
جاي كاسبيان كانج(*)
ترجمة: د. سارة حامد حواس
في جزء من سلسلة حول مستقبل التعليم العالي، تحدثتُ مع أساتذة جامعيين عن الطرق التي غيَّر بها الذكاء الاصطناعي فصولهم الدراسية. كان يشعرُ معظمهم بإحباطٍ عميقٍ من انهيار ما يشبه العقد غير المكتوب بين الطالب والأستاذ؛ ذلك العقد القائم على افتراض أن الطالب، حتى لو لم يكن مثاليًّا، سيحاول على الأقل أن يُجهد نفسه في التفكير بين الحين والآخر. فإذا كان الطلاب يعتمدون على ملخصات الذكاء الاصطناعي بدلًا من قراءة النصوص بأنفسهم، وإذا لم يحاولوا صياغة أفكارهم بلغتهم الخاصة، فهل يتعلمون شيئًا حقًّا؟
وعندما أعود إلى السؤال الأساسي لهذه السلسلة، هل ستلتحق ابنتي ذات الأعوام التسعة بالجامعة يومًا ما، وأجدني أتساءل هل ستخوض فعلًا معاناة الكتابة بالطريقة التقليدية؟ ربما سيظل القُرَّاء يفضِّلون الأدب الذي يكتبه البشر، لكن في ما عدا رسائل البريد الإلكتروني، والنصوص الإعلانية، والمذكرات القانونية، وأبحاث الطلاب، من المرجح أن تتراجع مقاومة الكتابة المولَّدة بالذكاء الاصطناعي كلما تطورت التكنولوجيا، إلى أن يصبح التفريق بين نصٍّ كتبه إنسان وآخر كتبته آلة أمرًا مستحيلًا عمليًّا. وسيتلاشى حينها السلاح الأهم الذي يملكه المعلّمون: “سأرسبك إن غششت”، لأنه ببساطةٍ لن تكون هناك وسيلة لمعرفة ذلك.
أود أن أتراجع خطوةً عن تداعيات الذكاء الاصطناعي على التعليم العالي، وأطرح سؤالًا أكثر جوهريةً كم نحن بعيدون عن تلك اللحظة؟ في الوقت الحالي، أعتقد أنه ما زال من السهل نسبيًّا اكتشاف الأمثلة الواضحة على الكتابة الآلية. فالأستاذ الذي يقرأ مئات الأوراق ولديه تصور جيد عن مستوى طلابه يمكنه غالبًا تمييز النصوص المزيَّفة. والمدير الذي يبدأ في تلقي رسائل مرتبة على شكل نقاط، مفرطة في الإيجابية، من موظفيه، سيشتبه على الأرجح في أن برنامجًا ما قد أكملها تلقائيًّا. كما أن للكتابة الآلية علامات متكررة: الإفراط في استخدام الشرطات الطويلة، وصيغ من قبيل “ليس كذا بل كذا”، وأفعال لافتة للنظر مثل “يتعمَّق”. لكن هذه العلامات تظهر عادةً في أبسط مخرجات نموذج “كلود”. فماذا عن النوع من النثر الذي نرغب فعلًا في قراءته؟ هل يستطيع “كلود” أن يكتبه؟
هذا السؤال، أو صيغة منه، طرحه آلاف القُرَّاء الغاضبين خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد أن نشرت مجلة ”جرانتا” الأدبية قصة حائزة على جائزة الكومنولث لكاتب يُدعى جمير نذير(كاتب من ترينداد وتوباجو من أصول هندية شرقية )، بدت لكثيرين كأنها تحمل كل سمات الكتابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.
أشار البعض مثلًا إلى التكرار الغريب لكلمة “hum”، وإلى الاستعارات المتكلفة والمشدودة، التي بدت بلا معنى واضح، ثم أصدرت دار نشر ”جرانتا” بيانًا ملتبسًا على نحوٍ لافت، خلصت فيه إلى أنه “ربما لن نعرف أبدًا” ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد كتب القصة، أما نذير فأنكر الاتهام.
