، عندما تشكلت ملامح العمل النقابي المغربي، وبدأت التجمعات النقابية المغربية تحصد شعبية كبرى في المدن، ويهيمن عليها النضال النقابي، قبل حتى أن يتأسس الاتحاد المغربي للشغل في مارس 1955، تمهيدا لإحياء احتفالات فاتح ماي، بعد شهرين فقط على هذا التأسيس.
كانت المنشورات التي يوزعها الوطنيون فعالة لتوعية العمال المغاربة في المدن على وجه الخصوص، بأهمية العمل النقابي. حيث كان يُطلب منهم التبرع لتمويل النضال النقابي، والتعريف بمبادئ هذا النضال. فقد كان النشاط النقابي المغربي الأول يتمثل في جمع التبرعات لتمويل الأنشطة التضامنية بين العمال. ففي الحالات التي يتم فيها تسريح العمال المغاربة من المصانع الفرنسية، أو في حال تسجيل حادث شغل في حق عامل مغربي يحول دون استمراره في العمل، يتكتل العمال لجمع تبرعات لإعالة أسر المُسرحين أو المصابين في حوادث الشغل.. وهكذا فإن النواة الأولى للعمل النقابي المغربي، بعيدا عن تدخل النقابة الفرنسية، تشكلت من خلال هذه الأنشطة التضامنية التي كانت تحظى برعاية حزبية من حزب الاستقلال.
وهذه المنشورات السرية، خصوصا بعد 1953، كانت وراء توعية الشباب في صفوف العمال بأهمية العمل النقابي، وتعرفوا من خلالها لأول مرة على أهمية إحياء احتفالات فاتح ماي، وتضمنت بعض تلك المنشورات معلومات عن بداية العمل النقابي في أوروبا، ورمزية فاتح ماي الذي يحتفل به العمال حول العالم بالعمل النقابي وحماية حقوق العمال.
عندما اتُهم النقابيون المغاربة بـ«الشيوعية» قبل 74 سنة
«حتى الآن، انضم 30.000 مغربي فقط إلى الفروع المحلية للنقابات الفرنسية، وعدد من هذه النقابات يتحكم فيها الشيوعيون. على سبيل المثال، إذا كان المهندس الشيوعي مصدر مشكلة في أحد المصانع، بسبب قضية اقتصادية عادية، فإن قادة حزب الاستقلال لن يكون بمقدورهم تحمل إغراء تصوير الحادث، باعتباره موقفا وطنيا ضد الهيمنة الاقتصادية الفرنسية».
الكلام هنا ليس لصحافي، أو نقابي فرنسي، بل يتعلق الأمر بمقتطف من تحليل مطول للكاتب البريطاني برنارد نيومان، على خلفية زيارته معامل بالدار البيضاء سنة 1952، ولقائه مع العمال المغاربة، والمسؤولين الفرنسيين.
في إطار لقاءاته دائما، ينقل لنا نيومان رأي أحد النقابيين الفرنسيين في الدار البيضاء، في العمل النقابي عموما:
«إن النقابة الجيدة، هي التي تكون تنظيما ديموقراطيا. تستطيع، وهذا ما يجب عليها فعله، أن توفر أفضل العمال لكي يصلوا إلى الصفوف الأمامية. إلى الآن، لم يحالفنا الحظ بعدُ مع المغاربة. ففي الأخير، غالبا ما تُستنزف المدن بأسوأ القرويين، وليس أفضلهم. الشخص المطرود من قبيلة ما، يأتي إلى الدار البيضاء. قد تتملكه بعض الحيرة، لكنه يبقى قادرا على الصراخ، ورغم ذلك فإنه يُحتسب مع الذين لا صوت لهم. وهكذا فإنه ينصب نفسه زعيما عُماليا! ثم يصير بالنسبة إلينا مصدر مشكلة، على الأقل بقدر ما يمثل مشكلة لأرباب العمل».
تحليل هذا النقابي الفرنسي ليس صائبا بالضرورة، فقد اتضح بعد 1955 أن النقابة المغربية الأولى اعتمدت بشكل أساسي على العمال المغاربة من هذه الفئة، التي قلل النقابي الفرنسي من شأنها، وكانوا بمثابة «دينامو» حرك إضرابات عمالية وُوجهت بالرصاص الحي.
