يوميات موظف بديوان محمد الخامس 1947-1950
صدرت قبل 70 سنة ووثقت لأحداث «نارية» بعيني محمد ملين

يونس جنوحي
«عندما أصدر محمد الرشيد ملين، قبل سبعين سنة من اليوم، مذكراته التي حملت عنوان «نضال ملك»، لم يكن الأمر يتعلق بمذكرات شخصية، بل اشتغل ملين فيها على التوثيق لمرحلة تاريخية تمتد ما بين 1947 و1950، من يوميات الاشتغال في القصر الملكي إلى جوار الملك الراحل محمد الخامس. لم يتحدث ملين نهائيا في هذه المذكرات عن حياته الشخصية والمهنية، بقدر ما وثق لأحداث عاشها في قلب ديوان سيدي محمد بن يوسف.
صدور كتاب ملين كان حدثا ثقافيا كبيرا في ربيع سنة 1956.. اهتم به الملك الراحل شخصيا، واعتبره وثيقة تؤرخ لمرحلة عصيبة من مراحل حكمه للمغرب، ولم يكن قد مضى عليها وقت صدورها سوى 10 سنوات.. كان كتابا يتناول شهادات الأحياء، في أحداث كان المعنيون بها لا يزالون جميعا على قيد الحياة.. وهنا كمنت أهمية «نضال ملك».
مخطط فرنسا للانقلاب على «خدام الأعتاب الشريفة»
هو من جيل الحماية. فتح محمد الرشيد ملين عينيه، بعد أربع سنوات فقط على توقيع معاهدة الحماية الشهيرة سنة 1912. هذا الجيل، كان دائما يُعتبر «غير محظوظ»، لكن ملين، الذي ينحدر من عائلة عريقة في خدمة المخزن، خصوصا وأن والده مر من الوزارة، وترك لدى الابن إدراكا مبكرا لثقل مسؤولية الخِدمة في دواليب جهاز المخزن.
ولج محمد الرشيد ملين القصر الملكي من أوسع أبوابه، فقد مهد له انتماؤه للحركة الوطنية في ثلاثينيات القرن الماضي، الولوج إلى القصر الملكي، عندما اقترح مستشارو السلطان من علماء القرويين مجموعة من الشباب، لكي يكونوا في خدمة السلطان.
في سنة 1947، سوف يتولى محمد الرشيد ملين مسؤولية رسمت له مستقبلا مهما في الديوان الملكي. إذ كلفه السلطان محمد بن يوسف برئاسة لجنة ملكية إلى طنجة، سبقت الزيارة الملكية التاريخية إلى المدينة في أبريل من تلك السنة.
وساهم محمد الرشيد ملين في وضع برنامج الزيارة، وواصل عمله في القصر الملكي لثلاث سنوات أخرى، إلى أن عينه السلطان سنة 1950 مندوبا للصدر الأعظم، ومنسقا بينه وبين الإدارة الفرنسية في قطاع المعادن.
هذا المنصب تسبب لمحمد الرشيد ملين في مأساة وظيفية حقيقية. فقد انتقم منه الفرنسيون بعد سنتين، وعزلوه من مهامه، بل وحُكم عليه بالنفي إلى خارج الرباط سنة 1952 لإبعاده عن الديوان الملكي بشكل كامل، ولم تنته مأساته الشخصية إلا في سنة 1955، عندما أزيلت الشخصيات التي تواطأت مع فرنسا لاختراق منظومة المخزن.
استحق ملين الانتماء إلى عائلة: «خدام الأعتاب الشريفة». وشهادته في هذه المذكرات النادرة التي تمر عليها اليوم 70 سنة، نقرأ أكثر صفحات تجربته حرارة واتقادا، ما هي إلا وثيقة تاريخية تكشف بالواضح كيف أن جهاز المخزن مر من مرحلة الانغلاق لحماية ملامحه القديمة من أداة النحت الفرنسية، إلى مرحلة الاختراق من طرف إدارة الإقامة العامة الفرنسية، أيام الجنرال «جوان».. العدو اللدود للوطنيين، وقائد أكبر حملة تطهيرية ضد الحركة الوطنية في تاريخ المغرب.