لعبة بسيطة
ذهب عدد من الكُتَّاب إلى الصراخ بأننا نعيش “نهاية الأزمنة”، بينما رأى آخرون، بقدر أقل من الإقناع، أن فوز نص مولَّد بالذكاء الاصطناعي بجائزة الكومنولث لا يدل إلا على أن الرواية الأدبية في حالة تدهور شديد. (هل الأدب الروائي اليوم أفضل أم أسوأ مما كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين أو أربعين عامًا؟ لا أعرف، لكنني أعلم أن كل جيل من الكُتَّاب يردد الشكوى نفسها تقريبًا).
صممتُ بعفويةٍ لعبة بسيطة باستخدام ”كلود” تعرض نحو مئتي كلمة في كل مرَّةٍ، وتطلب من اللاعب أن يخمِّن: هل النص كتبه إنسان أم أنتجه ذكاء اصطناعي؟ كانت المقاطع المختارة مأخوذة جميعها من ”مشروع جوتنبرج” وهو مكتبة إلكترونية تضم أعمالًا أدبية في الملكية العامة. طلبتُ من الروبوتات أن تستعرض أعمال كُتَّاب مثل جورج إليوت، وجيمس جويس، وإرنست همنجواي، وآرثر كونان دويل، وأن تولِّد مقاطع تحاكي أساليبهم. ثم كان الروبوت يعرض النتائج، وأحاول وبعض أصدقائي أن نحدِّد إن كان المقطع أصليًّا أم مختلقًا.
كان الاختبار سهلًا نسبيًّا، في الجولات الأولى. فقد حملت نصوص الذكاء الاصطناعي علامات واضحة: أخطاء في التنسيق وعلامات الترقيم، واعتمادًا مفرطًا على تشبيهات واستعارات مصطنعة ومتكلفة. كما بدا أن للذكاء الاصطناعي عادة غريبة، إذ يجعل شخصياته في حركة عصبية دائمة، تمرير إصبع على حافة طاولة، أو تعديل ياقة قميص، أو حركات تافهة من هذا النوع. لكن العلامة الأوثق لم تكن تفصيلًا شكليًّا، بل أمرًا أكثر تجريدًا، وربما، عند التأمل، أكثر إثارةً للقلق. فالمشاهد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تضم شخصيات، نعم، لكن هذه الشخصيات، باستثناء حركات التململ، لا تفعل شيئًا يُذكر.
تأملوا هذا المقطع الذي ولَّده ”كلود” محاكيًا أسلوب هنري فيلدنج:
في هذا المقطع، لا يكاد يحدث شيء، ولا يوجد يقين في أي أمر. صوفيا لا تقول الكثير، والسيد ويسترن لا يستطيع أن يفسر تعبيرها، وهي نفسها لا تفهم تمامًا ما تقصده به. وبعد أن يُدلي ويسترن بكلامه — الموصوف بعبارتي “as if” و“as though” معًا — لا ترد صوفيا، بل تلتفت إلى الموقد حيث نار صغيرة تشتعل بلا ضرورة، في ظهيرة لم تكن باردة بما يكفي لتبرير إشعالها.
في الجولات الأولى، كان كل من شاركتهم تلك المقاطع الباهتة يفترض فورًا أنها مزيفة، حتى عندما تكون الروبوتات قد اقتربت إلى حدٍّ معقول من تقليد أسلوب الكاتب المعني.
على مدار اليومين التاليين، واصلت الحديث مع ”كلود” حول كيفية التخلص من هذه العلامات الكاشفة. طلبتُ منه أن يتجنب التشبيهات، وأن يقلل من استخدام كلمات مثل “في أي مكان” و“شيءٌ ما”، لأنها كانت تكشف تلك الضبابية الجوهرية الغريبة في كتابته. لفترة من الوقت، ظل ”كلود” ينتج المقاطع الجامدة نفسها، حيث جاي جاتسبي أو شيرلوك هولمز لا يفعلان شيئًا تقريبًا، ولا يُبديان رأيًا واضحًا تجاه القليل جدًّا مما يحدث حولهما. أخبرتُه أنه لا يُحسن التخلص من عاداته السيئة، واقترحتُ أن ينشئ وكيلا آخر يراجع النصوص المزيفة ويمسك بالأخطاء التي يقع فيها. ثم جاء وكيل ثالث يدوِّن ملاحظات تتضمن تعليمات حول أفضل السبل لمحاكاة كل كاتبٍ. تخيلتُ الأمر كأنها بطاقات تذكير يرفعها أحدهم لضمان أن يتذكر الجميع أن يجعلوا دوروثيا بروك، مثلًا، تقوم بفعلٍ حقيقيٍّ.