في هذا السياق التاريخي المحموم، سياق 1952، اتهمت السلطات الفرنسية في المغرب كل ممارسي العمل النقابي المغاربة بالانتماء للشيوعية. وهي التهمة التي نفاها النقابيون المغاربة الأوائل. ويعلق نيومان على هذه الحقيقة: «من بين عشرات الزعماء الاستقلاليين، والأعضاء، الذين التقيتهم، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يُطلق على أحدهم اسم شيوعي. أغلبهم كانوا مُسلمين يمينيين. وبالنسبة إليهم، فإن الإيمان بمسألة مادية واتخاذها عقيدة، يبقى أمرا مستحيلا.
لقد نفوا، بصدق، أن تكون لهم أي صلة أو اهتمام بالأفكار الشيوعية التي تبقى في نهاية المطاف، عكس أفكارهم تماما. وباعتبارهم ينتمون إلى حزب أغلب أعضائه برجوازيون، فقد تعرضوا في الماضي لأشد الانتقادات التي كان مصدرها شيوعيون».
لماذا إذن عارضت فرنسا انتماء المغاربة وانخراطهم في العمل النقابي، رغم أن النقابيين الفرنسيين كانوا وراء هذه التعبئة؟
الجواب يكمن في أن السلطات الفرنسية حرصت ألا تسقط في الخطأ نفسه الذي ارتكبته في تونس.
عندما سُمح للتونسيين بإنشاء أول نقابة لهم سنة 1946، فقد كان أول إجراء قاموا به، أن سحبوا كل العمال التونسيين من النقابات الفرنسية -النقابة الفرنسية في تونس كانت شيوعية- وشكلوا نواة قوية لنقابة عمالية تونسية مئة بالمئة.
وهكذا فإن فرنسا لم تسمح نهائيا بتشكيل نقابة مغربية مئة بالمئة، رغم أن حزب الاستقلال سنة 1952 كان قادرا، وبسهولة، على تأسيس أول نقابة عمالية تابعة له. وبدل أن يخفف الفرنسيون من الرقابة على الأنشطة العمالية المغربية، فضلوا أن يروجوا لتهمة جاهزة في حق العمال المغاربة الذين يمارسون الأنشطة النقابية، وهي «الشيوعية». علما أن الحركة الوطنية المغربية كانت مناهضة للشيوعية، وتستند في أفكارها إلى قيادات سلفية يمينية، لا مكان فيها لأي فكر اشتراكي أو شيوعي.
نضالات منسية زمن ما قبل تأسيس أول نقابة مغربية
في يوم 20 غشت سنة 1954، عرفت مُدن مغربية احتجاجات ضد استمرار نفي السلطان محمد بن يوسف، تجاوبا مع دعوات الوطنيين في مختلف المدن للتظاهر إحياء للذكرى الأولى لنفي العائلة الملكية.. كانت أحداث مدينة القنيطرة – كانت تسمى في ذلك التاريخ «بور ليوطي»- قد قوبلت بسخط شعبي، خصوصا بعد وصول أخبار تؤكد سقوط ضحايا مغاربة في صفوف المتظاهرين، برصاص الشرطة الفرنسية. وسرعان ما اندلعت مظاهرات أخرى، احتجاجا على استهداف المتظاهرين بالرصاص الحي.
في مدينة آسفي، شن الصيادون إضرابا ناجحا دائما في شهر غشت، احتجاجا على بعض الأحداث التي عرفتها مدن مغربية، سيما القنيطرة ومكناس. لأن القتلى المغاربة في صفوف المتظاهرين، كان عددهم كبيرا مقارنة مع خسائر الأمن الفرنسي، أو في صفوف المعمرين الفرنسيين، في أغلب الأحداث أو المظاهرات السلمية التي كانت فرنسا تواجهها بالقمع والاعتقالات، وتستعمل فيها الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين.