الحياة المنسية لأحد أقدم موظفي القصر الملكي..
«لقد اطلعتُ على كتابكم القيم الذي خصصتموه لنضال صاحب الجلالة ملك المغرب سيدي محمد الخامس، ولسيره بشعبه الوفي من الحماية إِلى الاستقلال. فوجدت في طياته، صورة صادقة لتلك المعركة الحامية الوطيس بين الحق والباطل، والعدل والظلم، كما وجدت تفهما للروح التي بفضلها تغلب ملكنا المفدى على كل العراقيل والعقبات، وقاد بها أمته نحو تحقيق أهدافها السامية:
استقلال البلاد، وتوحيد ترابها، وضمان العيش الهني لجميع الرعايا؛ ولقد كنتم أحد الأفراد الذين تابعوا الأحداث عن كثب.
مما مكنكم من تسجيل تطورها، والتدقيق في البحث عن أسبابها ونتائجها؛ كذلك في أسلوب شيق، وصراحة كاملة، وإِظهار لحقيقة الأحداث التي جرت في المغرب منذ فجر النهضة الوطنية، وبالأخص في تلك السنوات الحاسمة من سنة 1947 إلى 1951، التي كان فيها القول الفصل، والعمل المجدي، والتوجيه النهائي..».
الكلام هنا لولي العهد في مارس 1956، الأمير مولاي الحسن، في تقديمه لمذكرات محمد الرشيد ملين، الوزير السابق في حكومات الاستقلال، والموظف في القصر الملكي في الفترة الحرجة ما بين 1947 و1951.
عندما أصدر محمد الرشيد ملين مذكراته: «نضال ملك»، في ربيع 1956، كان الملك الراحل محمد الخامس أول قارئ لتلك المذكرات، إلى جانب ولي العهد. ولم يكن توجيه ملين لمسودة المذكرات إلى عناية الملك، خطوة اعتباطية. فالرجل كان عارفا بآداب القصور، وكان مدركا إلى أن إصدار مذكرات عن أحداث لم يكن قد مر عليها وقتها سوى عشر سنوات فقط، لا بد أن يحظى أولا بموافقة المعني الأول بتلك الأحداث.. الملك الراحل محمد الخامس.
استحضار محمد الرشيد ملين لذكرياته إلى جوار الملك الراحل في عز أزمة المغرب مع الإقامة العامة الفرنسية، بعد مجيء المقيم العام الجنرال «جوان»، كان وقتها وثيقة مهمة لحفظ الذاكرة الجماعية، خصوصا وأن ملين في توثيق مذكراته لجأ إلى وقائع عاشها، وإلى وقائع أخرى نقلها على لسان الشهود. فرغم وجوده في قلب القصر الملكي، إلا أنه لم يعش بعض الأحداث عن قرب، بل راقبها من بعيد، إلا أن ما دار في قلب الجلسات كان موضوع أحاديث مطولة بين موظفي القصر وكبار مسؤولي المخزن.
بينما في مواضع كثيرة من هذه المذكرات، التي لم يضع فيها ملين نفسه في مرتبة المشارك في الأحداث، بل مجرد ناقل لما عاشه السلطان نفسه، بصفته أحد موظفيه المقربين.
يقول مثلا في وصف الرحلة الملكية الشهيرة سنة 1950 إلى فرنسا:
«.. واقترب الموكب الملكي المتركب من السيارة الملكية ومن سيارات وزير العدلية ورئيس المجلس الأعلى للاستئناف الشرعي ورئيس المحكمة العليا ومندوبي الصدر الاعظم وأعضاء الديوان الملكي، اقترب من ميناء الدار البيضاء، عاصمة المغرب التجارية ومرساه العظيم على شاطئ المحيط الاطلسي، وكان الميناء على سعته يبدو أمام تهافت المغاربة ضيقا غير كاف لضم جميع الراغبين في التشرف برؤية سلطان البلاد ووداعه قبل سفره الميمون، وكانت الراية الحمراء رمز ذاتية المغرب وكيانه القويم فوق المنازل والمتاجر وفي الأزقة والشوارع، كما كان يحيى بها طلبة المدارس ورجال المعامل، وبالأخص عمال الميناء الذين نسقوا منذ مدة طويلة أعمدة آلات الميناء الناقلة، حتى تسنى لهم مشاهدة حفلة الوداع المؤثرة».