كيفية تقليد كاتب
في ما يلي عينة من القواعد التي لم أكتب منها شيئًا، إنها تعليمات ”كلود” لنفسه حول كيفية تقليد أسلوب كل كاتب. (أورد هنا عددًا قليلًا فقط، إذ كان هناك عادةً نحو عشرة توجيهات في كل من قسمي “يفعل” و“لا يفعل”).
(إرنست همنغواي)
يفعل:
– ينسج جُملاً قصيرة تقريرية، ويجعل “and” أداة الربط الأساسية، بما يخلق إيقاعًا متدفقًا إلى الأمام.
– يختزل وسوم الحوار إلى أبسط صيغة: “قال” / “قالت”، ونادرًا ما يستخدم ظروفًا أو أوصافًا حركية في السطر نفسه.
– يذكر الطقس أو المشهد الطبيعي في جملة خبرية مباشرة غير مؤطرة بتأمل (“كانت الشمس فوق التلال”).
لا يفعل:
– يكتب بجملٍ واضحة ومباشرة ويضع الفعل الرئيس مبكرًا من دون تعقيدٍ.
– يتجنب المفردات ذات الأصل اللاتيني أو الكلمات الطويلة متعددة المقاطع (“أوضح”، ومع ذلك”، “فيما بعد”).
– لا ينسب الأفكار الداخلية عبر أسلوب الخطاب غير المباشر الحر أو تأملات مكتوبة بخط مائل.
– لا يسمِّي المشاعر صراحةً ولا يشرحها مباشرة (“كان حزينًا”، “كانت خائفة”).
(جورج إليوت)
تفعل:
– تبني جُملا طويلة متوازنة هندسيًّا، تتضمن عدة جمل فرعية متداخلة، غالبًا ما ترتبط بفواصل منقوطة أو نقطتين.
– تقدم الشخصيات بعبارةٍ موجزةٍ تحدد موقعها الاجتماعي أو الطبقي قبل ذكر الاسم (“رجل في نحو الخمسين من عمره، الذي…”).
لا تفعل:
– لا تستخدم جُملاً ناقصة للتأكيد أو لإيقاعٍ خاص.
– تتجنب السرد بزمن الحاضر؛ كل شيءٍ يُروى بالماضي مع نظرةٍ استرجاعية منضبطة.
– لا تستخدم تعبيرات عامية أو أمريكية، ولا تختصر الكلمات في السرد.
بدا أن مضاعفة القوة العاملة من الروبوتات، وتذكير النموذج بمهمته، قد أثمر جزئيًّا. (وعندما سألتُ صديقًا يدرِّس علوم الحاسوب وتعلُّم الآلة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، لماذا تحتاج الروبوتات إلى روبوتاتٍ أخرى تراجع عملها، أجابني: “إجابة جادة مئة في المئة.. لا أحد يعرف.”) اختفت التشبيهات فعلًا. لكن أخذ ”كلود” بعض التعليمات الجديدة بحرفيةٍ مفرطة، وفجأةً صارت كل المقاطع المزيفة مليئة بشخصياتٍ تقفز على ظهر حصان، أو توصل طردًا مهمًّا، أو تركض. ولسبب ما، أدى ذلك إلى جُمل قصيرة للغاية ، صار من السهل على الناس اكتشاف زيفها. لذا خففتُ القيود قليلًا، وسمحتُ ل ”كلود” أن يعود إلى أسلوبه المعتاد، مع الإبقاء على عددٍ محدودٍ من القواعد الصارمة بشأن الكلمات المبهمة والتشبيهات.