إضراب عمال آسفي، وثق له أرشيف محاضر الشرطة الفرنسية لسنة 1954. ففي الأسبوع الأخير من شهر غشت، أطلقت الشرطة الفرنسية حملة أمنية استهدفت النقابيين المغاربة، الذين كانوا يناضلون من أجل حقوق الصيادين في آسفي، وهم الذين انخرطوا لاحقا في نقابة المحجوب بن الصديق في مارس 1955، وشكلوا نواتها الأولى في المدينة.
كان الإضراب إذن هو الحل الأنسب للرد، ما دام الأمن الفرنسي لا يتورع في مواجهة أناس غير مسلحين، مستعملا الرصاص الحي، مخلفا أعدادا كبيرة من القتلى.
إضراب ممتهني الصيد في آسفي، كان حدثا استأثر باهتمام الإعلام الناطق بالفرنسية في المغرب، رغم أنه قلل من شأنه، إلا أن سوق السمك في المدينة أصيب بشلل تام، وتكبد بعض رجال الأعمال الفرنسيين الذين كانوا يستثمرون في قطاع الصيد خسائر كبيرة، رغم أن الإضراب لم يستمر إلا فترة قصيرة لم تتعد ثلاثة أيام.
كان أغلب الصيادين يتخذون من مهنة الصيد التقليدي مهنة معيشية، ورغم ذلك فإن الإضرابات التي قام بها الصيادون كان مؤثرة، خصوصا وأن نسبة كبيرة من سكان المدينة كانوا يعتمدون على السمك كغذاء أساسي.
فوجئ الفرنسيون بحجم التنظيم في صفوف الصيادين، رغم أن العمل النقابي كان في بداياته.. والسبب أن الصيادين في آسفي، كانوا قد تأثروا بالتنظيم العمالي الذي وضع النقابيون الفرنسيون أساسه في إطار الأنشطة النقابية في معامل تصبير السمك، وهي التمثيلية النقابية التي كان ترعاها أطر فرنسية من موظفي هذه المعامل، وحشدوا في صفوفهم العمال المغاربة ولقنوهم مبادئ العمل النقابي.. واتُهم النقابيون الفرنسيون في معامل تصبير السمك الفرنسية في آسفي، بترويج الأفكار الشيوعية، ومارست الشرطة الفرنسية تضييقا كبيرا عليهم.
بالعودة إلى إضراب غشت 1954، فإن الهاجس الوقائي بالنسبة إلى الإدارة الفرنسية كان توفير الحاجيات الأساسية داخل التجمعات السكانية، حتى لا تتخذ الأمور مجريات عنيفة، قد تؤجج المتظاهرين للقيام بالأسوأ، وعندها فقط ستكون حياة المواطنين الفرنسيين المقيمين في آسفي مهددة. لذلك كان الإضراب الذي قام به الصيادون مؤثرا.
في السياق نفسه، شن الحرفيون في الرباط إضرابا مماثلا لإضراب صيادي آسفي، شل السوق الذي كان يتجمع فيه الرباطيون، خصوصا الحرفيين صانعي المنتجات التقليدية. كانت الإدارة الفرنسية ترفع تقاريرها المحلية إلى الإقامة العامة، محذرة من تنامي موجة الإضرابات والعواقب الأمنية، التي قد تؤدي إليها، في حال تضامنت فئات أخرى مع الحرفيين المُضربين عن العمل.
وبحسب أرشيف محاضر الشرطة الفرنسية، فإن البوليس الفرنسي أعد لائحة سوداء بأسماء الحرفيين الذين أغلقوا محلاتهم، وشن حملة من الاعتقالات في صفوف مرتادي السوق في ساعات متأخرة، كما رصد أنشطة لتوزيع منشورات سرية يطالب فيها الوطنيون بالانخراط الشامل في موجة إغلاق المحلات في المدينة القديمة، احتجاجا على نفي السلطان في الذكرى الأولى لنفي العائلة الملكية، وهو أول نشاط نقابي مؤثر مارسه الحرفيون والمهنيون المغاربة، عاما قبل تأسيس أول نقابة مغربية.