قصة منع حفل تدشين «مجموعة مدارس محمد الخامس» بسبب هتافات
في سنة 1947، ومع وصول المقيم العام الجديد الجنرال «جوان» إلى المغرب، وتسلم مهامه يوم 14 ماي تحديدا، بدأ سياسة عدائية غير مسبوقة ضد المغرب.
لم تتقبل فرنسا أن يسافر السلطان محمد بن يوسف إلى طنجة، ويلقي خطابه التاريخي فيها يوم 9 أبريل من السنة نفسها. وهكذا، مع نهاية الشهر، أعفت المقيم العام السياسي والدبلوماسي «لابون»، وعينت محله رجلا عسكريا لا يعرف سوى لغة الأوامر والانضباط العسكري، مقيما عاما للمغرب.
وصف محمد الرشيد ملين لحظات إعفاء المقيم العام، إيريك لابون، مباشرة بعد عودة السلطان من الزيارة التاريخية إلى طنجة: «.. لم تمر إلا أيام قلائل، حتى أعلن بباريس والرباط أن السفير المسيو لابون الفرنسي الحر، صديق السلطان وصديق المغاربة، المتفهم لأمانيهم ومطامحهم، قد تقرر إبعاده عن وظيفته بالإقامة العامة..».
الآن أصبح الجنرال جوان مقيما عاما. أول تضييق مارسه الجنرال جوان ضد السلطان محمد بن يوسف، بحسب شهادة محمد الرشيد ملين الذي كان قريبا من تلك الأحداث، ومرافقا للسلطان، محاولة منع احتفال تدشين مجموعة مدارس محمد الخامس الوطنية. ويحكي مُلين عن هذه الذكريات المشحونة، قائلا:
«اجتمع سلطان المغرب بممثل فرنسا، وأخبره بعزمه على تدشين مؤسسة مدارس محمد الخامس. تلك البنايات الفخمة التي أنفق سكان الرباط على بنائها من أموالهم الخاصة، وقدموها هدية إلى عاهلهم المفدى. وكم كانت دهشة الملك عظيمة، حينما فهم أن الجنرال جوان لا يوافق، بل لا يأذن بهذه الحفلة، ولماذا يا ترى لا يوافق ولا يأذن؟
لأن في هذه الحفلة، يقف شباب يصيحون يحيا الملك، يحيا ولي العهد، يحيا المغرب مستقلا، ومتى كان من حق الحكومات أن تمنع الناس من النطق والتعبير عن عواطفهم ومتمنياتهم؟
إن الجنرال جوان، ولاشك، ليس بجاد في قوله، ولكن السلطان أدرك أن ممثل فرنسا لم يكن مازحا، عندما صرح أنه إذا ما حدثت السلطان نفسه بمحاولة الحضور في هذا الاجتماع، فسيجد أمامه القوات الفرنسية، التي ستمنعه من الوصول إلى غرضه.
حقا إن لغة الجنرال جوان تخالف شيئا ما لغة السفير لابون، ووجه فرنسا الذي مثله السفير، هو غير الوجه الذي يمثله الجنرال، فما هو إذن الوجه الحقيقي لفرنسا؟
لقد زار السلطان فرنسا، وعرف من رجالها الشخصيات العظيمة، وربطته بكثير من عباقرتها السياسيين روابط الصداقة والتقدير. فهل هؤلاء الرجال، قد أذنوا لنائبهم بالمغرب أن يخاطب السلطان ويعامله هذه المعاملة؟
ليس ذلك بممكن، فلنغض الطرف ولنتخل عن هذه الحفلة، ولننتظر من وزارة الخارجية تحديد موقفها من خطة الجنرال.