بعد بضعة أيام من الاختبار، نشرتُ رابط اللعبة على حسابي في منصة ”إكس”. وخلال خمسة أيام فقط، تلقيتُ أكثر من ثلاثين ألف مشاركة. تمكن الذين خاضوا الاختبار من التمييز بين النصِّ الحقيقيِّ والمزيَّف بنسبة تقارب اثنين وخمسين في المئة، وهو رقمٌ يمكن قراءته بطريقةٍ أخرى: أنهم في الحقيقة لم يستطيعوا التفريق بينهما. ومع ذلك بدا أن نحو عشرة في المئة من المشاركين بارعون في اللعبة، سواء لأن لديهم معرفة مسبقة بالنصوص الأصلية أو لأن لديهم عينًا حادة تلتقط عُقد الذكاء الاصطناعي التي ما زلتُ أنا نفسي لا أتبينها.
عند هذه المرحلة كنتُ قد تعلَّمت كيف أصنع نصوصًا مزيفة أفضل قليلًا. أضفتُ موظفًا آخر من الذكاء الاصطناعي ليُعيد فحص العينتين ويرصد العلامات الكاشفة. وبحلول نهاية الأسبوع، كنتُ أخدع أكثر من نصف من يلعبون اللعبة. النص الذي أوقع أكبر عدد من الناس في الخطأ كان من إنتاج “برام ستوكر”. لم يتمكن سوى سبعة عشر في المئة من المشاركين من اكتشاف أنه مزيف.
فراغ نصوص مزيفة
في الرابع من ماي قضيتُ معظم الصباح عند نافذة غرفتي مستسلمًا لسلسلة من التأملات كنتُ آمل أن أتجنبها عبر انشغالٍ دائم، غير أن غياب أي عملٍ في هذا المكان جعلها في النهاية حتمية. كان آخر عهد لي بالكونت، بقدر ما أستطيع أن أؤكد يقينًا، مساء اليوم الثاني؛ ومنذ ذلك الحين امتد غيابه لليلتين أو ثلاثة أيام، ولا أعتقد أنه غادر القلعة. فالخيول في الإسطبل، والباب الكبير عند أسفل الدرج الجنوبي مغلق من الداخل منذ الثلاثاء. جُبتُ ممرات الطوابق الثلاثة السفلى مرتين كل ليلةٍ، ولم أسمع صوتًا سوى الريح في مدخنة القاعة. ومع ذلك أنا مقتنع على نحوٍ لا أستطيع تفسيره، بأنه كان في مكانٍ ما من القلعة طوال هذه الفترة، وأنه كان على علمٍ بجولاتي.
ما لفتني أن هذا النص، رغم كونه تقليدًا أفضل لبرام ستوكر من النسخ السابقة في اللعبة، ما زال يدور حول الغياب والسكون. يحاول الراوي الهروب من “سلسلة التأملات” عبر نشاط دائم، لكنه لا يجد ما يكفي ليشغل ذهنه. فالكونت غائب، تاركًا الراوي يتجول في ممرات خالية لا يسمع فيها “سوى الريح في مدخنة القاعة”. لم تكن كل النصوص المزيفة على هذا القدر من الفراغ، لكنَّ عددًا كافيًا منها كان كذلك بما يكفي للإشارة إلى أن ”كلود”، رغم قدرته على إنتاج تقليد مقنع لكُتَّاب كبار من الملكية العامة، تقليد يخدع الغالبية الساحقة من القُرَّاء المتبصرين، وإن لم يخدعهم جميعًا، لا يزال عاجزًا عن جعل شخصياته تفعل الكثير حقًا. ولم تنجح أي بطاقات تذكير إضافية أو تغذية راجعة في إصلاح هذه المشكلة، فبمجرد أن أطلب منه أن يجعل الأحداث أكثر حيويةً، تعود النبرة المبتورة وسهلة الاكتشاف لكتابة الذكاء الاصطناعي.