الكاريان سنطرال.. العلبة السوداء لاجتماعات النقابيين
إذا كان «الكاريان سنطرال»، أو الحي الصفيحي الأشهر الذي انطلقت منه النواة الأولى لتجمعات العمال المغاربة، قد اكتسب شهرته بإيوائه للنازحين الأوائل من القرى المغربية للعمل في مصانع الفرنسيين في الدار البيضاء، فإنه أيضا مشتل لميلاد نخبة السياسيين المغاربة الذين أطروا هؤلاء العمال سياسيا ونقابيا أيضا، سنوات قبل تأسيس أول نقابة مغربية.
في الكاريان سنطرال كان أغلب العمال يشتغلون في «معمل السكر»، أو معامل تصبير السمك، وأيضا لدى مكتب السكة الحديدية.
وهؤلاء العمال كانوا يُجمعون على اختيار من يمثلهم، رغم أنهم لم يكونوا منخرطين رسميا في فروع النقابات الفرنسية. كان انخراطا ضمنيا يقوم على التآزر، سيما عندما يتعلق الأمر بحادث شغل من الحوادث الأليمة التي أصيب فيها عمال مغاربة أثناء مزاولتهم العمل، في ظروف تفتقر إلى معايير السلامة. وهكذا بدأت أولى الإضرابات العمالية ما بين 1950 و1953، للمطالبة بحقوق هؤلاء العمال.
انخرط الوطنيون في مبادرة تقوم على تأمين الطعام لأسر المتضررين، أو الذين تم تسريحهم من العمل لدى أرباب المعامل الفرنسية، وهذا التضامن كان بداية وعي المغاربة بأهمية العمل النقابي.
احتضن الكاريان سنطرال اجتماعات لتوعية العمال بحقوقهم، وهي اجتماعات كان يرعاها وطنيون أغلبهم منخرطون في صفوف حزب الاستقلال.
لكن أهم حدث أطلق الوعي النقابي في الكاريان، كان عندما اغتيل النقابي التونسي فرحات حشاد، يوم 5 دجنبر 1952. ففي اليوم الموالي لاغتيال هذا النقابي التونسي، خرجت مظاهرة شهيرة في الكاريان سنطرال استنكارا للاغتيال، ورغم القمع الكبير الذي واجهت به الشرطة الفرنسية هذه المظاهرة، ومواجهتها المتظاهرين بالرصاص الحي، إلا أن هذه المحطة التاريخية رفعت منسوب الوعي النقابي في صفوف سكان الكاريان.
بعد هذه الأحداث، ازداد اهتمام العمال المغاربة بالعمل النقابي، وازدادت شعبية شخصيات وطنية عملت على تأطير هؤلاء العمال. حتى أن المحجوب بن الصديق حصد شعبية كبرى في صفوف العمال، نظرا لتأثيره الكبير في الكاريان بعد هذه الأحداث. وفي أرشيف محاضر البوليس الفرنسي، توجد نشرات لمذكرة بحث صدرت في حق المحجوب بن الصديق، باعتباره المطلوب الأول لدى البوليس الفرنسي، بسبب أنشطته النقابية داخل الكاريان.
وإلى حدود 1955، كان الكاريان سنطرال النواة التي اعتمدتها أول نقابة مغربية لتوسيع دائرة الانخراط النقابي. وكان حزب الاستقلال يعتبر دائما الكاريان سنطرال خزانا للانخراطات، وهو ما اتضح سنة 1956، عند تأسيس النقابة التي ترأسها المحجوب بن الصديق، ثم سنة 1959 بعد الانشقاق التاريخي وتأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. إذ ظل الكاريان سنطرال وفيا لأول تنظيم نقابي مغربي، حتى بعد رفض المحجوب بن الصديق التحالف مع المهدي بن بركة.. فقد كانت شعبية رموز حزب الاستقلال، سيما علال الفاسي، مهمة رغم التطورات السياسية التي عرفتها البلاد بعد الاستقلال. فقد كان جيل النقابيين الذين مارسوا العمل النقابي خلال الحماية، أوفياء لتلك الظروف التي انخرطوا فيها في العمل النقابي لأول مرة، خصوصا منهم عمال «معمل السكر»، ومعامل تصبير السمك.. فقد كانوا نواة حقيقية لانطلاق العمل النقابي المغربي، في زمن كان الخروج فيه للتظاهر يواجه بالرصاص الحي.