ولكن لم يأت هذا التسامح إلا بعكس ما كان ينتظر منه. فلقد ورد على السلطان، أعيان مراكش، مقترحين تشييد مدرسة مماثلة للمدرسة الرباطية، يتبرعون بالإنفاق عليها، ويأملون أن يشرفهم صاحب الجلالة بزيارة كريمة. وأطلع الجنرال جوان على مشروع الرحلة، فعلم أنه لا يمنع السلطان من الذهاب إلى مراكش، ولكنه يود أن يطلع من قبل على كل الخطب التي ستُلقى، كما يريد أن تؤخذ الاحتياطات، لمنع كل هتاف غير لائق. ولم لا يصدر ظهير بالحكم بالسجن على كل هاتف باستقلال المغرب. إذ إن المطالبة باستقلال المغرب، معناها طرد جميع الفرنسيين، والإلقاء بهم إلى البحر.
إن القصر والإقامة العامة لا يتكلمان لغة واحدة، ولا يخضعان لمبادئ منطق واحد، فكل اتصال وكل مذاكرة، وكل محاولة كانت لا تزيد الخلاف إلا اتساعا، والتفاقم إلا خطرا. سيما وقد أخذت السياسة الجديدة تترعرع وتمتد إلى كل ما يحيط بالسلطان، فلقد اضطر صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن إلى التخلي عن تدشين مدارس، منها مدرسة أزرو».
أيام عصيبة بالقصر.. قصة ظهير 1947 المنسي لإعادة تنظيم «المخزن»
«كانت هناك محاولات لإقناع السلطان بالانزواء في قصره، وبتسليم مقاليد الأمور إلى رئيس حكومته الصدر الأعظم، الحاج محمد المقري. غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل، فاضطرت الإدارة إلى تهييء برنامج بعيد المفعول، واسع الأفق، جدير بأن يصل إلى الهدف المنشود، فإن كل من سار على الدرب وصل. سيما وقد بدأت ثمار الحركة الأولى تقترب من النضج. ألم يلاحظ أنه منذ التغيير الذي وقع في الإقامة العامة، أنه لم يفتح من المدارس الحرة إلا النزر اليسير، وهي من بقايا العهد البغيض عهد السفير «لابون». ألم تتوارد الأخبار عن الصعوبات المالية، التي تصطدم بها أقوى المدارس الحرة وأقدمها؟ ألم يعد كثير من الباشوات والقواد إلى الخطة الرشيدة التي نشؤوا عليها، من اتصال مباشر حبي خالص، برجال الإدارة؟ وبالأخص روادها الموفقين، رجال الإدارة الداخلية؟ إننا نقترب من الهدف، فلنثابر».
رغم التفاؤل الذي خط به محمد ملين هذه السطور نهاية 1947، إلا أن واقع الحال بعد ذلك، أثبت أن تفاؤله لم يكن في محله. فقد جاءت الأحداث اللاحقة بعنف أكبر، وضع المغرب على صفيح ساخن، في محاولات للإيقاع بين السلطان ونخبة الحركة الوطنية. وهي الخطة التي قادها الجنرال «جوان» شخصيا عندما أصبح مقيما عاما.
بحكم أن الرشيد ملين كان قريبا من تلك الأحداث، في قلب ديوان السلطان محمد بن يوسف، فقد تفصل في وصف هذا التوتر الحاصل في العلاقة بين الإقامة العامة والقصر الملكي خريف 1947. ويواصل هنا سرد بقية التفاصيل، متطرقا إلى مخطط منسي لإعادة تنظيم جهاز المخزن، بواسطة ظهير مثير للجدل:
«.. ولكن ماذا تصنع الإقامة العامة بهذه الأكداس من المشاريع الخيالية التي خلفها المسيو لابون؟ إن فيها حقا أشياء جديرة بالتنفيذ. كذلك الإصلاح الأساسي الهام، والخطير، الذي أراد إدخاله على نظام المخزن، بتعيين نواب للصدر الأعظم، ينتدبهم للاتصال برؤساء الإدارات الفرنسية. حتى يوافوه بمعلومات عن سير هذه الإدارات، كلما توقفت دولته عن ذلك. نعم إن المشروع خطير، ولذا ينبغي التحري في تقديمه، وفي تعيين الشخصيات التي ستحتل هذه المناصب الجليلة.