أتردد في اعتبار تلك العلامة الفارقة الكبرى، لأن الأمر يبدو بصراحة أدبيًّا أكثر مما ينبغي، وربما ساذجًا بعض الشيء. أشعر بشيءٍ من الحرج في المضي بعيدًا في تأمل ما قد يعنيه عجز الروبوتات عن بثِّ الحياة في مشهدٍ ما. أترك ذلك للشعراء وخصوم الآلات، أما مساهمتي المتواضعة في هذا النقاش فهي أن فن الرواية يعتمد بدرجةٍ كبيرة على قبول القارئ لمثل هذه المقاطع الوصفية ذات الأجواء المميزة التي يفضلها ”كلود”، والتي وصفها الناقد الأدبي جيمس وود بأنها “حركة كاميرا سلسة وعابرة”. وقد رأى وود أن اختيارات الكاتب، الكبيرة منها والصغيرة، تبرز دائمًا إلى السطح. يتخذ الذكاء الاصطناعي اختيارات هو الآخر، لكنه لا يفعل ذلك انطلاقًا من ذكريات شخصية عن شارع في باريس عند الغروب مثلًا، بل عبر الاقتباس الضمني من كمٍّ هائل من الكلمات التي كُتبت من قبل. وإذا كان ”كلود” يميل إلى كتابة مشاهد لا يحدث فيها شيء تقريبًا، وممرات فارغة، وشخصيات لا تفعل سوى لمس الأثاث القريب بفتورٍ، فربما لأننا أيضًا نميل إلى ذلك.
أنا واثقٌ من أن ”كلود” سيتمكن قريبًا من جعل إحدى شخصياته تشعل الموقد على الأقل، أو تقود عربة إلى نورويتش، وعندها سيبدو كل ما سبق مجرد عثرةٍ غريبة في الطريق. ومع ذلك، فقد منحتني هذه التجربة الساذجة في تقليد الروبوتات قدرًا من الطمأنينة؛ إذ لم أصل أنا ولا أيٌّ من المشاركين في الاختبار إلى قناعةٍ بأننا نرغب في قراءة أدب يكتبه الذكاء الاصطناعي، ولم نشعر بأن القراءة والكتابة لم تعودا ضروريتين.
بين الشطرنج والكتابة
كلما بدأتُ أفكر في هذه التقنية وإمكاناتها لاستبدالنا، أذكِّر نفسي، كنوعٍ من النظافة الذهنية، بأن أعظم أساتذة الشطرنج في العالم لم يتمكنوا من هزيمة أفضل الحواسيب منذ عقدين، ومع ذلك يتابع مئات الآلاف من الأطفال اليوم مؤثري الشطرنج على تيك توك. ما نزال نقدِّر العملية الإنسانية في الشطرنج، وكيف تدفع اللعبة أدمغتنا إلى الحركة. تفوق الآلات لا علاقة له بالسبب الذي يجعلنا نلعب، حتى لو كان للحواسيب تأثير كبير في تطوير الاستراتيجيات البشرية.
وسينطبق الأمر نفسه، بالطبع، على الكتابة. وهذا يعني أنه يمكننا على الأرجح الاستغناء عن نزعة التشاؤم المفرط، وكذلك عن كل التكرارات والتلاعبات بعبارة littera scripta manet، ”الكلمة المكتوبة تبقى”، وأن نكتفي بالثقة في أن البشر سيحتاجون دائمًا إلى فهم الأشياء، وتحويل ذلك الفهم إلى كلماتٍ يمكن استخدامها للتواصل مع بشرٍ آخرين. سيظل تجاوز هذه العملية نوعًا من الغش، حتى لو جاء وقت قريب يصبح فيه جزء من الكلمات التي ننتجها صادرًا عن روبوتات. ذلك الشعور غير المريح الذي ينتابك عند قراءة رسالة إلكترونية أو مقال أو قصة قصيرة كتبها الذكاء الاصطناعي ليس في الحقيقة خوفًا من اقتراب نهاية دورنا على هذه الأرض، وإنما هو أقرب إلى الانزعاج وخيبة الأمل اللذين تشعر بهما إذا اكتشفت أن خصمك في الشطرنج يستخدم برنامجًا ليخطط نقلاته التالية. ما دام هذا النفور قائمًا، فبإمكان مليون نموذج لغوي ضخم أن يكتب مليون نسخة من روائع الأدب، وربما يعثر بعضها حتى على اكتشافات توسِّع طرق صياغتنا للجمل، لكن العلاقة الأساسية بين البشر والكتابة ستظل كما هي.
++++++++++
(*) جاي كاسبيان كانج كاتب في هيئة تحرير مجلة نيويوركر، ومؤلف كتاب ”الأمريكيون الأكثر وحدة”.