وفعلا قدم المشروع، وصادف قبولا واستحسانا لدى السلطان، الذي، حسبه، برهانا على تبديل الخطة، ودليلا على وصول تعليمات جديدة من وزارة الخارجية. لكن تفاؤله تضاءل حينما شاهد لائحة المرشحين لهذه المناصب الجديدة، إنه يدرك أن من الواجب عليه ألا يجعل فروقا بين رعاياه، فهم كلهم لديه سواء، وهو لا يتهم أحدا، ولكن من حقه أن يختار لاحتلال الوظائف المتصلة به مباشرة رجالا عرفهم وخبرهم، وأحسن بهم الظن.. ولكن الإقامة العامة، رغبة في التفاهم، ومحافظة على حسن العلاقات، ستسمح لبعض خدام السلطان بالتوظف في المخزن، وأعلنت التغييرات المدخلة، وأسماء الموظفين الجدد، فإذا بها تشمل ثلة من الشباب المثقفين، الذين تقلبوا في وظائف مختلفة، ولكن السلطان لم يكن قد اتصل بواحد منهم أو خبره، اللهم إلا ما كان من الأستاذ عبد السلام الفاسي، نائب مندوب المعارف، وواضع برنامج التعليم للمدارس الحرة.
نعم لقد كانت على هامش هذه الحركة، تنقيلات في الموظفين، شملت كاتب السطور، حيث عين نائبا لوالده وزير الأوقاف، ولما نشر نص الظهير بالجريدة الرسمية، لاحظ القارئ أن هذا الظهير يكتفي بإعلان التغييرات المدخلة على المخزن، من غير أن يحدد اختصاص المندوبين الجدد».
حوار «القطيعة» بين الكلاوي والسلطان انتهى بطُرد الباشا
روايات كثيرة جرى تداولها بشأن «تمرد» الباشا الكلاوي على السلطان، في احتفالات عيد المولد النبوي في دجنبر 1950، على بعد أيام قليلة فقط على احتفالات الفرنسيين في المغرب برأس السنة الميلادية.
هنا، يحكي محمد الرشيد ملين عن كواليس الحفل. يقول:
«ولعيد المولد بالمغرب ميزة خاصة، فهو العيد الرسمي الذي يحتفل به المغاربة أكثر من غيره، ويحيطونه بمختلف مظاهر الأفراح والابتهاج. ولقد جرت العادة منذ القديم أن لا تكتفي المدن والنواحي بإرسال خلفاء الباشا، أو القائد لتقديم عبارات ولائهم لجلالة السلطان، كما يقع ذلك في عيد الفطر، أو عيد الأضحى. بل ينتقل إلى الرباط كل الباشوات والقواد للمشاركة بأنفسهم في مختلف حفلات العيد بالقصر الملكي. فيقيمون ليلة المولد بالمسجد الداخلي مع سيدنا أيده الله، ويسلمون عليه مع الهيأة الوزارية، صبيحة يوم العيد، وفي اليوم الثاني منه صباحا يسلم كل واحد منهم على حدة، وفي ظُهره تبتدئ حفلات الهدية التي تستمر ثلاثة أيام. ويتناول الباشوات الغداء على مائدة ولي العهد، أو على مائدة الصدر الأعظم.
ولقد سنت الإقامة العامة بدعة، إذ ألفت أن تستدعي إلى حفلة شاي، ظهر ثاني العيد، الهيأة الوزارية وجميع القواد والباشوات، ينضم إليهم أعيان مدن المغرب الكبرى. وهكذا في ليلة العيد تهاطل الناس من كل جهة على العاصمة المغربية، ولقد أحييت ليلة المولد بما هو جدير بالنبي العربي الكريم، فاستمرت قراءة الأمداح إلى الهزيع الأخير من الليل، ومرت حفلات اليوم الأول من العيد على أحسن حال، فلقد اجتمع الوزراء والباشوات والقواد حول ملك المغرب، في القاعة الصغرى قرب المسجد الداخلي، فقدموا إلى العاهل العظيم عبارات الولاء والإخلاص، وأنصتوا بخشوع وخضوع إلى نصائحه الثمينة الداعية إلى الاتحاد والتعاضد.. وانفض الجمع وقد امتلأت النفوس إيمانا واطمئنانا.
وفي اليوم الثاني من العيد كان يوما قدر له أن يسجل في تاريخ المغرب كمبدأ انفجار أزمة خطيرة هيأها للبلاد خصومها الألداء وأعداء هنائها وسعادتها ووحدتها.. ففي صباح هذا اليوم، تزاحم الباشوات والقواد على أبواب قاعة القصر السلطاني، منتظرين التشرف بتقبيل راحة ملكهم، وكان على رأسهم كما يقتضيه البروتوكول المخزني باشوات العواصم المغربية طنجة وفاس ومراكش، وكان نصيب الحاج التهامي الكلاوي، باشا العاصمة الجنوبية، أن يحظى بالمثول قبل زميليه..».
يسرد ملين ما دار بين الكلاوي والسلطان، خلال ذلك الاستقبال، الذي قلب الساحة السياسية في المغرب:
«لقد عمل كاتب هذه السطور على البحث عن حقيقة ما راج في هذا الاجتماع، فتوصل إلى النتيجة الآتية، وروايته هذه إن لم تكن مباشرة، فهي مستقاة من مصادر جديرة بالثقة، على أن الكاتب يقدمها بكل تحفظ، وبناء على هذه الرواية تكون المحادثة جرت كما يلي:
– الكلاوي: جئت أهنئ سيدنا بالعيد، وجئت أطلب منه أن يكف عنا هؤلاء الوطنيين. لقد أهانونا في مجلس شورى الحكومة وسبونا.
– جلالة السلطان: إن اليوم يوم عيد، يا باشا، ووفود المهنئين واقفة بالأبواب، فليس هذا مكان ولا وقت طرق مثل هذه المواضيع.
– الكلاوي: إنهم تجاوزوا الحدود، ولم يعد من الممكن تحمل هجماتهم بعد هذا.
– جلالة السلطان: إني لست بمسؤول عما يجري في مجلس شورى الحكومة، فهل أنا الذي أمرتك بالحضور في جلساته لتسمع ما سمعت؟
– الكلاوي: إننا جئنا لهذه الدار وأسلمنا قيادنا إليها لا لكي نُهان ونُحتقر ونُسب ونُذل.
– جلالة السلطان: إنني لا أرضى لأحد من عمالي أن يُسب أو يهان. كما لا أرضى له أن يستبد أو يجور. فمن أهانك سقه إلى المحكمة، وأقم عليه حجة تنصف ممن تجرأ عليك. إني حريص على إعطاء كل ذي حق حقه.
-الكلاوي: إنهم يهاجموننا في عقر دارنا. لقد صاروا يأتوننا زاعمين أنهم يتكلمون باسم سيدنا، ويبثون روح التمرد في القبائل. فصرت إذا أصدرت أمرا يكون عديم الجدوى، وإذا ما أظهرت صلابة أو شدة ضد فرد من الأفراد، أتى إلى أعتابكم فوجد آذانا صاغية، وأنا أطلب ألا يسمح لأحد بطرق أبواب القصر بشكاية ضدي..
– جلالة السلطان: أتريد مني أن أطرد من بابي رعايي اللاجئين إليّ؟ وألا أنصت إلى شكواهم؟ وألا أرفع عنهم مظلمتهم؟ كفى يا باشا، يجب أن تفهم أن روح الديموقراطية يجب أن تسود في هذه البلاد.
– الكلاوي: إنني لا أكف حتى أحصل على إرضاء مطلبي، ولي الحق في ذلك.
– جلالة السلطان: ليس لك أي حق في ذلك. اخرج واذهب إلى الصدارة العظمى، وانتظر أوامري.
.. وخرج الكلاوي يتعثر في أذياله، متوجها إلى الصدارة العظمى، ولم ينتظر طويلا حتى استدعاه الصدر الأعظم إلى مكتبه، وأبلغه أوامر صاحب الجلالة أن جلالة السلطان يأمر الحاج التهامي الكلاوي بالرجوع إلى مراكش، وبملازمتها وعدم طرق أبواب القصر الملكي إلى أن تصدر له تعليمات جديدة، وعليه أن ينفذ في الحين أوامر سيدنا..».
يقول ملين إن الخبر تسرب، ولم يكد الصدر الأعظم ينتهي من تقريع الباشا، حتى سرى الخبر ووصل إلى أبناء الباشا، وبقية موظفي القصر، ومنهم إلى بقية سكان الرباط، ولم يحل المساء حتى كان الخبر قد عمّ.
ذكريات «مشحونة».. اجتماعات مغلقة بين السلطان والمقيم العام سنة 1951
المقيم العام الجديد، الجنرال جوان، لم ينتظر طويلا لكي يحاول تضييق الخناق على السلطان. لكن توقعاته الزمنية كانت غير موفقة، فقد احتاج إلى سنوات من المحاولات، دون أن يحقق النتائج التي وعد بها باريس. وتحولت أسابيع المخططات إلى سنوات من التخطيط.. وأصبح وضع الجنرال محرجا.
منذ وصوله في ماي 1947، وهو يحاول هدم صلاحيات السلطان المخزنية. وها هو أحد اجتماعات يناير 1951، التي سجلها محمد الرشيد ملين في مذكراته، تشهد على هذه الوقائع.
يقول:
«.. في ظهر يوم الجمعة 26 يناير 1951، جاء الجنرال جوان، ممثل فرنسا ومقيمها العام بالمغرب، إلى القصر الملكي العامر، حاملا لائحة شروط يرى من الضروري أن يخضع لها سلطان المغرب، نظرا للأزمة المغربية الخطيرة التي تهدد سلامة البلاد، ويمكن أن تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، إن درجة خطورة الحالة بلغت حدا جعل المقيم يعجل باطلاع جلالة السلطان على ما يجب عليه أن يقوم به، إن أراد تلافي تطور الحالة بكيفية مهددة لشخصه ولعرشه ولمستقبل بلاده، والمقيم العام العازم على مغادرة المغرب، بقصد التوجه إلى الولايات المتحدة، للقيام هناك بمذاكرات برفقة المسيو بليفن، رئيس الوزارة، مع السلطات الأمريكية.
يترك للسلطان مدة للتفكير مليا في الأمر، ولكن هذه المهلة لا يمكن بحال أن تتجاوز مدة غياب المقيم، فالجنرال جوان يشترط أن يجد عند رجوعه من أمريكا جوابا مرضيا للشروط التي قدمها، وإلا فسيضطر إلى اتخاذ الوسائل الفعالة اللازمة لحفظ الأمن في المغرب. إن سلامة فرنسا، وسلامة الدول الغربية، تحتمان أن يشمل الهدوء هذه الناحية المكلف بها الجنرال جوان، الذي لديه التفويض التام للقضاء على كل مقاومة ولإبعاد كل الشخصيات التي ترفض أن تتعاون معه على الوصول إلى هذا الهدف، إذن فمصلحة السلطان تلزم بقبول شروط الجنرال جوان، وإلا فإن الظروف الداخلية التي يعيش فيها المغرب، وتطورات السياسة الخارجية، كل ذلك يجعل العرش العلوي والجالس عليه معرضين لأخطار عظيمة، أهونها خلع الملك، وتمزيق وحدة البلاد، واصطدام العنصرين البربري والعربي، وهجوم رجال البادية على سكان المدن، ووقوع مجزرة قد تلطخ دماؤها جدران القصر الملكي نفسه».





